في حوار مع الخبير الاقتصادي والكاتب الأفريقي فلوين سار :

في حوار مع الخبير الاقتصادي والكاتب الأفريقي فلوين سار :

 وباء كوفيد 19 هو فرصة تاريخية للأفارقة !

 الأزمة أظهرت الحاجة إلى تغيير المسار وإعادة التفكير في عالم الغد.

 لقد رأينا كيف يمكننا وقف الطاغوت الرأسمالي خلال الأزمة..

ترجمة : عدوية الهلالي

 

وفقاً للخبير الاقتصادي والكاتب فلوين سار ، فأن أزمة وباء كورونا هي فرصة تاريخية للأفارقة لكي لايسمحوا لأنفسهم أن يمروا عبر التاريخ مرور الكرام بل يتركوا فيه أثراً واضحاً ..وبالنسبة له، فأن النظرة العالمية الى أفريقيا سلبية لدرجة أن جزءا من العالم لم يعد يهتم بالنظر الى الواقع والحقائق ، كما يدعو مؤلف كتاب ( أفروتوبيا) الى إعادة التفكير في العلاقات بين القارة وبقية العالم ..

جاء ذلك ضمن المقابلة التي أجريت مع البروفسور وأستاذ الاقتصاد في جامعة غاستون بيرغر في سانت لويس في السنغال والتي استعرض فيها تأثير أزمة كوفيد 19 في السنغال ، والعمل الذي قامت به دولته وأدى الى تطوير الاقتصاد السنغالي ..

 

 

*كانت السنغال من أوائل الدول التي استجابت بسرعة لأول حالة إيجابية لـ (كوفيد 19) في آذار 2020 ، ودون فرض إغلاق صارم. ما هو تحليلكم لإجراءات السياسة التي صممتها ووضعتها الحكومة وهل تتناسب مع تزايد الاصابات بالوباء ؟

-أعتقد أن السنغال اختارت تطبيق تلك الإجراءات التي كانت منطقية بالنسبة للوضع الذي واجهته في ذلك الوقت. كان من الممكن أن يؤدي الإغلاق الصارم إلى إغلاق الاقتصاد بأكمله ، وكان له تأثير خاص على 97٪ من الشركات التي تشكل القطاع غير الرسمي . الغالبية العظمى من الناس في هذا القطاع يكسبون رزقهم من التجارة والمعاملات اليومية ، لذلك كان من الممكن أن يضر الاقتصاد المنتج بشكل كبير لإغلاق هذا القطاع ، خاصة مع العدد القليل نسبياً من الحالات الموجودة في ذلك الوقت. كان القرار المتخذ ، والذي كان اختياراً ذكياً ، هو تقييد النشاط غير الضروري. كانت هناك بعض التجمعات الدينية الكبيرة المخطط لها في أوائل آذار، والتي حظرتها الحكومة. وكانت القطاعات الأكثر تضرراً هي السياحة والنقل والمطاعم والمقاهي والاقتصاد غير الرسمي. بعد اتخاذ تدابير محددة ، قررت الحكومة عدم إغلاق البلاد ، ولكن تقليص الأنشطة إلى الحد الأدنى ، وإغلاق المدارس والجامعات ، وإدارة الوضع أثناء تطوره. فيما يتعلق بالمسألة الاقتصادية ، كما أجرى وزير الاقتصاد تحليلاً مشتركاً بمساعدة العديد من الاقتصاديين السنغاليين للتفكير في خطة الانتعاش الاقتصادي.وخلال الشهرين الأولين من الأزمة ، يبدو أن الإجراءات المتخذة قد نجحت، أما اليوم وفي الوقت الذي تتزايد فيه عدد الإصابات ، فأنا لست مقتنعاً بأن هذا هو الاختيار الصحيح.

 

 

*لماذا تعتبر أن خطة تخفيف القيود التي يتم اتخاذها اليوم ليست اختياراً صحيحاً ؟

- نحن الآن في وضع حرج للغاية. نعم ، الأرقام آخذة في الارتفاع ولكن ليس بشكل كبير. ولا يوجد نمو كبير في عدد الوفيات. عندما تقارن وفيات كوفيد 19 بعدد من يموتون من أمراض أخرى أو من حوادث الطرق ، فهذا ليس عدداً كبيراً. في هذا السياق ، يصعب الحفاظ على هذا التركيز القوي على الوقاية ، وإبعاد الناس عن نشاطهم الطبيعي. لإنه يتعارض مع الحياة اليومية ، ويمكنك أن ترى النتيجة في قلة عدد الأشخاص الذين يرتدون الأقنعة ويلتزمون بقواعد التباعد الاجتماعي. بعد وقت معين ، سيعود تدفق الحياة والنشاط مرة أخرى ، ونحن بحاجة إلى الاستجابة لذلك بشكل أكثر فعالية. فقد نجح العديد من الزعماء الدينيين في الضغط على الحكومة للسماح بإعادة فتح أماكن العبادة. ومع ذلك ، فقد أغلقت الكنائس وعدد من المساجد الكبيرة في داكار أبوابها.. واستمرت الحكومة في مطالبة الناس باحترام القواعد ، لكنني أشعر أن هناك تغييراً كبيرًا في المواقف والسلوك ، حيث يشعر الناس بالقدرة على تخفيف القواعد واليوم، لا أعتقد أن هذا هو الوقت المناسب للتخلص من الضغط ، بطريقة ما ، نحتاج إلى الحفاظ على الصرامة في تطبيق القواعد مع إعادة فتح الاقتصاد بطريقة منظمة.

 

 

* أنت عضو في اللجنة التي أنشأها الرئيس ماكي سال لتطوير خطة المرونة الاقتصادية والاجتماعية. هل يمكن أن تخبرنا عن الخطة ، ما هي التدابير الاقتصادية التي يتم النظر فيها للاستجابة للعواقب الاقتصادية للوباء؟

- منذ بداية أزمة كوفيد، اجتمع عدد من زملائي الاقتصاديين وقرروا أنه يجب علينا التفكير في التأثير الاقتصادي لأزمة كوفيد 19والتدابير الصحيحة اللازمة لمعالجتها. لقد أنشأنا مجموعة عمل ، لتغطية العديد من الأسئلة الناتجة عن الأزمة وتمكنا من إحراز تقدم سريع في العمل لأنه كان لدينا إمكانية الوصول إلى جميع المعلومات الضرورية ، والتعاون الجيد مع الموظفين. وأنا أرحب بهذه المبادرة لأن لدي انطباع بأن المجتمع المدني ، والعالم الأكاديمي ، يمكن حقاً أن يضيفوا قيمة عملية لفهم هذه الأزمة ومعالجتها. لقد كانت فعالة للغاية ، خاصة مع تجنب الإجراءات الإدارية الطويلة ، وجلب الخبرة الحقيقية للمساهمة في ردود الحكومة. وأجد أنه من الرائع قبول وزير الاقتصاد لهذا التعاون ، وأن العديد من مقترحاتنا قد تم تبنيها في خطة المرونة الوطنية. وقد شملت هذه مجموعة من القضايا ومنها إيلاء اهتمام خاص للقطاعات الأكثر تضرراً من الأزمة - كالسياحة والنقل والتجارة والمطاعم وأماكن تناول الطعام الأخرى ؛ والتدابير المالية لتوفير ائتمان ضريبي للشركات ؛ مع مساهمة حكومية في تعويض البطالة لمساعدة الشركات على الاحتفاظ بموظفيها ؛ وفرض حظر على تسريح الموظفين لمدة ثلاثة أشهر. أما المحور الرئيس الثاني فهو تناول الأسر الأكثر ضعفاً ، إذ كان لدى السنغال بالفعل نظام شبكة أمان اجتماعي يغطي 580.000 من تلك الأسر التي تعتبر الأكثر ضعفاً ، مع تذكر أن كل أسرة بها ما يقدر بنحو 8 إلى 10 أشخاص. كانت الفكرة هي توسيع المجموعة المستهدفة من الفئات الأكثر ضعفاً إلى مليون أسرة ، مما يجلب حوالي 10 ملايين شخص من إجمالي عدد السكان البالغ 16 مليوناً ، وتوفير إما توزيع أغذية عاجل ، أو تحويل نقدي. لذلك كان هناك خياران - المساعدة المالية ، أو المساعدة الغذائية. وافترضنا أن سلة يومية من المواد الغذائية الأساسية توفر 2100 سعرة حرارية في اليوم ، مكونة من منتجات متنوعة. وبالنسبة للتحويل النقدي ، قدرنا مبلغاً يعادل حوالي 60٪ من الحاجة. في النهاية ، اخترنا توزيع الغذاء ، حيث كان من المرجح أن يأكل أفراد الأسرة هذا الطعام بالفعل ، وسيتجنبون مخاطر استخدام رب الأسرة للمبلغ النقدي لأغراض أخرى أقل إلحاحاً. سألنا أنفسنا أيضاً عما إذا كانت الأسواق ستظل مفتوحة ، أو ما إذا كانت بعض المنتجات قد تنفد ، أو المخاطر التي يتعرض لها الأشخاص الذين يتجمعون في هذه المناطق للتسوق. وكان الجواب الذي توصلنا إليه هو التوجه نحو الاستهداف ، باستخدام عملية راسخة من قبل الحكومة. وتم تنفيذ ذلك بشكل جيد إلى حد معقول ، على الرغم من الأسئلة حول نقل البضائع وشراء الحبوب - ، إذ يبدو أن الأسر الأكثر احتياجاً قد تلقت بالفعل الغذاء. أما المجال الثالث ، فقد تناول الأشخاص العاملين في القطاع غير الرسمي. وهذا القطاع يفتقر إلى البيانات ، لذلك كان علينا أن نسأل أنفسنا عن أفضل السبل للوصول إلى أولئك الأكثر تضرراً. من خلال التحويلات النقدية للأسر في خمس الدخل الثالث وتلك التي تعتمد على تحويلات المهاجرين. كان أحد الأسئلة الأخيرة هو التفكير في كيفية الحفاظ على الأشخاص العاملين في هذا القطاع ، والتأكد من أن أنشطتهم لم تختف بمجرد انتهاء الأزمة. وقد يكون أحد المسارات هو استخدام مشتريات الدولة كمصدر من هذا القطاع. وبمجرد أن وضعت الدولة هذه الخطة موضع التنفيذ ، كان السؤال التالي الذي طرح على الوزير هو كيفية الاستعداد للتعافي بعد الأزمة. لهذا ، ناقشنا الخيارات مع فريقه وتوصلنا إلى خطة لإعادة توجيه الاقتصاد وإعادة هيكلته. كان مبدأنا التأسيسي هو تجنب العودة إلى النمط السابق للنمو ، لأن الأزمة أوضحت ضعف البلد أمام الأمن الغذائي ، والاعتماد على الإنتاج الأولي ، وعدم الاستقلالية ، وضعف رأس المال البشري ، وكذلك نقاط الضعف في تلك القطاعات التي يجب أن تكون ستراتيجية حقاً: مثل العقاقير الصيدلانية والزراعة. كيف يمكننا "الاستفادة" من الفرصة التي أتاحتها هذه الأزمة لإعادة التفكير في هيكل اقتصادنا؟ لم لانعيد التفكير في كيفية إنتاجنا ، وأنماط النمو ، وتوزيع الثروة ، ومفاهيم القيمة ، إلخ. كان الوزير حريصاً على هذه الأفكار ، وكان فريق العمل لدينا يفكر بعمق فيما من شأنه أن يجعل اقتصادنا أكثر مرونة ، وأكثر استقلالية ، ويستجيب للاحتياجات الأساسية ، ويغذي الحياة نفسها.

 

 

*يتفق عدد كبير من المحللين على أن هذا الوباء يوفر فرصة ثمينة للبلدان الأفريقية لإعادة التفكير في نماذج التنمية الخاصة بها ، وتسريع التكامل الإقليمي ، وتنويع الاقتصاد ، والسعي لتحقيق نمو أكثر مراعاة للبيئة .... هل تعتقد أيضاً أننا حقاً عند نقطة تحول اقتصادية للقارة ، وما المسارات والاتجاه الذي تقترحه؟

- لقد عرضت بالفعل آرائي حول الحاجة إلى تغيير جذري في النموذج الاقتصادي لتنمية أفريقيا في كتابي "افروتوبيا" ، والذي يتضمن التفكيك وإعادة اختراع التنمية كمفهوم. في السياق الأفريقي ، شعرت بالوحدة تماماً في السير في هذا الطريق. بعد ذلك ، كتب كاكو نوبوكبو كتاباً مهماً بعنوان ( الضرورة الافريقية )، دعا فيه إلى تغيير النموذج الاقتصادي. كان يُعتقد في ذلك الوقت أن أصواتنا كانت خيالية إلى حد ما ، مع القليل من الإجراءات الملموسة التي يمكن اتخاذها في عالمنا الليبرالي الجديد ، حيث كنا بحاجة إلى الاندماج في سلاسل التوريد العالمية. كان من المثير حقا أن نرى كيف أصبحت هذه الأفكار الآن تفكيراً سائداً في إفريقيا وفي كل مكان آخر. اذ نادراً ما كنا نسمع الكثير من الناس في الدوائر الاجتماعية والفكرية يعبرون عن رغبتهم في بناء عالم جديد ومختلف. لماذا؟ لأن معظم أولئك الذين يحلمون بعالم أفضل قد شهدوا تجربة تاريخية - لقد رأينا جميعاً كيف يمكن ، لمدة ثلاثة أشهر ، وقف الطاغوت الرأسمالي. فقد شهدنا انخفاضًا في الإنتاج الصناعي العالمي بنسبة 80٪ ، وانخفضت مستويات التلوث في مدن مثل بكين بشكل كبير ، وعادت الأنهار إلى الظهور في حالة نظيفة ، وتوقفت مسيرة الرأسمالية العالمية التي لا هوادة فيها ، وقد وصلنا إلى تدارك القيمة الهائلة والأساسية للعديد من الوظائف في مهن الرعاية. وتوصلنا إلى أن بعض أجزاء الاقتصاد ضرورية ، والبعض الآخر ليس كذلك. وهذه ليست أفكاراً مجردة ، إنها حقائق نعيشها جميعاً. وأولئك الذين يرون في هذا كنقطة تحول هم على حق ..وهذا بالتأكيد وقت يجب اغتنامه. هناك لحظات في تاريخ كل بلد أكثر ملاءمة من غيرها. لقد اظهرت هذه الازمة ان القارة الأفريقية تتمتع بكل الإمكانيات للاكتفاء الذاتي من الغذاء ، ولكنها لا تستطيع ممارسة ملكية الموارد العديدة التي يتم تصديرها. لذا يحتاج القادة الأفارقة إلى تعلم الدروس من هذه الأزمة وهذا هو الوقت المناسب لبناء اقتصاد يخدم احتياجات شعوبهم قبل كل شيء. ويتعلق الأمر بكيفية ترجمة ذكائنا الجماعي فيما يتعلق بالنظرية إلى تدابير عملية تحول المجتمع. وهذه هي الأسئلة التي نحتاج ، بصفتنا اقتصاديين وأكاديميين أفارقة ، إلى العمل عليها. إن التحليل النظري يذهب عبثاً إذا لم يمكن ترجمته إلى تفاصيل عملية. فكيف يمكننا ضخ هذه القيمة الفكرية في التعبئة الاجتماعية التي تؤدي إلى تغيير حقيقي في كيفية حكم سياسيينا لنا؟ هذا مجال يحتاج فيه الناس إلى إعادة تعريف السياسة بطريقة تسمح للمواطنين بإعادة اكتشاف طاقتهم وقدرتهم على تشكيل مصيرهم. هذه هي المعركة الآن ، اليوم. من يجب أن يفعل ذلك وبأي وسيلة؟ معاً يجب أن نجد الإجابات وبشكل عاجل.

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top