سيادة القانون المدني العراقي في مكافحة العقود الفاسدة و استرداد المال العام

آراء وأفكار 2021/02/22 09:15:31 م

سيادة القانون المدني العراقي في مكافحة العقود الفاسدة و استرداد المال العام

 د. اسامة شهاب حمد الجعفري

2-1

إن الاستخدام الفعال والمناسب للمال العام باتجاه الخير العام ، يتوقف على التصرف الرشيد للمال العام من قبل مؤسسات الدولة , و التصرف الرشيد بالمال العام إنما هو التزام قانوني و أخلاقي على الموظف العام ,

أما كونه التزاماً قانونياً فإن الإدارة ملتزمة قانوناً بالامتناع عن إلحاق الضرر بالمال العام وفقاً لأحكام المادتين (340 ،341) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 , و الامتناع عن هدر المال العام أو الإضرار به بموجب الفقرة (ثانياً) من المادة (2) من قانون ديوان الرقابة المالية رقم (31) لسنة 2011 و عدم هدر المال العام دليل على أن هذه الادارة راشدة و ليست قاصرة , و أما كونه التزاماً أخلاقياً, فإن الموظف العام هو أمين عام مكلف بإدارة المال العام و التصرف فيه لصالح مالكه الأصلي و هو الشعب ليكون مصدراً للخير العام , و إن إدارة هذا المال خلاف هذه الغاية الأخلاقية و القانونية إنما هو خيانة لأمانته و طعن في نزاهة الموظف العام و مخالفة قانونية يستحق بموجبها العقاب الجنائي .

أغلب عمليات السطو على المال العام يكون عبر إبرام عقود حكومية لأنها الطريقة القانونية التي تبيح صرف المال العام للغير, وإن معاقبة الموظف العام المتسبب بإبرام عقد كان سبباً لهدر المال العام لا يعني أن عملية مكافحة الفساد قد اكتملت صورتها إذا لم يرافقها عملية استرداد المال العام الذي صرف من دون وجه حق للغير, فما الفائدة العملية من معاقبة الموظف العام المتسبب في إبرام عقد أضّر بالمال العام إذا ما استمر هذا العقد بالنفاذ ؟ فإن المال العام ما زال متضرراً مادام لم يتم إبطال هذا العقد و إيقاف تنفيذه و استرداد المال العام؟ إن الواجب القانوني اللاحق لمعاقبة الموظف العام هو إيقاف مصدر هدر المال العام و هو العقد الحكومي الذي لم يكن نافعاً و لا عادلاً للمال العام . و هذه مهمة القانون المدني العراقي رقم 41 لسنة 1952 ليأخذ على عاتقه هذه الوظيفة العظيمة في مكافحة الفساد و استرداد هيبة المال العام.

و من أجل تحقيق هذه الغاية العقلية فإن القانون أحاط طريقة إبرام العقود الحكومية بإجراءات شكلية صارمة و آداب قانونية مقدسة لا يمكن بأي حال من الأحوال انتهاكها , من خلال وجوب تفريغ إرادة الدولة في التعاقد وفق شكلية مفروضة قانوناً لاثبات صحة و سلامة العقد , و بهذه الشكلية تكون إرادة الدولة حرة و مستنيرة في التعاقد , و إن أي مخالفة لهذه الشكلية التشريعية في التعاقد يدل على عدم مشروعية العقد الحكومي , و إن أي إخلال بهذه الآلية الإجرائية التي فرضها القانون يعد دليلاً على تعرض المال العام للسطو .

و عليه , و وفقاً لهذه الفلسفة التقليدية قامت طريقة الرقابة على العقود الحكومية من قبل المؤسسات الرقابية للدولة, فإن هذه المؤسسات الرقابية تعكف بالتدقيق على مدى مطابقة العقد الحكومي للإجراءات الشكلية التي رسمها القانون , فإن كانت إجراءات إبرام العقد الحكومي محل التدقيق مطابقة للشكلية المنصوصة عليها في القانون فإن المال العام يكون بخير و تم التصرف به تصرفاً رشيداً و إن كان هناك انتهاك للشكلية القانونية في إجراءات إبرامه فعند ذاك فإن المال العام يكون قد تعرض للسطو و الهدر و الدليل هو انتهاك الشكلية القانونية في التصرف بالمال العام , و هذه الطريقة في حماية المال العام جارية على قدم و ساق و الغالبة في طريقة تدقيق العقود الحكومية , فأصبحت الشكلية القانونية هي المعيار الوحيد في وجود هدر في المال العام من عدمه تبعاً لانتهاكها . و كانت أغلب ملفات الفساد تتمحور حول هذا الشأن.

إلا أن التزام الإدارة بالشكلية المفروضة قانوناً عند إبرامها العقود لا يثبت أن العقد الحكومي سليم من ناحية المحتوى و المضمون , فالعقد ليس إرادة فقط و إنما هو معاوضة بمعنى انتقال قيمة مالية من ذمة الى ذمة أخرى , و هي عملية تستوجب لا محال موافقة الأطراف , لكن الموافقة “الإرادة” ليست سوى مجرد إجراء يكتسي صبغة ثانوية , أما الأصل في العقد فهو العنصر الموضوعي المتمثل بانتقال القيمة المالية من ذمة الى أخرى , و هذه القيمة المالية التبادلية يجب أن تكون عادلة و متوازنة و متساوية , لأن هذه العنصر الموضوعي للعقد هي عملية اقتصادية مؤسسة على العدالة التبادلية , فيجب أن يكون العقد نافعاً منفعة اجتماعية لأطرافه و أن يحترم العدالة في تبادل تلك القيم المالية . و بخلافه إذا لم يكن العقد عادلاً فلا قوة ملزمة له و يحق لأطرافه التحلل منه عبر القضاء .

فالعقد الحكومي يجب أن يولد عبر الشكلية القانونية عادلاً بمعنى أنه يجب أن يكون العقد الحكومي يتمتع بالتوازن الاقتصادي من خلال أن يكون هناك تساوٍ حقيقي في التبادل الاقتصادي بان يكون الثمن المدفوع يعادل قيمة السلعة محل التبادل . و لا غبن لأطرافه.

و من العدالة العقدية التي تشكل القوة الملزمة للعقد الحكومي انطلق القانون المدني العراقي و تعدى اهتمامه بالشكلية التعاقدية القانونية و امتد في اهتمامه و حمايته للعقد الحكومي الى موضوع العقد من خلال امتداد رقابته على مدى عدالة السعر من عدمه الذي يكون عوضاً عن الأعمال و الخدمات و المواد التي تشتريها الدولة . كي لا يكون العقد الحكومي سبباً لغبن المال العام فيه . إذ جاءت هندسة القانون المدني للنظام القانوني للعقد بشكل يضمن أن يكون العقد الحكومي متمتعاً بصفة جوهرية هي : أن يكون العقد الحكومي عادلاً .

فكل العقود الحكومية يجب أن تكون عادلة للمال العام و على وفق هذه الرؤية الجديدة يجب أن تكون طريقة الرقابة على العقود الحكومية من قبل أجهزة الرقابة للدولة العراقية , و تؤسس رقابتها الحديثة أثناء التدقيق على الإجابة على سؤال جوهري يتفرع منه أسئلة أخرى تساهم في كشف الفساد في العقد الحكومي و هذا السؤال المحوري هو : هل العقد الحكومي محل التدقيق عادلاً للمال العام؟ لأن أغلب العقود الحكومية لا تخلو من تعرضها للغبن الذي معناه عدم التعادل بين ما يعطيه المتعاقد و ما يأخذه فيكون مغبوناً إذا أعطى أكثر مما أخذ و يكون غابناً إذا أخذ أكثر مما أعطى , و يعد الغبن الذي يتضمن معنى عدم عدالة الثمن أحد عيوب التعاقد التي تصيب المال العام عندما تشتري الإدارة بسعر غير عادل و غير واقعي و لا يتماهى مع أسعار السوق السائدة الحقيقية . و إن الغبن الفاحش أحد عيوب الإدارة التي تصيب العقد الحكومي وقت إبرامه و يدل على وجود ضرر مالي تعرض له المال العام بموجب عقد حكومي غير متوازن بالاداءات العقدية , فالغبن يخل بعدالة العقد , لأن العقد بشكل عام هو مؤسسة هدفها إيجاد توازن عادل بين المصالح المتعارضة . و إن وجود الغبن الفاحش في الثمن الذي يكون القيمة المالية للعقد هو انهيار لهذا التوازن و أصبح العقد الحكومي يمثل غلبة إرادة على إرادة .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top