موسيقى الاحد: الكانتاتا الشيوعية

موسيقى الاحد: الكانتاتا الشيوعية

ثائر صالح

يأتي باخ في أذهاننا كلما نسمع بشكل الكانتاتا. ظهر هذا الشكل الغنائي في إيطاليا في أوائل القرن السابع عشر واستعمل لتقديم الأعمال الدينية والدنيوية على حد سواء وعلى الأغلب مع وجود الرواة (الالقاء الملحن رتسيتاتيف).

غلب الطابع الديني على الدنيوي الذي استخدم في المناسبات مثل الزواج وأو أعياد الاسم والميلاد في القرن الثامن عشر. تحول الشكل الديني إلى اوراتوريو صغير وتوسعت مواضيع الشكل الدنيوي في القرن التاسع عشر وانتعش مجدداً في القرن العشرين. 

كتب في هذا الشكل إلى جانب باخ عدد كبير من المؤلفين، منهم فيليب جورج تلمان معاصر باخ الذي كتب أكثر من ألف كانتاتا، لكن لا نستطيع إغفال أسماء أخرى برعت فيه مثل غوتفريد شتولتسل (1690 – 1749) أو كريستوف غراوبنر (1683 – 1760)، وحتى هندل الذي كتب عدداً منها في شبابه في إيطاليا (بالإيطالية). كتب الكثير من الموسيقيين في هذا الشكل في القرن التاسع عشر، مثل فيبر وبرليوز ومندلسون. واستمر ذلك في القرن العشرين لكن في عودة إلى المواضيع الدنيوية بشكل أكبر، من أهم وأشهر هذه الأعمال كانتاتا بروفانا لبيلا بارتوك وكارمينا بورانا لكارل اورف. حصل هذا الشكل على أهمية في الاتحاد السوفيتي بالارتباط مع الاحتفال بذكرى ثورة أكتوبر أو تمجيد لينين أو ستالين.

من الأعمال الجديرة بالتنويه نذكر كانتاتا الأم التي ألف نصها برتولت بريشت استنادا الى رواية الأم لغوركي (1906) ووضع موسيقاها المصاحبة هانس آيزلر (1898 – 1962). قدم العمل في البداية كمسرحية في برلين سنة 1932 بحوار مع تسع قطع موسيقية، لكن آيزلر قدمها لاحقاً في نيويورك سنة 1935 كعمل غنائي للصالة الموسيقية لأصوات متسوسوبرانو وباريتون مع كورس وبيانوين (عمل رقم 25). استمر آيزلر في صقله وقدمه من جديد في المانيا الديمقراطية في البرلينر انسمبل بشكله المعروف حالياً.

هدف هذا "العمل التربوي" حسبما وصفه بريشت هو نقل رسالة سياسية، فالنص سياسي واضح ودعوة للشيوعية. أما الجانب الموسيقي فهو مثير للاهتمام، فالشكل هو كانتاتا ويسير على نفس التراث وأعتقد أنه أقرب إلى الشكل الديني منه إلى الدنيوي بسبب طبيعته الدرامية، وفيه الكثير من الإشارات إلى باخ سيد الكانتاتا. يبدأ آيزلر العمل بمقدمة لبيانوين في أسلوب الفوغا (تتابع تكرار الأصوات) وهي أول إشارة إلى باخ الذي برع بهذا الشكل الموسيقي المعقد. الإشارة الثانية هي اقتباسه لحن الآريا الثامنة "أسقط الجبابرة من عروشهم ورفع الضعفاء" من عمل باخ "ماغنيفيكات" وهو عمل غنائي ديني رائع. نظرة الى عناوين بعض القطع في هذا العمل تدلل على طبيعته التحريضية الدعائية: اعمل، اعمل أكثر (اقتباس لحن باخ) – في مديح الشيوعية – في مديح الثوار – في مديح الأمهات مثل فلاسوفا – انهضوا. 

لم يحصل آيزلر على الشهرة التي تناسب فنه ونتاجه الموسيقي والفكري والنضالي مثل شهرة بعض أقرانه مثل كورت فايل (مؤلف أوبرا القروش الثلاثة وجمهورية الماهاغوني) فآيزلر أفضل من الناحية الموسيقية، وكان أكثر اتساقاً مع برتولت بريشت على الصعيد الفكري. 

اضطر لمغادرة منفاه في الولايات المتحدة بعد سنوات طويلة قضاها في تأليف موسيقى الأفلام في هوليوود، بسبب اتهامه بالشيوعية من قبل لجنة مكارثي، وقد أطلق عليه في وقته لقب كارل ماركس الموسيقى. يعرف آيزلر كذلك بتأليفه النشيد الوطني لألمانيا الديمقراطية وهو من الأناشيد الوطنية الجميلة. ولا يزال معهد الموسيقى العالي في برلين (الشرقية) يحمل اسم هانس آيزلر الى اليوم.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top