سيادة القانون المدني العراقي في مكافحة العقود الفاسدة واسترداد المال العام 2-2

آراء وأفكار 2021/02/23 10:01:49 م

سيادة القانون المدني العراقي في مكافحة العقود الفاسدة واسترداد المال العام 2-2

 د. أسامة شهاب حمد الجعفري

ومن هذه الفلسفة التعاقدية الحديثة تنبع رقابة القانون على العقود فإن مسألة عدالة السعر و الثمن في العقود بشكل عام و العقود الحكومية بشكل خاص كانت محل عناية خاصة من قبل القانون المدني العراقي رقم 41 لسنة 1952,

فهو يقيم بناءً قانونياً مشدد الرقابة ليضمن من خلاله تحقيق التوازن العقدي عبر إلزام أطراف العقد بعدالة الثمن و عدم وجود أي غبن لطرفيه ليكون حارساً منيعاً للعدالة العقدية في كل مراحله , فهو – القانون المدني العراقي- يراقب عدالة الثمن عبر مرحلتين . لحظة التعاقد من خلال التقنية القانونية التي تسمى "الغبن" وفق المادة (124) منه,

ثم يستمر في رقابته على عدالة الثمن بعد إبرام العقد و تنفيذه , إذا ما استجدت ظروف تؤدي الى تغير الأسعار في الأسواق انخفاضاً أو ارتفاعاً, من خلال تقنية قانونية تسمى " نظرية الظروف الطارئة" التي تنص عليها المادة (146) منه التي تكفلت باعادة التوازن الاقتصادي للعقد الحكومي.

و ما يهمنا هنا هو عدالة السعر أو الثمن وقت إبرام العقد الحكومي و هو وقت قبول الإدارة للسعر المعروض عليها و إحالة العقد الحكومي على المقاول فإن تعرّض العقد الحكومي للغبن الفاحش من خلال عدم عدالة السعر أو الثمن يعد مؤشراً قوياً على أن المال العام قد تعرض للهدر و لم تكن الإدارة العامة رشيدة في التصرف به , و الهدر يكون في السعر الذي تم دفعه للمقاول كمقابل عن المواد و الأعمال التي تم شراؤها , و الفساد يكمن في الثمن في عدم عدالته بحق المال العام و عدم مطابقته للواقع السعري وقت إبرام العقد أو وقت الإحالة , و هذا العيب التعاقدي الذي يتعرض له العقد الحكومي هي مشكلة رقابية لا تقييم مؤسسات الدولة الرقابية لها وزناً و تضعها خارج نطاق الرقابة و لا تضع في الذهنية التدقيقية الى أي مدى تعرض العقد الحكومي الى غبن في عدم التعادل السعري التي تدفعه الإدارة للشركات و المقاولين و التي تكون أثماناً باهظة و تكلف خزينة الدولة أموالاً طائلة , و من هذا المنفذ تدخل مافيات الفساد الإداري و المالي الى العقد الحكومي فبالوقت الذي تنشغل مؤسسات الدولة الرقابية بتدقيق الشكلية القانونية لإبرام العقد الحكومي فإن مافيات الفساد تنشغل بالسطو على المال العام من خلال منطقة الثمن أو السعر التعاقدي بتضخيمه بشكل مرعب و مبالغ فيه كونها منطقة خالية من أي تدقيق و رقابة من قبل المؤسسات الرقابية للدولة مما ينتج عدم التعادل بين ما يأخذه المال العام من فائدة و ما يعطيه من الثمن و هذا هو الغبن الفاحش الذي يتعرض له المال العام , فإن كل ما يهم مافيات الفساد هو الكسب بأعلى مقدار من خلال تضخيم السعر .

إن هذه المنطقة الخالية من الرقابة التدقيقية لحماية المال العام من ناحية تضخيم الثمن في العقد الحكومي كانت محل حماية قانونية مشدّدة من قبل القانون المدني العراقي رقم 41 لسنة 1952 إذ نصت الفقرة (2) من المادة (124) على الاعتداد بالغبن الفاحش الذي يصيب مال الدولة وأعتبره سبباً كافياً لبطلان العقد , و إن الفلسفة التشريعية لهذا الحكم المشدّد هو أن هذه الأموال مخصصة للنفع العام و لا تستطيع الدفاع عن نفسها في العقود التي تبرم لمصلحتها و من ثم تكون عرضه لأطماع الطامعين بها والذين قد يجدون من يتواطأ معهم من القائمين عليها لذلك قرر القانون أشد الجزاءات المدنية و هو البطلان حكماً لأي غبن فاحش يلحقها. و لم يحدد القانون المدني مقدار الغبن الفاحش لذلك يجب أن تُترك هذه المسألة لتقدير المحكمة و اجتهادها . فالسعر الذي يدفعه العقد الحكومي لا يتناسب مع المنفعة التي حصلت عليها الدولة , و عدم التناسب هنا وفق معيار أسعار الأسواق و الغاية الأخلاقية لهذا النص هو القضاء على الغبن الذي يصيب المال العام جراء التصرف به من قبل القائمين المتواطئين من الموظفين العموميين مع الطامعين بالمال العام .

و معنى بطلان العقد الحكومي بسبب عيب الغبن الفاحش هو أن العقد الحكومي غير قادر على إنتاج أثره القانوني بسبب مخالفة لقاعدة قانونية من قواعد إنشاء العقود المتعلقة بمال الدولة و هي قاعد قانونية آمرة لأنها من النظام العام , و لا يلزم أي من المتعاقدين بتنفيذه , و الحكم باسترداد الأموال التي دفعت من دون وجه حق بإعادة الحال الى ما قبل العقد , و إن الحكم ببطلان للعقد الحكومي الذي كان سببه الغبن الفاحش للمال العام جاء لتقرير حماية لمصلحة اجتماعية عامة و متعلقة بالنظام العام لذا يمكن للقاضي أن يحكم ببطلانه من تلقاء نفسه دون الحاجة لتمسك الدولة بذلك , كما يمكن لكل ذي مصلحة الطعن بهذا العقد الحكومي المصاب بعيب الغبن الفاحش كهيئة النزاهة و ديوان الرقابة المالية و أي مواطن عراقي يستطيع الطعن بهذا العقد أمام القضاء بموجب الواجب الدستوري في حماية المال العام المفروض على كل مواطن عراقي بموجب المادة (27) من الدستور , بالإضافة الى الشخص المحمي نفسه و هي الدولة و مؤسساتها , و يكون في مواجهة الغابن المستفيد . و تقرير بطلان العقد الحكومي الذي تضمن غبن فاحش للمال العام يحتاج من الناحية العملية الى إقامة دعوى مدنية أمام القضاء المدني المختص , و لا يحق لوزارات الدولة و مؤسساتها و دوائرها إجازة هذا النوع من العقود لأن البطلان لا يزول بالإجازة و لكون الدولة كيان مؤسساتي نائباً عن المالك الحقيقي للمال العام و هو الشعب .

و لا يتقادم حق إقامة الدعوى المدنية لتقرير بطلان العقد الحكومي لإصابته بعيب الغبن الفاحش إلا بعد مرور خمس عشرة سنة على إبرام العقد الحكومي و إذا ما أصدر القضاء المدني العراقي قراراً يقضي بالبطلان فإنه فيجب إعادة الحال الى ما قبل العقد و إذا استحال تحقيق ذلك يصار الى التعويض العادل .

أما إذا لم يصب المال العام إلا غبن يسير و ليس فاحشاً فإن العقد لا يكون باطلاً و تقتصر الدعوى على المطالبة بالتعويض عن الغبن اليسير بزيادة السعر وفق الأسعار السائدة في الأسواق و يجب أن تُقام الدعوى خلال ثلاثة أشهر من انكشاف الغبن.

و نخلص الى أن تدقيق العقد الحكومي من قبل الأجهزة الرقابية للدولة يجب أن لا يتوقف على شكلية التعاقد و إنما يجب أن يمتد الى مدى تعرض المال العام للغبن الفاحش من خلال الرقابة على تعادل السعر مع المنفعة التي حصلت الدولة عليها من خلال التحقق عن "عدالة الثمن" المثبت في العقد الحكومي , و بذلك يكون العقد الحكومي "نافعاً – عادلاً" للمال العام. و إلا كان العقد باطلاً لفساده و إضراره بالمال العام.

إن هذه الأحكام القانونية المدنية المتشدّدة لأجل تنبيه الموظفين العموميين المتصرفين بالمال العام في مؤسسات الدولة الى خطورة التصرف القانوني بالمال العام و دفعهم نحو غاية المال العام في تحقيق الخير العام للشعب , و يجب أن يكون التصرف بالمال العام رشيداً . و ردع المستهترين بأموال الشعب من الموظفين العموميين و المقاولين بالمال العام فإذا ما تم إحاطة العقد الحكومي عند التدقيق عليه من قبل أجهزة الدولة الرقابية ليشمل التدقيق الشكلي على مدى صحة الإجراءات الشكلية القانونية و التدقيق الموضوعي على مدى إصابة المال العام بالغبن , فإن العقد الحكومي سيكون سليماً و قانونياً و يثبت أن المؤسسة التي تدير المال العام تتمتع بعقلية رشيدة و قد نفذت التزامها القانوني بعدم هدر المال العام و ليست متفضلة في عملها و إنما كل ما قامت به أن التزامها قد نفذته بكل حرفية و دقة .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top