جهود دولية تضع متحف الموصل التاريخي  على طريق التعافي

جهود دولية تضع متحف الموصل التاريخي على طريق التعافي

 ترجمة: حامد أحمد

في شباط عام 2015 أثار شريط فيديو بثه تنظيم داعش الإرهابي من داخل متحف الآثار في الموصل مشاعر الغضب والحزن حول العالم حيث ظهر فيه أتباع التنظيم وهم يحطمون مقتنيات المتحف الأثرية من تماثيل وجداريات باستخدام المعاول مع حرق وثائق وإلحاق أضرار بليغة بالبناية ، كان التنظيم يحاول محو تاريخ البلد وسجل منبع الحضارات الإنسانية .

الآن ، وبعد عدة سنوات من جهود الصيانة الطارئة والأعمال التمهيدية ، فان المتحف يعود راسخاً على طريق التأهيل وإعادة الافتتاح من جديد . ائتلاف من عدة مجاميع ومؤسسات دولية بضمنها معهد سمثسونيان ومتحف اللوفر وصندوق صيانة الآثار الدولي ومؤسسة ALIPH ، تشاركوا جميعاً مع الهيئة العامة للآثار والتراث لإحياء الأبنية واسترجاع القطع الأثرية وتشييد قاعات العرض مع تدريب كادر المتحف .

وفي مؤشر على ما تم تحقيقه من عمليات تأهيل وصل زوار خلال شهر تشرين الثاني الى قاعة الاستقبال الملكية التي اكتمل استرجاعها جزئياً والتي تقع بمحاذاة بناية أقدم تضم أعمال الفن المعاصر لفنان عراقي محلي . الكادر والسكان المحليين اعتبروا هذا المعرض المؤقت كانطلاقة لتعافي المتحف من جديد .

بعد مرور ثلاث سنوات على احتلال الموصل وتحريرها من سيطرة تنظيم داعش وتأمين المدينة والمنطقة المحيطة بها ، واجهت السلطات الآثارية في محافظة نينوى حالة اضطراب كبير لما شهدته من تدمير لحق بالمتحف والمواقع الأثرية في المحافظة .

علماء آثار من مؤسسة سمثسونيان الأميركية وعمال آثار قضوا أربع سنوات يديرون برامج إنشائية في المعهد العراقي للحفاظ على الآثار والتراث والذين يعملون في أربيل ، قد التحقوا مع زملاء عراقيين وخبراء آخرين للبدء بوضع الخطط لجهود استرجاع المواقع الأثرية والمتحف.

موقع النمرود يأتي أولاً . تم تشكيل فريق عراقي – أميركي في أربيل ومن ثم سيشرع بالعمل في الموقع . خططت منظمة اليونسكو لتشييد سياج حول المجمع ، مع قيام الجانب العراقي بتوفير إجراءات الأمن ، أما فريق مؤسسة سمثسونيان وبالعمل مع مدير متحف الموصل وآخرين فهم يقومون بتوفير أعمال التدريب وتجهيز المعدات والعجلات والتجهيزات الخاصة بأعمال الصيانة والتأهيل .

وعبر الثلاث سنوات الماضية انهت الفرق العراقية الاميركية من توثيق حجم الضرر وتنفيذ أعمال نقل مئات الاطنان من القطع الصخرية الضخمة والبقايا الأثرية من التماثيل المحطمة بنجاح مع بناء مجمع خزن والبدء بعمليات المحافظة على البقايا الأثرية واسترجاعها . المأساة هو أن ما دمره داعش خلال دقائق سيستغرق سنوات لاسترجاعه بشكل كامل .

وعندما استتب الأمن بشكل كامل في مدينة الموصل ، وجهت مؤسسة سمثسونيان اهتمامها نحو متحف الموصل الثقافي . هذا المتحف الذي يعتبر ثاني أكبر متحف في العراق بعد المتحف الوطني في بغداد ، يقع قرب مركز المدينة القديمة . وكان قد فتح أبوابه لأول مرة في عام 1952 بمحاذاة قاعة الاستقبال الملكية وتم توسيعه بعد ذلك لبناية أكبر مع إنشاء حديقة حوله وذلك خلال عام 1974 .

يضم المتحف قاعات عرض الآثار الآشورية و الحضر والحقبة الإسلامية ويحتوي مساحة لعرض قطع أثرية لما قبل التاريخ فضلاً عن مكتبة وقاعة محاضرات ومساحات لخزن القطع الأثرية . ومن بين القطع الأثرية المثيرة التي يعود تاريخها لعدة آلاف من السنين هي تماثيل الثور المجنح الضخمة التي تقف كمخلوق حراسة خرافي .

في عام 2018 وخلال لقاء عقد في أربيل أظهر مدير متحف الموصل لفريق مؤسسة سمثسونيان صور عن المتحف يظهر فيها فوهة ضخمة تخترق قاعة العرض الآشورية مع قطع صخرية ضخمة لبقايا حطام الثور المجنح . كانت منشآت البناية محطمة وبوضع مزري ، وقد ظهر في الصور ما يبدو على وفر ثلج على أرضية وقبو المتحف ، وعند الاستفسار من مدير المتحف عن هذه المادة قال إن هذا هو آثار حرق أكثر من 25,000 كتاب و مخطوطة كانت محفوظة في مكتبة المتحف .

طلب العراق مساعدة مالية من مؤسسة ALIPH العالمية الفرنسية المعنية بانقاذ المواقع الأثرية المتضررة في العالم لمساعدته في استرجاع وإحياء متحف الموصل . وافقت المؤسسة الفرنسية بمنح الدعم من خلال متحف اللوفر ومديره جان لو مارتنيز الذي وافق المشاركة مع فريق مؤسسة سمثسونيان في المشروع .

من بين فريق المؤسسة الأميركية الخبيرة ، كوري ويغنير ، المتخصصة بالنصب الأثرية والتي عملت في بغداد بعد العام 2003 في المساعدة لاسترجاع وتأهيل المتحف الوطني العراقي . ويضم الفريق أيضاً مهندسين تشيكيين تم تعينهم لاختبار الضرر الهيكلي لمبنى المتحف ، والتحق بالفريق أيضاً الزملاء العراقيين من كادر المتحف ومهندسين من جامعة الموصل .

بعد زيارات متكررة وتنسيق ودعم مالي تم التمكن من إصلاح منشآت التخزين في المتحف وبناء وتجهيز المختبر والمباشرة باسترجاع وترميم التماثيل والنصب المحطمة . وقام مدير مؤسسة ALIPH بالاشتراك مع كادر متحف اللوفر باجراء جرد للمقتنيات وبالبدء بأنشطة حفظها وصيانتها واسترجاعها لسابق عهدها بعد تجميع أجزائها المحطمة.

المهندسون المعماريون أبدوا ارتياحهم من أن هيكل البناية جيد ويمكن التشييد عليه وإعماره . ويتطلب ذلك المزيد من العمل من خلال تحديث البناء وإنشاء مسالك تصريف مياه بشكل أفضل مع إصلاح الجدران المتضررة وتبديل الأبواب والأرضية واسترجاع الطاقة الكهربائية ومنظومة التهوية بشكل كامل .

استرجاع وإعادة فتح هذه المواقع التاريخية والتراثية يوفر لأهالي الموصل موارد ثقافية نحو المستقبل وبالنهاية يساهم ذلك بإحياء الجانب الاقتصادي للمدينة من خلال استقطاب الزوار والسائحين وانعاش الحركة التجارية المحلية .

عن مجلة Smithsonian الأميركية

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top