فكرنة السّرد بين نجيب محفوظ وجبرا إبراهيم جبرا

فكرنة السّرد بين نجيب محفوظ وجبرا إبراهيم جبرا

د. نادية هناوي

لا خلاف أن السرد الروائي العربي المعاصر ليس مجرد ممارسة أدبية أو عمل كتابي ذي رسالة تثقيفية؛ وإنما هو فاعلية فكرية فيها السرد هو الوسيلة والغاية التي بها يكشف الكاتب عن المخبأ ويظهر المتناقض مفككاً الصلد من المسلمات ومشتتاً المتراص أو المركزي من الثوابت.

وكلما كان الكاتب الروائي مستوعباً الفكر متمتعاً بروح ناقدة، بدت الملامح الفلسفية والأبعاد الفكرية واضحة على رواياته. وتتحدد دلائل استيعاب الروائي للفكر والتفكر الفلسفي في تجاوزه الرؤى المعتادة إلى ما بعدها طارحاً مسائل الزمان والتاريخ مفككا صلتها بالإنسان والعقل والمكان، منتهجا واقعية جديدة بأساليب فكرية مختلفة كاعتماد الحدوتة والصوت المونوفوني، مستبدلاً تلك الصيغ بصيغ تعج بالوجودية والجنسانية والظواهرية والتساؤلات الديالكتيكية وبطابع سريالي في بعض الأحيان.

والتمثيل على الأفكار التجريدية سردياً ضروري في تشكيل هوية الروائي كرأس مفكرة تبتدع صوراً متحركة ومشاهد مرئية، يعبر من خلالها عن تيار فكري معين جذبه أو رؤية فلسفية تأثر بها أو توجه نظري مال إليه. وبالمقابل قد يلجأ الفلاسفة مثل نيتشه وسارتر إلى جعل الرواية أداة فيها تتجسد رؤاهم الفكرية المحضة.

وتعد الواقعية الجديدة واحدة من التوجهات التي مالت بالرواية نحو تمثيلات رمزية أو سحرية أو تشيئية أو تغريبية إلى آخره من التمثيلات، فلم تعد موضوعة الحب مثلاً في الرواية المعاصرة مرتبطة بالرومانسية الحالمة ولا منشدّة الى أرض الواقع؛ بل تعدتهما إلى الفكر والمثال. ولولا استلهام الرواية لطروحات المفكرين والمنظرين من ناحية النظر للإنسان والعمل والسياسة، لما وجدنا رؤى تجريدية جديدة تتماس مع الفكر جاعلة الرواية موصوفة بانها بحث أو أطروحة بحثية كما يرى ميشيل بوتور.

وهو ما تجسد أولاً في الروايات الغربية فكانت رواية (اسم الوردة) لامبرتوايكو بحثاً في اللاهوت المسيحي وصراعات البابوية، وجسّد الروائي دان براون في روايته( شفرة دافنشي) البحث في تاريخ المسيحية، علما أن البحث بمعانيه الفكرية والفلسفية كان موجوداً في الرواية؛ لكنه مع الواقعية الجديدة صار بحثاً معرفياً محضاً.

وتجسدا ثانياً في الرواية العربية المعاصرة التي سعت الى تمثل الواقعية برؤى جديدة تأثراً بطروحات المفكرين والفلاسفة القدماء والمحدثين، منزاحة عما كانت عليه في مرحلتيها الكلاسيكية والحديثة من تمثل سردي لواقعيات تتماشى مع الفكر الماركسي.

ومعروف أنّ نجيب محفوظ انتهج الواقعية متأثراً بالفكر التنويري الأوروبي إلى منتصف القرن العشرين ثم حصل لديه تحول كبير من خلال تبنيه الرمزية التي تستوعب التاريخ والواقع انطلاقاً من رؤية تجريدية تلمح ولا تصرح، وهو ما مثلته روايته( أولاد حارتنا) التي هي بحث رمزي في خلاصة ماهية الأديان وصولاً إلى موتها في مرحلة العلم. وفيها نظر نجيب محفوظ إلى كثير من المسائل الفكرية نظرة تتجاوز الواقع إلى ما بعده. وفي روايته ( المرايا) نظر إلى الموت وعلاقته بالصمت والظلام بالرمزية عينها ( فليس ثمة إلا الظلام وليس وراء الظلام إلا الموت وخوفاً من هذا الموت انطوى تحت جناح الناظر فخسر كل شيء وجاء الموت الذي يقتل الحياة بالخوف حتى قبل أن يجيء..ولستم يا أهل حارتنا أحياء ولن تتاح لكم الحياة ما دمتم تخافون الموت)".

ويضع محفوظ الرؤى التصويرية للمسائل التجريدية على لسان شخصياته بطريقة تجعل سؤال الذات يتلاقي فنياً بسؤال الموضوع، وهو ما تريده الواقعية الجديدة التي هي واقعية مفكرة، ونمثل بشخصية همام في (أولاد حارتنا) الذي تأمل الإنسان وتاريخه، فكانت له هذه الرؤية ("لكن ميلاد الإنسان قد يجيء بالكوارث فوق رؤوسنا لعنة من قبل أن نولد. وأعجب عداوة هي التي لا تجد لها من مبرر الا إنها بين أخوين. إلى متى نعاني من هذه الكراهية. لو نسي الماضي لابتهج الحاضر ولكننا سنظل نتطلع إلى هذا البيت الذي لا عزة إلا به ولا تعاسة إلا بسبب منه.. وحانت منه التفاتة نحو الصخرة الكبيرة الصامتة فبدت في وقفتها كأنها لا تبالي شيئاً في الوجود")

وقد يتفكر السارد كالفيلسوف من خلال تعليقات أو مداخلات يرفض فيها النظر بواقعية للأمور منتقدا مجتمعه بسخرية مرة (ومن عجب أنّ أهل حارتنا يضحكون علام يضحكون؟ إنهم يهتفون للمنتصر أيا كان المنتصر ويهللون للقوي أياً كان القوي، ويسجدون إمام النبابيت يدارون بذلك إله الرعب الكامن في أعماقهم غموس اللقمة في حارتنا الهوان لا يدري أحد متى يجيء دوره يهوي النبوت على هامته. ورفع رأسه إلى السماء فوجدها صامتة هادئة ناعسة" ويلتقي هذا المقطع مع ما قاله غارودي بشأن الرواية وأنها لا تصبح مجرد "حلقة في سلسلة الزمان. إنها كالأسطورة سابقة للزمان وهذا لدى الماركسي تعريف الخلق: فالعمل الإنساني حقاً هو ذلك العمل الذي يسبقه الوعي بهدفه يسبقه مشروع يصبح سنناً له) .

وليس غريباً أن يتفكر المرء في جواب معين، به يتدبر حاله وواقعه لعله يفهم سراً أو يصل إلى حل لغز من ألغاز الحياة، ولا فرق حينئذ بين أن يكون التفكر في السؤال منطوقاً أم صامتاً( أليس من المحزن أن يكون لنا جد مثل هذا الجد دون أن نراه أو يرانا؟ أليس من الغريب أن يختفي هو في هذا البيت الكبير المغلق وأن نعيش نحن في التراب؟)".

وممن تبنى هذه الواقعية التي غلب عليها التفكر جبرا إبراهيم جبرا في روايته ( السفينة) التي كانت محضناً فكرياً عرض من خلاله أفكاره الفلسفية معتمداً طريقة التداعي الحر في الأغلب، جاعلاً بطله وديع عساف وجودياً يشعر بعبث المبادئ والقيم كالحب والصدق والحقيقة، "(قلنا الصدق حتى بحت حناجرنا وأضحينا لاجئين في خيام. توهمنا الصدق في أمم العالم وإذا نحن ضحية سذاجتنا وقد عرفنا ذلك كأمة وعرفناه كأفراد.") ، ويجتذبه الشر(" الشر إذا كان معناه مزيداً من الحياة يجتذبني أحياناً كالمغناطيس.)".

وهو إذ يتعاطى المسائل الفكرية من وجهة نظر وجودية، فإنه يفلسفها بطريقته الخاصة، كتفسيره حادثة صلب المسيح، ( قالوا إن صلب المسيح كان ضرورياً لخلاص البشرية ولكن صلبه ما كان ليتم لولا خيانة يهوذا الاسخربوطي ، إذن ما كان خلاص البشرية ليتم لولا قبلة الخيانة، منطق مقلق إنها سخرية أناتول فرانس)

ويبدو التوجه الوجودي السارتري عند عصام السلمان واضحاً وهو يجادل حول الجنون( الجنون هو نهاية الكثير من الناس يولودون باكين كما قال أحد الشعراء ويموتون في زوبعة من الرعب وما الذي هناك بين الولادة والموت سوى زوابع من الرعب متلاحقة منها الخفي ومنها الظاهر منها النفسي ومنها الجسدي مع فترات من الصحو كصحو الظهيرة في الصحراء سماء لا تنتهي وأرض لا تنتهي وصمت مليء بأحلام المتصوفين)

وكثيرا ما تتخذ مجادلاته الوجودية طابعاً شاعرياً سريالياً من ذلك موقفه من الذاكرة ( أجراس الذاكرة ..صامتة صمت الزمن السحيق الذي يلف تاريخ الإنسان هذا التاريخ الصاروخ الهادر صمت مليء بالذكرى والرؤى بأربعين سنة من جلجلة الخناجر أربعين ألف سنة من الصياح والعشق والغضب والرؤى مهمة مهما تكن غامضة؟ من الناس عبر العصور أصروا على رؤاهم بل قبلوا بالاستشهاد من أجل ما يرون من رؤى.، حتى التساؤل صار سخيفاً ولا طائل فيه).

والخيبة والارتياب يجعلان الحاجة إلى التفكر أمراً واجباً وممضاً تقتضيه نزعة الشك التي تقض مضجع الشخصية إزاء مسائل مجردة ومواضعات معنوية، فتتساءل لا بحثاً عن أجوبة منطقية حسب بل التفكر المجدي الذي يريد الحقيقة، فتكثر التساؤلات في مسائل تجريدية من قبيل الجسد والنشوة والغيبوبة والجحيم والإغراء والانتحار والسلطة والشيطان والجنس والجسد والصلاة والمسيح والصحراء.

ولا فرق في أن يكون التساؤل متحاملاً أو مستهزئاً متهكماً أو متعالياً، ما دامت الشخصية تفكر في واقعها وتتبصر حالها شاعرة بالهوان واللاإيمان أو العجز والعبث. فوديع عساف تصدمه فلسفة الاكويني اللاهوتية فيتساءل( ماذا يقول توما الاكويني بشأن الإيمان بالله ؟ كم سنة مرت منذ أن قرأته أنا؟.).

وفي رواية (الغرف الأخرى) للروائي نفسه تتمظهر الوجودية أيضاً، لكن بدرجة أقل مما في رواية( السفينة) من ذلك تبرم بطله من تفشي الزيف والاختلاق في حياتنا المعاصرة حتى غابت الحقيقة وطمست إلى غير رجعة "( قد تختلق وتلفق ولتذهب المصادر المزعومة كلها إلى الجحيم هذه الحالة هي التي نجابهها في معظم نشاطنا اليومي الاختلاق التلفيق أو إذا أردت كلمة أجمل الابتكار)".

وبالاقتناع بالوجودية منهجاً يغدو الواقع الروائي فاشلاً بالطريقة التي بها رأى هابرماس الحداثة مشروعاً لم يكتمل، فنقد نقداً لاذعاً التيارات ما بعد الحداثية على أساس أنها نزعات محافظة جديدة ناجمة عن خيبة الأمل.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top