على فكرة: الفرادة الشعرية

د. أحمد الزبيدي 2021/02/22 09:46:07 م

على فكرة: الفرادة الشعرية

 د. أحمد الزبيدي

ميّز دي سوسير بين (اللغة) باعتبارها (نظام علامات مستقلة عن مدولولاتها الخاصة) والكلام (مجموع هذه الدلالات في تشعباتها) فاللغة نظام جمعي، والكلام نشاط فردي؛ حسب التحديد الاصطلاحي في معجم المصطلحات الأدبية ..

ودعونا ننطلق من ثنائية سوسير إلى (الشعر _ الفرادة) : (اللغة = الشعر) (الكلام = الفرادة)؛ ولو تعمقنا بالفرضية أكثر وسلطنا الضوء على الشعر العراقي الحديث ، كمثال على فرضية الثنائية، بغية اكتشاف التمايز الأسلوبي، الذي يمنح الشاعر فرادته و(هويته الشعرية) الخاصة به، فأي الشعراء بقي قيد ( اللغة = الشعر) وأيهم نال حظ ( الكلام = الفرادة)؟..

قراءة الشعر العراقي، نقدياً، تفتقر إلى المعالجة الأسلوبية الكلية، ولعل من أسباب الافتقار للنظرة النقدية الكلية هيمنة ظاهرة القراءة التعاقبية التي أكلت الكثير من جرف (الكلام = الفرادة) وعززت (اللغة = الشعر)، فضلاً عن هيمنة الإيديولوجيات السياسية التي تدخلت في تحديد البوصلة النقدية لصالح النظام الشعري الجمعي المناصر للسلطة بغض النظر عن ميزاته الأسلوبية ولذلك فالنبرة الخطابية والتقريرية تكثر في القصيدة الداعمة للخطاب السلطوي.. وهذا لا يعني أن (السلطة) هي السبب الوحيد؛ ولا يعني بالضرورة غياب التميز الفردي في المنجز النقدي .. ولكن القراءة النقدية العراقية الحديثة للظواهر الشعرية المتفردة أو فرادة الأسلوب إنما تهيمن على قراءة تجربة معينة، وليس على وفق المنجز الشعري الكلي، وحين نستحضر ظاهرة الأجيال الشعرية من زاوية نقدية فذلك لأنها ظاهرة عززت الرؤية التعاقبية ذات المسحة التاريخية ، وأصبحت سلطة الشاعر - قائد لواء التجييل - أكثر من سلطة الناقد الذي اشتغل (عرّاباً ) للجيل فتحولت رؤيته النقدية إلى (تسويغية ) تكتشف الخواص الجينية والخلايا الأسلوبية التي يتميز بها الجيل الجديد عن الذي سبقه. فانشغل النقاد بتصورات نقدية افتراضية تعتمد على (الأمنيات الشعرية / اللغة) أكثر مما تعتمد على (الواقع الشعري/ الفرادة ) واكتفوا بالوصف الزمني التعاقبي. ولكن هل ينطبق هذا الوصف القاسي على الجيل (الستيني) ؟! لا أظن وليس الآن مقام التوضيح .. المهم تحولت التبشيرية النقدية إلى ثوابت مقدسة يردّدها النقاد كنشيد وطني لا تلاعب بألفاظه ولا كلماته التامات ! وانعكس (النقد التعاقبي) على قدرات تشخيص الفرادة الأسلوبية الخاصة بالشاعر إذ هيمنت المحددات الكلية ضمن التوصيف الإنشائي للتمايز الجيلي.. بتعبير آخر : إن تركيز النقد على ظاهرة شعرية عند شاعر محدد لا يعني بالضرورة مقدرة نقدية في اكتشاف الفرادة الأسلوبية ، فمن السهل جداً أن نتحدث عن ظاهرة القناع عند البياتي وأسلوب المفارقة عند كاظم الحجاج وتوظيف اللغة العامية في شعر موفق محمد والرمز المكاني في شعر طالب عبد العزيز .. فمثل تلك الظواهر الأسلوبية شاخصة ولا تحتاج إلى مختبر نقدي دقيق لاكتشافها. فضلاً عن ذلك فإن كثرة توظيفها تقلل من أهمية اكتشافها .. إنما تتجلى الأهمية النقدية في تقصي الفرادة الشعرية عبر متابعة الظاهرة بمنهج استقرائي وبرؤية كلية ذات تصور تزامني يلتقط المكونات الأسلوبية لها وتحولاتها وتطورها وتميز البناء الفردي لكل تجربة شعرية وما تمتلكه من خواص أسلوبية (متفردة) عن سواها . أي أن نبحث عن فرادة المفارقة قبل أن نبحث عن مواطن توظيفها وخاصية اليومي والمألوف قبل البحث عن حشره في القصيدة وهذا ما دأب عليه النقد العربي القديم

فتحدث النقاد عن امرئ القيس : أول من استوقف الصحب وأبكى الديار وقيّد الأوابد وأول من شبّه النساء بالظباء والخيل بالعقبان) وكان الأعشى (أذهبهم في فنون الشعر) والنابغة (أحسنهم ديباجة شعر).. الخ من الأحكام التي تخص ( الكلام = الفرادة الأسلوبية) ضمن (اللغة = الشعر).. وقد يحتجّ عليّ قارئ فيقول : ألم يعترف يكتشق النقاد المحدثون أن أول من انتهج أسلوب القناع في الشعر الحديث هو السياب؟ ألم يقل مدني صالح بأن السياب مطبوع والبياتي مصنوع؟.. نعم لا نختلف في وجود جهود نقدية اكتشفت فرادة شعرية ولكن بالمجمل انشغل النقاد بظاهرة الأجيال (اللغة) فضعفت (الفرادة/ الكلام/ الأسلوب) واختلطت قصيدة التفعيلة بالعمود والنثر بالتفعيلة والنثر كذلك بالعمود وضاعت الفرادة بين لحى الشعر..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top