التعاون بين المخابرات المركزية الأميركية وقيادة حزب البعث في العراق للإطاحة بسلطة 14 تموز في 8 شباط عام 1963

آراء وأفكار 2021/02/19 09:35:30 م

التعاون بين المخابرات المركزية الأميركية وقيادة حزب البعث  في العراق للإطاحة بسلطة 14 تموز في 8 شباط عام 1963

 إعداد: عادل حبه

يحتل موضوع العلاقة بين المخابرات المركزية الأميركية وقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق بهدف الإطاحة بسلطة 14 تموز والتمهيد لإنقلاب البعث في 8 شباط عام 1963 مساحة واسعة في بحوث ومؤلفات ومقالات الكثير من الباحثين والمؤلفين من شتى البلدان.

وهناك العشرات بل المئات من الكتب وبلغات متعددة تتناول هذا الحدث الخطير، ليس في تاريخ العراق، بل وفي العالم في ذروة إشتداد حمى الحرب الباردة التي إندلعت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ومن بين هذه المؤلفات مَن يناقش هذه الموضوعة بنفَس أكاديمي وموضوعي وحيادي، وهناك من يسعى إلى التمويه على هذا الحدث والردة في العراق ويحصره في إطار الصراعات الداخلية، وخاصة بين حزب البعث العربي الإشتراكي والحزب الشيوعي العراق،

حول قضايا مثل الوحدة العربية وموضوعة المد الأحمر وتصرفات الشيوعيين تجاه موضوعة الإيمان الديني وإفتعال الإتهامات والإنتهاكات ضدهم وغيرها من المفردات التي تتستر على الجوهرالحقيقي لهذا الصراع، علاوة على التستر على التحالف بين قيادة حزب البعث والمخابرات المركزية وأطراف إقليمية ومخابرات دولية وشركات النفط، وبمن فيهم قادة الجمهورية العربية المتحدة وأحزاب قومية وإسلامية ومراجع دينية للإجهاز على مكتسبات ثورة 14 تموز والإطاحة برموزها وتوجيه الحربة بالأساس ضد الحزب الشيوعي العراقي، الذي شكّل بتحالفه غير المعلن مع الزعيم الكريم قاسم ضمانة لردع جميع المؤآمرات التي حيكت ضد الشعب العراق في الشهور الأولى بعد قيام الثورة. ولكن مع إنفراط هذا التحالف غير المعلن بين أركان الثورة، أصبح الطريق معبداً لتحالف واسع داخلي وإقليمي ودولي لنشر حمامات الدم في العراق وضياع كل المكتسبات التي أحرزها الشعب بعد الثورة، ونقل العراق إلى دائرة الصفر. ونتيجة لذلك أصبح العراق مرتعاً للتدخل الشامل لقوى إقليمية ودولية للتدخل الفظ في الشؤون الداخلية للعراقيين، والتي مازلنا نعاني منها، وأصبحت عائقاً أمام استقرار البلاد وإعماره إلى الآن. طياً مرور سريع يلقي الضوء على ما تعرض لها العراق منذ الأيام الأولى لإنتصار الثورة من مكائد كان محورها التعاون بين المخابرات المركزية الأميركية وقيادة حزب البعث العربي الإشتراكي. 

ومن أجل التمهيد لهذا المخطط، أعلن ألن دلاس Allen Dulles مدير وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) في شهادته امام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في نيسان عام 1959، بأن الوضع في العراق هو "أشد الأوضاع خطورةً في العالم، وأن القوى الشيوعية على وشك السيطرة على العراق بشكل تام".

وفي عام 1978‏ نشر الثنائي أديث و إي أف بنروز Edith and E. F. Penrose كتابهما الموسوم "العراق: العلاقات الدولية والتطور الوطني" Iraq: International Relations and National Development. وأجريا مقابلات مع "بعثيين عراقيين حسني الاطلاع"، الذين أكدوا أن وكالة المخابرات المركزية تعاونت مع البعث في عام 1963. وأخبرنا "هاشم جواد وزير الخارجية في عهد قاسم بأن وزارة الخارجية العراقية كانت لديها معلومات عن وجود تواطؤ بين البعث ووكالة المخابرات المركزية (سي آي أي)".

وفي عام 1991 نشر ديفيد وايز David Wise تقريراً في صحيفة "لوس انجلس تايمز" تقريراً بعنوان "شعب مغدور" A People Betrayed. عرض وايز في هذا التقرير رواية عن شهادات لعملاء في وكالة المخابرات المركزية يعترفون فيها بمحاولة اغتيال فاشلة كانت من تخطيطهم في عام 1960 ضد عبد الكريم قاسم. وأضحى التقرير علني وواضح وورد في هامش عابر في تقرير تشيرش "the Church Commission" عن الاغتيال والذي صدر في عام 1975. وينبغي ألاّ يُخلط هذا مع محاولة الاغتيال الفاشلة التي نُفذت عراقياً في عام 1959 بمشاركة صدام حسين.

وقدم ويليام زيمان أطروحته المعنونة "التدخل السري للولايات المتحدة في العراق خلال الفترة 1958-1963" ( U.S. COVERT INTERVENTION IN IRAQ 1958-1963:THE ORIGINS OF U.S. SUPPORTED REGIME CHANGE IN MODERN IRAQ) للحصول على شهادة الماجستير في التاريخ في كلية الجامعة البوليتكنيكية في ولاية كاليفورنيا، بومونا، شرحاً مفصلاً وموثقاً حول تدخل الولايات المتحدة في شؤون العراق وعلاقة المخابرات المركزية الأميركية مع قيادة حزب البعث العربي الإشتراكي .

ولعل سعيد ك ابو ريش يعد من أكثر المؤلفين إحاطة بموضوع التدخل الاميركي في العراق خلال الفترة الممتدة من 1958 الى 1963. فان كتابيه المعنونان "صداقة وحشية: الغرب والنخبة العربية" A Brutal Friendship: The West and the Arab Elite، الصادر عام 1997، و"صدام حسين: سياسة الانتقام" Saddam Hussein: The Politics of Revenge ، الصادر عام 2000، يعترفان بما ورد في بحوث كتّاب سابقين مثل مالك المفتي وحنا بطاطو ومحمد حسنين هيكل وماريون وبيتر سلوگليت، ولكنه يذهب أبعد منهم بكثير. وتتمثل المساهمة المتميزة لابو ريش في كونه يضيف معلومات مفصَّلة حصل عليها بخبرته الشخصية، إضافة إلى مقابلات عديدة مع شخصيات قامت بأدوار أساسية في انقلاب 1963 مثل جيمس كريتشفيل James Critchfield، مسؤول الشرق الأوسط في وكالة المخابرات المركزية خلال عام 1963 وهاني الفكيكي عضو قيادة حزب البعث خلال عام 1963، والعديد من الاميركان والعراقيين الآخرين، المذكورين بالاسم أو من الذين بقيت اسمائهم طي الكتمان، ويستشهد كتاب "صداقة وحشية" بـ 58 مقابلة بالاسم وبـ 29 مقابلة بلا اسم، كذلك يورد في كتابه "صدام حسين" 67 مقابلة بالأسم و46 مقابلة بلا أسم، كما يستخدم المؤلف بصيرته الشخصية للولوج في العلاقات العراقية-الاميركية السرية من خلال ما اكتسبه من خبرة أثناء عمله صحفياً في منطقة الشرق الأوسط إبان الخمسينيات والستينيات، وعمله كحلقة وصل بين الشرق والغرب في مشتريات أسلحة ومعدات ستراتيجية للعراق خلال الفترة الممتدة من 1974 الى 1977 ومن 1981 الى 1984.

في عام 2003 نشر ريتشارد سايل من وكالة يونايتد برس انترناشنال (يو بي آي) تقريراً تحت عنوان "خاص: صدام لاعب أساسي في مؤامرة سابقة حاكتها وكالة المخابرات المركزية"Exclusive: Saddam Key in Early CIA Plot.. فبالاستناد إلى مقابلات مع "درزينة من الدبلوماسيين الاميركان السابقين والباحثين البريطانيين ومسؤولين أمريكان سابقين في المخابرات "، فانه قدّم على شبكة الانترنت، معلومة تفصيلية وحيدة عن تفويض وكالة المخابرات المركزية وضلوعها في محاولة الاغتيال الشهيرة التي استهدفت عبد الكريم قاسم في تشرين الأول عام 1959. وبحسب سايل، فان الهجوم الفاشل بالأسلحة النارية نُفذ بمشاركة صدام حسين بوصفه عميلاً أجيراً لوكالة المخابرات المركزية، والذي قامت الوكالة لاحقاً باخلائه وتدريبه ودعمه في الخارج، وتؤكد هذه القصة على ظنون كانت ترد كتلميحات فقط في كتابات تاريخية سابقة، ولكن وضع آخرون علامة استفهام على رواية سايل ، فيعتقد ابو ريش أن علاقة وكالة المخابرات المركزية بصدام حسين قبل هروبه الى مصر ليست ممكنة، ويعتقد بيل ليكلاند Bill Lakeland السكرتير السياسي الأول في السفارة الاميركية في بغداد عام 1963 أيضاً أن تعاون الوكالة مبكراً في محاولة الاغتيال التي جرت عام 1959 هو ضرب من الوهم. وعلى الغرار نفسه، استبعد ايكنز رواية سايل حيث كتب يقول: "إن ريتشارد سايل إنسان جيد جدا، وأقول إنه موثوق على نحو استثنائي، ولكن إذا قال أو كتب أو اعتقد أن وكالة المخابرات المركزية كانت وراء هذا الهجوم على عبد الكريم قاسم فانه مخطئ قطعاً". لذا فان مزاعم سايل، من دون وجود دلائل تؤكدها، لا يمكن أن تُعتبر وقائع تاريخية. 

في عام 2005 نشر المؤلف والمراسل المختص بشؤون الشرق الأوسط جون كي كولي John K. Cooley كتابه الموسوم "تحالف ضد بابل: الولايات المتحدة وإسرائيل والعراق"An Alliance against Babylon: The U.S., Israel and Iraq. ففي هذه الكتاب يسلط الكاتب الضوء على دور وكالة المخابرات المركزية في انقلاب 1963، ويعتمد الكاتب اعتماداً كبيراً على ابو ريش، لكنه يضيف مادة جديدة عن جيمس كريتشفيلد رئيس عمليات الشرق الأدنى في الـ"سي آي أي" في أوائل الستينيات. ويسلط كولي الضوء أثناء النعي في مقبرة آرلينغتن الوطنية ويشير إلى أن كريتشفيلد اعترف بأنه أوصى بأن تقدم وكالة المخابرات المركزية الدعم لحزب البعث في أوائل الستينيات، وأوضح " ربما كنا نعرف قبل ستة أشهر إن ]الانقلاب[ سيحدث". ويقدم كولي تاريخاً موجزاً لسجل كريتشفيلد العسكري والاستخباراتي، ويتناول بعض نشاطاته خلال الأشهر الأولى من عام 1963 في خطوطها العامة.

وفي عام 2005 ايضاً، نشر ويليام بلوم طبعة محدَّثة من كتابه "دولة مارقة: دليل الى القوة العظمى الوحيدة في العالم"A Rogue State: A Guide to the World’s Only Superpower ، الذي نُشرت طبعته الأولى عام 2000. وخصص بلوم في هذا الكتاب فصلاً طويلاً يلخص فيه كل تدخلات الولايات المتحدة. ويتضمن هذا الفصل مقطعاً عن العراق خلال الفترة من 1958 الى 1963، حيث يضيف فيه بلوم إضافة مهمة الى التدوين التاريخي عن طريق ما ينقله من تقارير تتعلق بوثائق رسمية بريطانية تكشف عن دعم بريطانيا للحكومة البعثية الجديدة في عام 1963، ويلخص مقابلة كاشفة أجراها مراسل صحيفة "لوموند" مع عبد الكريم قاسم في أوائل عام 1963، وبحلول عام 2000 عندما صدر كتاب "دولة مارقة"، وكان بلوم قد جمع مادة وفيرة ليضمنها في انقلاب 1963 في العراق ضمن لائحة التدخلات الاميركية التي أعدها، إن هذه الدراسة التي تتناول تدخل الولايات المتحدة الخفية في العراق خلال المراحل الأولى من تاريخه الحديث، تضيف معلومات أخرى إلى المؤلَف السابق، مستقاة من دراسة وثائق الحكومة الأميركية، وتغني النص باستخدام مقابلات في التاريخ المنقول شِفاهاً مع ابو ريش ومسؤولين متقاعدين في وزارة الخارجية مثل ويليام ليكلاند وجيمس ايكنز والمسؤول السابق في وكالة المخابرات المركزية ايد كي Ed Kane. لقد شغل ليكلاند وايكنز منصبي السكرتير الأول والثاني للدائرة السياسية في سفارة الولايات المتحدة في بغداد خلال الفترة التي سبقت انقلاب 1963 والفترة التي أعقبته، وكان ايد كين رئيس مكتب العراق في مقر وكالة المخابرات المركزية في واشنطن وقتذاك، وهناك مزيد من المطبوعات عن هذا الموضوع سنأتي على ذكرها لاحقاً.

وكالة المخابرات المركزية بدأت في الأيام الأولى التي أعقبت الانقلاب بالتعاون مع ملك الأردن حسين ومع شاه إيران وأجهزة مخابراتهما في محاولة للتوصل إلى وسيلة لاسقاط عبد الكريم قاسم. وبحسب ملفات تتعلق بالولايات المتحدة ويعود تاريخها الى 11 تشرين الأول 1959، فإن وزير الخارجية العراقي عبد الجبار الجومرد قال في حينه:

بإنهم"علموا بوجود أعداد كبيرة من العملاء الاميركان المتوجهين الى إيران وأماكن أخرى من المنطقة للعمل على تنفيذ ثورة ردة في العراق، وبدا أن هذه التقارير التي تتحدث عن هذه النشاطات قد تأكدت من حقيقة أن الولايات المتحدة "تأخرت كثيراً" في الاعتراف بالنظام، ودفعت مع البريطانيين بقوات الى المنطقة، وشعرت السلطات العراقية أنه بات من الضروري اتخاذ اجراءات حازمة لحماية نفسها ضد أعمال معادية محتملة".

ويمضي الجومرد ليُعدّد هذه الإجراءات ثم يختم كلامه مع التأكيد: "لكن غالبية الصعوبات التي لها هذا الطابع قد انتهت، وأن لدى الحكومة رغبة في إعادة العلاقات الطيبة مع الولايات المتحدة ومع ممثليها بأسرع وقت ممكن". وفي تشرين الأول 1958 أيضاً، لاحظت وكالة المخابرات المركزية أن بالإمكان استخدام الكرد لزعزعة الحكومة العراقية، ليس بأنفسهم كما فعلوا في سنوات لاحقة، خوفاً من تدخل الاتحاد السوفيتي في كردستان، وفي مذكرة نقاش (وهي مصنفة سرياً حتى الآونة الأخيرة) تتعلق باجتماع جرى في 4 كانون الأول 1958، نقلت السفارة الاميركية في بغداد الى واشنطن طلب تمويل قدمه قائد مجموعة من المتآمرين العراقين المعادين للشيوعية، وما زال اسم قائد المجموعة مصنف سرياً، وقيل له "إنه ليس من المناسب ولا من المرغوب فيه أن تقوم قوة خارجية مثل الولايات المتحدة بالتدخل في شؤون العراق الداخلية". وكان هذا الطلب على الأرجح مقدماً من قبل المتآمرين القوميين الذين كانوا يخططون علناً لانقلاب مدعوم من الجمهورية العربية المتحدة بقيادة رشيد عالي الكيلاني، وكان مخططاً أن يجري التنفيذ بعد أسبوع. . رفضت الولايات المتحدة العرض لأنها كانت تعتقد أن "هناك احتمالات قوية في أن تكون هذه المحاولة مجرد استفزاز". وكان الاميركان حذرون على نحو مفهوم لأن البريطانيين نقلوا لهم أن قاسم أبلغ السير مايكل رايت Sir Michael Wright من وزارة الخارجية البريطانية بأن "لديه معرفة مطلقة بأن الاميركان، قبل فترة قصيرة جدا، رتبوا سفر ثلاثة أشخاص من إيران للعمل ضد النظام العراقي، وإن هناك نشاطاً مماثلاً يقوم به العملاء الاميركان في جنوبي العراق".

كانت المخابرات المركزية لديها علم سلفاً بتمرد الموصل في آذار 1959 في العراق. فقد أرسل جون اس دي ايزنهاور John S. D. Eisenhower تقريراً الى واشنطن في 28 شباط "يشير الى أنه من المقرر القيام بانقلاب تنفذه عناصر في الجيش العراقي مدعومة من عبد الناصر في الفترة الواقعة بين 2 و5 آذار ". وخلال اجتماع مجلس الأمن القومي في 5 آذار قال مدير وكالة المخابرات المركزية دلاس إن "هناك تقارير تستمر في الوصول إلينا تحكي عن مؤامرات تحاك ضد رئيس الوزراء قاسم. وسواء أكانت هذه المعلومات صحيحة أم لا، فان الوضع في العراق يتطلب أقصى درجات الاهتمام من الولايات المتحدة وربما يملي على الولايات المتحدة الاتصال بعبد الناصر لمواجهة النتائج المحتملة". ويتابع السيد دلاس قائلاً" يبدو أننا نواجه خياراً بين الشيوعية أو الناصرية وإن الأخيرة تبدو أهون الشرّين". 

بلغ الشيوعيون في العراق ذروة نفوذهم في نيسان وأيار عام 1959. وأثار هذا توجساً ليس بالقليل لدى صنّاع السياسة الاميركيين. وجرت مناظرة مفتوحة حول غزو العراق "لانقاذه من الشيوعية". وناقش مجلس الأمن القومي إمكانية تغيير النظام بعملية خفية كما حدث مع "مصدق" في "إيران". وفي هذا الوقت القى ألن دلاس خطابه الناري أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ. ولكن الغلبة كانت لذوي الرؤوس الباردة، وتقرر تقديم أقصى ما يمكن من الدعم لعبد الناصر قدر الإمكان دون إثارة حفيظة حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وينبغي أن يُغازل قاسم بوصفه ثقلاً مضاداً لنفوذ الشيوعيين (رغم أن الكثيرين كانوا يشكون في قدرته على مقاومتهم)، على أن تبقى نشاطات الولايات المتحدة بعيدة عن الأنظار وتواصل ما يمكن تنفيذه من برامج تجارية وثقافية على أمل أن يكونوا البديل عن الاتحاد السوفيتي في مساعدة العراق. ومع ذلك كان القلق من وقوع العراق في أحضان الشيوعية عميقاً بحيث إن مجلس الأمن القومي اتخذ القرار رقم 2068 بتشكيل "لجنة خاصة حول العراق" تجتمع وتقدم ما يمكن إعداده من خطط عمل لتبديد هذا القلق خلال السنوات القليلة المقبلة. 

كانت الولايات المتحدة على معرفة بمخطط الاغتيال والمؤامرة الانقلابية منذ 24 أيلول. وبحسب ريتشارد سيل، فإن أميركا كانت أكثر من مُطلعة، فقد تعاونت وكالة المخابرات المركزية مع المصريين في تمويل محاولة الاغتيال وتنظيمها في 7 تشرين الأول 1959، وخولت الوكالة، بحسب رواية سيل، فريق اغتيال يضم ستة من عناصر حزب البعث بينهم نصير شاب اسمه صدام حسين. "وأُسكن صدام في شقة في بغداد تطل على شارع الرشيد مباشرة مقابل مقر قاسم في وزارة الدفاع العراقية لرصد تحركاته". وكان عميل السي آي أي المكلف بالاتصال مع صدام طبيب أسنان عراقي يعمل لحساب المخابرات المصرية التي كانت تتعاون مع الأميركيين لاسقاط قاسم بسبب وقوفه ضد الأماني القومية للشعب العراقي في الانضمام الى الجمهورية العربية المتحدة. و"كان صدام يقبض الأموال من الرائد عبد المجيد فريد معاون الملحق العسكري في السفارة المصرية، الذي كان يدفع إيجار الشقة من حسابه الشخصي".

وأثناء وجود صدام في بيروت كانت وكالة المخابرات المركزية تدفع إيجار شقته وعمدت الى إدخاله في دورة تدريبية قصيرة، ثم ساعدته على الوصول الى القاهرة".

لاحظ الاميركيون ما لحزب البعث من ميول واضحة في عدائه للشيوعية. وبدأوا ينظرون إليه بوصفه طريقاً بديلاً وسط بين قاسم والشيوعيين أو عبد الناصر والقوميين العرب الراديكاليين. ومن الثابت أن صدام حسين وغيره من البعثيين أصبحوا على تواصل حميم مع وكالة المخابرات المركزية على الأقل بعد محاولة الاغتيال خلال وجودهم خارج العراق، في دمشق أو بيروت أو القاهرة. وصرح الموظف السابق في مجلس الأمن القومي والكاتب روجر موريس Roger Morris لوكالة رويترز مؤخراً "هناك في القاهرة اتصلت وكالة المخابرات المركزية لأول مرة (بصدام) والآخرين". وقال مسؤول كبير سابق في وزارة الخارجية الاميركية لم تُكشف هويته للباحثين ماريون وبيتر سليگليت إن صدام حسين والبعثيين اتصلوا بالسلطات الاميركية في أواخر الخمسينيات، وكان يُنظر الى البعث على أنه "قوة المستقبل السياسية" التي تستحق دعم الولايات المتحدة ضد "قاسم والشيوعيين"، وفي 10 كانون الأول 1959، حينما كان ضابط وكالة المخابرات المركزية ريتشارد بيسل Richard Bissell يتحدث عن "طريق ثالث" في العراق ويتطرق الى إمكانية تدخل الجمهورية العربية المتحدة، نقل الى مجلس الأمن القومي أن "عبد الناصر كان على اتصال وثيق مع حزب البعث". وبما أن الاميركيين كانوا يعملون بالتعاون مع عبد الناصر، فمن المؤكد أنهم بحلول ذلك الوقت كانوا على اتصال بالبعث أيضاً ، وقد اعترف جيمس كريتشفيلد لوكالة اسوشيتد برس انه قدم توصية الى حكومة الولايات المتحدة يطلب فيها التعاون مع حزب البعث في أوائل الستينيات.

إن الجيش الاميركي ووكالة المخابرات المركزية مؤسستان تستجيبان للكونغرس وللرئيس عند الضرورة. وتبعاً لذلك فانهما تعملان دائماً على إعداد خطط طوارئ مثل "عملية كانونبون" Operation Cannonbone، وهي خطة غزو العراق من تركيا. وكانت إحدى هذه الخطط التي أعدتها وكالة المخابرات المركزية خطة خبيثة "لإشاعة العجز عند عبد الكريم قاسم". وفي هذا الشأن جاء في تقرير التحقيق الذي أجراه مجلس الشيوخ عام 1975 بالارتباط مع عمل لجنة تشرتش Church Committee ما يلي: 

"في شباط 1960 طلب قسم الشرق الأدنى في وكالة المخابرات المركزية تأييد ما سماه رئيس القسم "لجنة التغيير الصحي"، لغرض تنفيذ "عملية خاصة" هدفها "شل" ضابط عراقي (قاسم) يُعتقد أنه "يخدم المصالح السياسية للكتلة السوفييتية في العراق"، وطلب القسم مشورة اللجنة بشأن اعتماد تكنيك "لا يؤدي إلى عوق كلي، بل يمنع الهدف من ممارسة نشاطاته المعتادة مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر...فنحن لا نسعى بوعي الى إبعاد الشخص المستهدف عن الساحة بصورة دائمة، كما إننا لا نبغي تطور هذا العوق عند الهدف.

في نيسان من نفس العام، أوصت اللجنة بالاجماع قسم العمليات بأن تُنفَّذ عملية العوق، مع ملاحظة مدير العمليات الذي نصح بأنها ستكون عملية "مرغوبة للغاية"، كانت العملية التي تمت الموافقة عليها تتضمن أن يُرسل بالبريد منديل محاك عليه الأحرف الأولى من أسم الشخص المستهدف بعد "معالجة المنديل بمادة من نوع ما لمضايقة الشخص الذي يستلمه".

واستناداً الى أبو ريش، أدى انفراط عقد الجمهورية العربية المتحدة في عام 1961 الى تخفيف حدة التوجس من التعاون مع الاستخبارات المصرية. وفي عام 1961 قدم الاميركان الى عبد الناصر خطة لإسقاط قاسم بانقلاب بعثي، وأبدى عبد الناصر موافقته على الخطة. "ومنذ عام 1961 وحتى الإطاحة بقاسم في شباط 1963، كان قسم العراق في المخابرات المصرية يتولى مهمة تسهيل الاتصالات بين وكالة المخابرات المركزية وعراقيين لجأوا الى القاهرة. وعمل الاميركان على زيادة هذه الاتصالات بإقامة صلات بين محطات الوكالة في بيروت ودمشق وضباط سابقين في الشرطة العراقية في زمن العهد الملكي وعناصر مسيحية لبنانية وسوريّة تنتمي الى حزب البعث القومي العربي نفسه الذي يناصب قاسم العداء". وبحسب العاهل الأردني الملك حسين فان "لقاءات كثيرة عُقدت بين حزب البعث والمخابرات الأميركية، حيث عُقدت أهمها في الكويت".

كان صدام حسين واحداً من الذين اتصلت بهم وكالة المخابرات المركزية في القاهرة. فقد جاء صدام الى القاهرة في شباط 1960. وبحسب سيل، فان صدام "أُسكن في شقة بحي الدقي الراقي، وكان يمضي وقته يلعب الدومينو في مقهى انديانا، حيث تراقبه عيون الوكالة والمخابرات المصرية... ولكن خلال هذه الفترة كان صدام يقوم بزيارات كثيرة للسفارة الاميركية حيث كان يعمل خبراء لدى وكالة المخابرات المركزية مثل مايلز كوبلاند ورئيس محطة الوكالة جيم ايكلبرغرJim Eichelberger، وكانوا يعرفون صدام، بل إن الاميركان المسؤولين عن الاتصال بصدام شجعوا المصريين المسؤولين عنه على زيادة مخصصاته الشهرية". وسواء أكان هذا صحيحاً أم لا، فان كتّاباً آخرين ينقلون أن صدام كان على اتصال مع الاميركيين، وهذا ثابت بلا مراء. وكانت المباحث المصرية تراقب صدام عن كثب وتقوم في أحيان كثيرة بتفتيش شقته واحتجزته ذات مرة رهن التوقيف في السجن خلال إقامته التي استمرت ثلاث سنوات في القاهرة، وعلى الرغم من تعاون المصريين مع وكالة المخابرات المركزية إلا انهم كانوا ينظرون الى الاميركيين بريبة شديدة ايضاً، وبالتالي الى اللاجئين البعثيين الذين كان الاميركان يزورونهم. 

وبصرف النظر عن طريقة السي آي أي في اصطياد البعثيين العراقيين، فقد وصل نبأ لقاءاتهم الى القادة البعثيين في دمشق، واحتدم الجدل بين البعث السوري والبعث العراقي. ويروى جمال الأتاسي الذي كان وزيراً في الحكومة السورية وقتذاك فحوى تلك النقاشات: "عندما اكتشفنا هذا الأمر، بدأنا بمناقشتهم وكانوا يبررون تعاونهم مع وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) والولايات المتحدة بأنه لغرض أسقاط عبد الكريم قاسم والاستيلاء على الحكم. كانوا يقارنون ذلك بكيفية وصول لينين بقطار ألماني للقيام بثورته قائلين إنهم وصلوا بقطار اميركي. ولكن في الواقع، وحتى في حالة تسلم مقاليد الحكم في سوريا، فقد كان هناك دفع من الغرب وبخاصة من الولايات المتحدة كي ليستولي البعث على السلطة ويستأثر بها ويستبعد كل العناصر والقوى الأخرى (أي الشيوعيين والناصريين).

هذا هو جوهر الصراع الذي دار في العراق في تلك الفترة، فهو ليس صراعاً حزبياً يتحمله الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي كما يصوره البعض، بل كان محور الصراع الدولي للهيمنة على العراق وعرقلة نهجه المستقل دولياً إرجاع " الحصان إلى إسطبله" كما كان يبغيه سادة المخابرات المركزية الأميركية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top