رواية ((نيكي)) للكاتب اليوناني كريستوس أتشومينيديس..جدارية تصوّرتقلبات التاريخ اليوناني

رواية ((نيكي)) للكاتب اليوناني كريستوس أتشومينيديس..جدارية تصوّرتقلبات التاريخ اليوناني

ترجمة : عدوية الهلالي

في الرواية الثامنة للكاتب اليوناني غزير الإنتاج كريستوس أتشومينيديس ، والتي تحمل عنوان ( نيكي ) نجد امرأة ميتة تروي مذكراتها وكأنها تستبصر عالم ماوراء القبر ..

تتحدث نيكي في الرواية عن ولادتها ونسبها وطفولتها ومراهقتها ضمن عائلة شيوعية ، وتشبه هذه المذكرات جدارية تصور جزءاً كاملاً من التاريخ اليوناني،من بدايات الجلاء المأساوي للسكان اليونانيين في آسيا الصغرى وحتى السنوات التي تلت الحرب الأهلية ..

ونتعرف خلف شخصية انطونيوس أرمادوس / والد نيكي في الرواية على فاسيليس نيفلوديس (1906-2004) وهو جد الكاتب وسكرتير اللجنة المركزية تحت قيادة نيكوس زكرياديس ، الذي قاد الحزب الشيوعي اليوناني من عام 1931 الى عام 1956 ..وتتمتع الرواية بفكاهة ساخرة وإحساس إيقاعي رائع وسرد غزير وديناميكي كما تمنح فيها البطولة للفرد كما للجماعة ..

ويتناول كريستوس أ تشومينيدس تاريخ الشيوعية اليونانية بأكبر قدر من الرومانسية ثم يتحدث عن الاعتقالات التي حدثت في الجزر وسنوات السرية والديكتاتورية والقمع البريطاني في كانون الأول عام 1944 ثم الحرب الأهلية والمنظمات والحركات الجماهيرية الكبيرة ..أما بالنسبة لنيكي ، فقد تلقت تعليماً استثنائياً ، بعيداً عن المدارس وداخل أسرة تدعو الى العدالة حيث يتم التضحية بالنفس وحيث يكون ظهور عالم جديد هو الأمل الوحيد ..وعندما كانت نيكي طفلة ، اختارت أن تتبع والديها وأمضت سبع سنوات بعيداً عن كل شيء بهوية مزيفة تتعلم الروسية والتاريخ والماركسية بفضل تعليم والدها ، وبعد بلوغها سن الشباب ، تركتهم متجهة الى الولايات المتحدة ..وهنا تتمزق نيكي باستمرار بين التطرّفين ، العاطفي والجسدي ، وعلى العكس من الأيديولوجية الشيوعية المقدمة على أنها أبوية وجامدة تماماً، تتلقى نيكي تعليماً ضد جميع أشكال النظام الأبوي وترفض فكرة الزواج ، لذا تصبح ، على الرغم من كل شيء ، مثل ساحة معركة يتعارض فيها الحب مع السياسة: إنها ترغب في الاستمتاع باللحظة ضد النضال من أجل المستقبل.

وتعد رواية ( نيكي) ملحمة هيلينية جديدة ، إذ تظهراليونانيين كشعب لايقهر ، والذين لا يمكن أن تقلل الهجرة ولا الحرب ولا المجاعة من قيمتهم . ووفقا لكوستا غافراس ، الذي وقع على المقدمة ، فإن اليونان كما تصفها نيكي تتعارض مع صورة شعب «اعتاد العالم رؤيته أو اكتشافه فقط في مناظره الطبيعية الجميلة» ؛ إنها تصف الرجال والنساء المناضلين. وتركز هذه الملحمة العائلية على مسار والد نيكي ، وهو يوناني لاجئ من آسيا الصغرى ، تجد هويته صدى لها في الشيوعية اليونانية ،على الصعيدين الدولي والوطني.وفي اليونان ، ستتحرر نيكي من والديها ، ومن الشيوعية ، عندما تلتقي بألكسندروس الذي سيأخذها الى الولايات المتحدة ، ويواصل الكاتب الحديث عن نيكي باعتبارها قاصراً أبداً في إشارة منه الى الشيوعية التي لم تصل الى مرحلة النضج ، فبعد الهروب من سلطة الأب تتبع رجلاً آخر هو حبيبها مع انتماءاته السياسية الغامضة وشخصيته المتلوّنة وفوق كل ذلك افتقاره الى الروابط الأسرية على العكس من شخصية أرماوس ..ويضفي الكاتب نبلاً مستعاراً على شخصية البطلة الأنثوية لأنه يستخدمها لتحقيق غاياته الأيديولوجية، وهكذا تبدأ قصة حياة نيكي قبل ولادتها بوقت طويل ويتم التعبير عنها بعد الموت ، إذ تتعثر الأجيال وتنتقل الذاكرة ذهاباً وإياباً حتى لايموت وعي التاريخ أبداً ..

وهذا هو الحال أيضاً مع المؤلف كريستوس أ. شومينيديس الذي ، بصفته كاتباً ، يفعل عكس ما يصرح به. وعلى عكس ما يعلنه في تعليم ابنته ، فهو لا يحرر نفسه من الماضي بل يحاول إسكاته ودفنه متأرجحاً باستمرار بين الرسم الجاد والسخرية اللاذعة لليونان المعاصرة ،وهو يتحدث باستخفاف عن ماضٍ مؤلم . وعلى الرغم من ذلك ، فإن هذا الكتاب يشير إلى انتصار الماضي الذي لا يستطيع المرء أن يحرر نفسه منه ، بل يظهر من خلاله أعراض الثغرات السياسية الحالية والجروح المفتوحة . نُشرهذا الكتاب في خضم التقشف الاقتصادي والأزمة الإنسانية الحالية لتشير شخصية نيكي في الرواية الى إمكانية البناء الجماعي لليونان الأفضل..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top