التجربة الديمقراطية في العراق بين الفشل وآمال التغيير الإيجابي

آراء وأفكار 2021/02/20 09:24:10 م

التجربة الديمقراطية في العراق بين الفشل وآمال التغيير الإيجابي

 د. أحمد عبد الرزاق شكارة

إقترابنا من موعد الانتخابات البرلمانية "المبكرة" في تشرين الأول 2021 يثير جملة تساؤلات حيوية تنبع في الصميم من توجهات وآفاق وتداعيات التغيير الايجابي المنتظر حصوله على مستوى الدولة ، ما يستدعي التساؤل عن مصير التجربة المستقبلية الديمقراطية في العراق؟

جهود سياسية رسمية يفترض أن تحمل أبعاداً ومسؤوليات ستراتيجية تتضمن قيماً ومبادئ إنسانية عليا معطياتها ومضمونها غنية بالعطاء شفافة في طبيعة الإعلان والإعلام عنها ترنو لبث الأمل بإتجاه التوصل لهدف ستراتيجي يأخذ العراق نحو عالم أفضل A Better World وليس بالضرورة إنقاذ العراق totally Saving Iraq من كل الأزمات والمشكلات المريرة القاسية . هدف من الصعب تصوره حالياً كونه مازال مثالياً وليس واقعياً على الأقل في المرحلة الانتقالية الممتلئة بالتحديات الخطيرة "الداخلية والخارجية" ما يتطلب اقتناص واستثمار الفرص المناسبة بكل إقتدار وصولاً لحالة تمكين المجتمع من بناء الدولة المدنية الحديثة "دولة المواطنة الحقة".

عالم يمكن استشراف مستقبله من معطياته ، خصائصه وأهدافه الرئيسة التي ستتبلور في القادم من الزمن بصورة يفترض أن تؤكد أهمية الركون لمتانة وشفافية مؤسسات النظام والتجربة الديمقراطية . مسار يقدم للعراق وللعراقيين خدمات إنسانية حقيقية بعيداً عن حالات الهشاشة أو الضعف الشديد في مجابهة التحديات المتعددة والمتداخلة في الميادين الامنية – السياسية – الاقتصادية والستراتيجية . مسألة الهشاشة في النظام الديمقراطي ليست قاصرة على العراق فقط حيث أن الولايات المتحدة في ظل الرئيس الاميركي السادس والاربعين جو بايدن قد أشارت إليها على سبيل التحذير من عواقب وتداعيات فشل عزل الرئيس الاميركي دونالد ترامب من قبل مجلس الشيوخ الاميركي لمسؤوليته عن الهجوم غير المسبق على مبنى الكابيتول The Capitol من قبل مؤيديه الذين اعترضوا على نتائج الانتخابات الاميركية. من هنا، أهمية ترجمة التحديات إلى فرص يمكن استثمارها من قبل إدارة بايدن لإنجاح وإستعادة الثقة بالديمقراطية الاميركية . أما ما يخصنا ، السؤال المطروح : هل ستنجح التجربة الديمقراطية العراقية ؟؟ أم أنها ستؤدي إلى الفشل السياسي – الأمني – الاقتصادي والاجتماعي والستراتيجي مع كل التداعيات المتوقعة خاصة إذا لم يتم معالجتها بصورة معمقة وواقعية تأخذ بالاعتبار طبيعة التعقيدالسياسي وآفاق التغيير المنشود الذي يرافق التجربة الديمقراطية الحديثة؟ . 

بدءاً نتفق مع ما ذكره الدكتور علي الدين هلال في كتابة الموسوم : "الانتقال إلى الديمقراطية : ماذا يستفيد العرب من تجارب الاخرين؟ من إن جزءاً أساسياً من تعريف الديمقراطية يشير إلى أنها "مجموعة قيم ومؤسسات تتأثر بسياق المجتمع الذي تنشأ فيه، فشتّان بين أداء المؤسسات الديمقراطية (أحزاب-إنتخابات- برلمان-حكومة...) في الدول الديمقراطية الراسخة ونظائر هذه المؤسسات في كثير من الدول الافريقية والاسيوية وفي أميركا اللاتينية." لماذا ؟ السبب يرجع إلى أن الدول المار ذكرها " حملت المؤسسات الديمقراطية سمات مجتمعاتها كالفقر المدقع ، شيوع الامّية وغلبة الانتماءات الأثنية وممارسات الزبانية السياسية على قيم المواطنة والانتماء الوطني". ضمن هذا المنظور يمكن ملاحظة أن التجربة الديمقراطية السياسية في العراق حملت الكثير من مثل هذه الأمراض بل وغطت أبعاداً أخرى طائفية - عشائرية – جهوية وقضايا تنبع من تجذر الفساد المؤسسي – الإداري – السياسي متسقاً مع سوء الإداء السياسي- الإداري في معالجة الأزمات التي تراكمت بصورة أضعفت كثيراً "الكيان الوجودي " . إن التداعيات السلبية في الاطر السياسية – الاقتصادية – الاجتماعية والثقافية آخذة بالتصاعد بمرور الوقت ما يعرقل بلورة معادلة إيجابية للتنمية الإنسانية المستدامة تضع في الاعتبار أولويات تلبي إحتياجات السكان الأساسية من صحة – حظيت مؤخراً فقط بأهتمام لافت ولكنه مازال دون المستوى المطلوب - نتيجة تصاعد أزمة جائحة كورونا – إضافة إلى أمن ، أقتصاد متنوع وتعليم أساس يفترض أن يغطي فئات المحرومين أو الفقراء بغض النظر عن أختلافاتهم وهوياتهم الفرعية . ترتيباً على ذلك ، "يتعين على الباحث في موضوع الانتقال إلى الديمقراطية إدراك أنها عملية طويلة الأجل ومعقدة ، وديناميكية ، ومفتوحة النهايات". تصورات دقيقة وسليمة تستقرأ أهمية توفر البيئة المجتمعية – الثقافية العراقية المناسبة التي تتضمن قيما إنسانية حيوية (إعتمدتها أجيال حضارية متنورة سابقة من الزمن الجميل) يفترض أن تعزز بناء منظومة متكاملة لحقوق وحريات الإنسان الأساسية. 

المشكل أن حالة التنوير تترافق مع استمرار حالات مؤسفة من الجهل والتجهيل وفساد لاحق مسيرة التنمية الديمقراطية العراقية في مايعرف ب(الزمن غير الجميل) . لاحظوا أنني لم أود أن أحدد فترة زمنية بعينها لإنني أجد أن تراكم الأحداث والوقائع عبر التاريخ السياسي العراقي أوجد خلطة مركبة معقدة يمتزج فيها التنوير وحالات متعددة من التخلف ترافقت مع إفتقاد الأمن والأمان وتردي الخدمات العامة ومع تصاعد نسب الفقر والبطالة المجتمعية وعلى رأسها بطالة الخريجيين، علماً بإن بناء العراق الحديث يفترض أن ينطلق من إبداعات الطبقة الوسطى المتنورة علمياً – ثقافياً – معرفياً وتقنياً. 

ترتيباً على ما تقدم ، وضمن سياق بناء دولة عراقية حديثة – مدنية لايمكننا الركون فقط إلى وصف وتحليل أوتقييم تجارب النظم الديمقراطية في العالم "نظرياً" من خلال إعتماد يكاد يكون كلياً على وصف المؤسسات وشكلها القانوني – الدستوري فقط بل لابد من الاهتمام الشديد بموضوعة تطبيقية كون "النظام الديمقراطي ليس مجرد فاعلين وانتخابات وتشكيل حكومات ، وليس مجرد من يحصل على النسبة الأكبر من أصوات الناخبين ، بل أيضاً ماذا يستطيع هؤلاء الفاعلون من قوى ومؤسسات فعله ، ومدى تمثيلهم للمصالح الاجتماعية وقدرتهم على تحسين ظروف الحياة لأكبر عدد من الناس". ترتيباً على ذلك ، لاشك أن في الصميم من محور و قلب توصيفنا وتحليلنا لتجرية الديمقراطية في العراق تبرز أهمية تفعيل مقولة: "سيد القوم خادمهم" أي صانع القرار الذي يجب أن ينوء بجهد مضاعف لتلبية الاحتياجات الإنسانية . لاشك إن صناعة القرارات الرئيسة لن يتسنى لها النور والانتشار مالم تتبلور مؤسسات الدولة الحقيقية التي يجب أن تتصدى بجدية للتحديات الداخلية والخارجية من خلال بناء قيادة حكيمة تتمتع بسلوك قويم وبإرادة صلبة مستقلة هدفها إنجاز مهام التغيير الإيجابي . من هنا، فإن شرعية ومشروعية التجربة الديمقراطية الناشئة في العراق يمكن فقط أن تتحقق من خلال تحقق إنجازات واضحة ملموسة تعكس شرعية الانجاز والتحديث وليس مجرد عملية الاقتراع فقط "على أهميتها" .

الأمر بحق مرهون بشكل أساسي على استناد البلاد على مؤسسات دستورية حقيقية بعيداً عن الاهتمام بطابع شخصي – فئوي أو ذي مصلحة ضيقة محتكر كلياً للقرار السياسي بل على حيوية المشاركة السياسية الجماعية الفاعلة . كل ذلك سيسهم حقا بخلق تقاليد ديمقراطية راسخة تمتزج بتنمية إجراءات بناء الثقة المتبادلة بين الحكومة "أهل الحل والعقد" من جهة والشعب بكل أطيافه من جهة أخرى ما يسهل إنجاز مشروعات إنتاجية تنموية إنسانية تنحو لرفع مستوى التمكين والتنمية الإنسانية المستدامة . مسؤولية وطنية جماعية أكدها "الإعلان العالمي للديمقراطية" للعام 1997 في الجزء الخاص بمقومات الحكم الديمقراطي مشيراً "إلى حق كل فرد في المشاركة في إدارة الشؤون العامة في بلده، وتعزيز التعددية السياسية والحزبية وآليات الرقابة المستقلة والمحايدة والفعالة التي تكفل حكم القانون ، وتضمن الشفافية والمحاسبية ، إضافة إلى دور هيئات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الحرة في تهيئة البيئة المناسبة للممارسة الديمقراطية". أدوار ، مهام ووظائف أساسية أهدافها الستراتيجية تنبع من صور متكاملة ل(الديمقراطية الاجتماعية – التشاورية - الرقمية -) التي أكدت على أهمية تلاقح ، تكامل وتفاعل جناحين : "جناح إجرائي يتعلق بالترتيبات والمؤسسات الانتخابية والتمثيلية ونزاهتها ، وجناح موضوعي يتصل بنوعية الحكم وجودته ومضمون السياسات العامة وتمكين المجتمع". يمكنني أن اضيف جناحاً ثالثاً يتمحور حول : ضرورة الاستفادة من منظومة القيم الأخلاقية – المعنوية في بناء السلوك الإنساني القويم المعني بتوفير الاحتياجات والمطالب الإنسانية بعيداً عن كل أساليب الأقصاء ، التعصب ، والتهميش او إعطاء مزايا وأفضليات إقتصادية –سياسية لحزب أو جماعة أو فرد على حساب المصلحة العامة. ما يعني أن اعتماد نظام مايعرف ب"المحاصصة الطائفية – المذهبية – العرقية – العشائرية والجهوية وغيرها" في العراق مسألة ستستمر بإثارة مزيد من النعرات والشكوك والفتن بين الجماعات والأحزاب والشخصيات الحاكمة ما سيزيد بالضرورة من حالة الانقسام داخل الأحزاب والتكتلات السياسية التي تشهد فعليا صراعات داخلية حادة على الحصص والامتيازات أو بين من يملك الكثير (إقتصادياً – مالياً – نقدياً) وتخرج حساباته عن الحدود المقبولة مجتمعياً وبعيداً عن تبني الطرق المشروعة في التعاملات الإدارية ـ الاقتصادية والمالية بينما الغالبية من الشعب تظل تعاني من شظف العيش في ظل معدلات عالية للفقر المدقع تصل رسمياً لما يتجاوز ال30% من سكان العراق (الاحصاءات الرسمية) خاصة في ظل إستمرار جائحة كورونا التي أضعفت "إقتصادياً - مجتمعياً " احوال فئات وشرائح عديدة بضمنها الطبقة الوسطى المتنورة دون استثناء ما فاقم وسيفاقم المشكل الإنساني في العراق بصورة لابد معها تتشكل وتتصاعد حدة الاحتجاجات الشعبية "الانتفاضات" إنطلاقاً من بغداد إلى البصرة مروراً بالناصرية والديوانية وميسان وواسط وغيرها من محافظات الوسط والجنوب التي تطالب سلمياً بوطن حر مستقل وكريم يرحب بكل أبنائه. 

مطالبات لاتجد حتى الآن صدى ملائماً كافياً يمكن صناع القرار من وضع خطة ستراتيجية تنموية شاملة تحترم حقوق الإنسان وحرياته الاساسية من قبل كافة السلطات الرئيسة في الدولة . علماً بإن الجهود الأمنية الأخيرة في الضرب بقوة على بعض المليشيات العسكرية المتطرفة التي لاتحبذ ولاترغب بالانضواء إلى الاختصاص القانوني للدولة مسألة مرحب بها خاصة إذا انهت قانونياً – قضائياً تداعيات خطيرة منها إنتعاش تجارة السلاح المنفلت وتنامي حالات العنف الداخلي بأشكاله ومسمياته المختلفة عاكساً ظواهر الفئوية – الدينية – الطائفية - العشائرية وغيرها ما قد يصعد من أهمية قوى اللادولة او مايعرف بالدولة العميقةState Deep على حساب قوة الدولة وحيوية إحتكارها للمسؤولية الوطنية ..ولكن في حال فعلت الإرادة السياسية المستقلة يمكن أن تُستعاد هيبة الدولة وقيمة الاحترام الإنساني لكل من يحرص على سلامة وأمن وسيادة العراق الوطنية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top