نساء في مرمى الابتزاز الإلكتروني.. إرهاب سلاحه العاطفة والجنس

نساء في مرمى الابتزاز الإلكتروني.. إرهاب سلاحه العاطفة والجنس

 إعداد/ عديلة شاهين

بينما كانت جالسة لتتواصل مع احدى المحاضرات الالكترونية، تفاجأت نور البالغة من العمر ١٦ عاما بوصول عدد من الرسائل عبر تطبيق (ماسنجر)، متضمنة صورها الشخصية وبصمات صوتها مرسلة من رقم مجهول يهددها بعبارات خادشة للحياء. أدركت في حينها انها وقعت ضحية الابتزاز لدواعي المال والتحرش من قبل شخص كانت تربطها به علاقة عاطفية.

تتحدث نور عن قصتها لـ(المدى) قائلة إنه "سبب ثقتي العالية بالشخص الذي أبتزني لاحقاً، أنه كان يعبر عن رغبته بالزواج مني، وقد ارسلت له صوري الشخصية بعد طلباته المتكررة، في ان تكون الصور بلقطات و اوضاع مختلفة، وفي حينها كان اكثر تواصلي معه عن طريق بصمات الصوت، ولم اكن اعلم انه كان يفضل بصمات الصوت على الاتصال المباشر، لأنه في الواقع كان يخطط لإيقاعي في فخ الابتزاز الإلكتروني".

وأضافت أنه "بعدة فترة من العلاقة بدأ بتهديدي بارسال الصور ومقاطع الصوت الى عائلتي، ومن ثم نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مما جعلني في حيرة من امري ولم أجد سبيلا للخلاص سوى الانتحار، وعند محاولتي الانتحار اكتشفت والدتي الامر فتصرفت بحزم مع المبتز، وبعد حصولها على استشارات قانونية ابلغت الشرطة المجتمعية بالقضية واوقعت بالمبتز، الذي اعترف اثناء التحقيق بفعلته".

وتابعت نور: لم تعد حياتي الى طبيعتها، لان الآثار النفسية والعاطفية لهذه التجربة لم تختف باختفاء الفاعل، لذا لجأت الى العلاج النفسي فترة من الزمن.

محمد احمد يقول لـ(المدى): في مجتمعنا، دائما ما تلام الضحية، لأنها وافقت على ارسال الصور ومقاطع الفيديو للمبتز، وهذا الاعتقاد غير صحيح، لان أغلب الفتيات اللاتي وقعن ضحية لعصابات الابتزاز الإلكتروني، بسبب سرقة هواتفهن، أو اختراق حساباتهن الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويحكي محمد عن قصة ابنته التي وقعت ضحية الابتزاز قائلاً: سرق هاتف ابنتي في سوق شعبي وسط بغداد، وتمكن السارق من الاستحواذ على الصور ومقاطع الفيديو الخاصة بالفتاة، وقام بتهديدها بنشر تلك البيانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ويضيف: كنا نجهل من هو الشخص المبتز، لذا اضطررنا لتسليمه مبلغ 4 ملايين دينار لإسكاته وعدوله عن تنفيذ تهديداته.

ويرى الخبراء والمختصون في شأن الابتزاز الالكتروني، أن دخول وسائل الاتصال الحديثة في حياة الأسر، أسهم بشكل كبير في تنامي مشكلة الابتزاز، خاصة فيما يتعلق بالفتيات، اللواتي يسئن استخدام برامج التواصل الاجتماعي، أدى ذلك الى تفاقم الظاهرة.

ويعد الابتزاز الالكتروني في العراق، جريمة تخدش حياء الإنسان مما يجعله يعيش صراعات داخلية ما بين ضغط، وتهديد يمارس عليه من قبل الجاني المبتز للخضوع لمطالبه مستخدماً عدة طرق منها التشهير به عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة، أو عن طريق المساس بحياته الخاصة.

رصدت (المدى) قصص ابتزاز الكتروني عديدة، فضلاً عن جهود الأجهزة المختصة ورأي المختصين في محاربة هذه الظاهرة.

في مواجهة الظاهرة

ويعد الابتزاز الإلكتروني تحدياً خطيراً ويعتبر أحد إفرازات ثورة التكنولوجيا الرقمية الآخذة في التطور يوماً تلو الآخر، ولعله وربما يكون ابرز الافرازات انتشاراً، لاسيما أنه لا يتطلب المزيد من الأدوات أو التخطيط الدقيق لاصطياد ضحاياه، حيث يحتاج المبتز إلى صورة أو مقطع مصور أو حتى معلومة في إحدى منصات التواصل الإلكتروني لينسج بعد ذلك فصول جريمته التي يدر من خلالها أموالاً كثيرة عبر طرق وحيل الابتزاز الإلكتروني المتعارف عليها في عالم المبتزين.

النقيب بسمة الزيدي مديرة الشعبة النسوية في الشرطة المجتمعية، تقول لـ(المدى): تعد جريمة الابتزاز الإلكتروني من الجرائم المستحدثة بفعل التقدم الكبير في تكنولوجيا المعلومات مما جعل العالم قرية صغيرة، رافقت ذلك سهولة التواصل والتعارف واقامة العلاقات الشخصية وتبادل المعلومات و الصور و الفيديوهات بناء على الثقة المتبادلة، خاصة من قبل النساء إضافة الى التواصل مع صفحات خطيرة كصفحات السحر و الشعوذة التي تستقطب النساء.

الزيدي أكدت تواجد الشرطة المجتمعية في كافة محافظات العراق وفي كل المناطق من خلال الشراكة و التواصل مع مختلف شرائح المجتمع والتعاون مع منظمات المجتمع المدني والوزارات، وان معظم حالات الابتزاز الإلكتروني تردنا عبر الخط الساخن (٤٩٧) الذي خصصته وزارة الداخلية، اضافة الى رصد حالات اخرى من خلال جولات مفارزنا المستمرة.

إنهاء عملية الابتزاز

وتحدثت النقيب الزيدي حول كيفية الايقاع بالمبتز قائلة: عند رصد حالة ابتزاز، تقوم الشرطة المجتمعية اولا باستدعاء الضحية لجمع المعلومات التي تخص المبتز، اذا كانت الضحية على علاقة بالمبتز، ووردتنا حالات لا تمتلك فيها الضحية أية معلومات عن المبتز لأنه خارج العراق او في محافظة اخرى، لذا يتملك الضحية الحيرة والخوف والانهيار النفسي، ما يجعلها عاجزة عن التصرف، و هنا تبدأ محاولاتنا في احتواء الامر والتخفيف من حدة التوتر، ومن خلال التنسيق مع الجهات الأمنية الاخرى يتم الايقاع بالمبتز مع تعهد المبتز بعدم التعرض للضحية مرة أخرى، لكن اذا ما تم الكشف بان المبتز يشكل خطورة كبيرة او متمرس في ذلك فيتم تحويله الى جهات تنفيذ القانون.

وتكشف الزيدي عن ان اغلب ضحايا الابتزاز الالكتروني هن فتيات بأعمار مختلفة، ومعظمهن من ربات البيوت اللاتي لا يعين مخاطر عالم الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي.

واستطردت بالقول: تردنا أنواع اخرى من حالات الابتزاز منها خاصة بتهكير الحسابات وسرقتها لمساومة الضحية، وبما ان حالات الابتزاز في تزايد مستمر لذا نعمل باستمرار على التوعية والتثقيف عن طريق حملات واسعة نوصي من خلالها بعدم قبول صداقة أشخاص لسنا على معرفة مسبقة بهم او التواصل معهم، وعدم تبادل المعلومات مع الأصدقاء خاصة في الجامعات والمدارس والمعاهد وفي الدوائر الحكومية وغير الحكومية، وان لا نمنح الثقة المطلقة حتى للأصدقاء.

الابتزاز وأسبابه

وفي شأن أسباب تنامي ظاهرة الابتزاز الالكتروني، التقت (المدى) بالأكاديمي والباحث في علم النفس واخصائي علوم الطاقة الحيوية السيد اكرم جدوع الذي علل أسباب تنامي ظاهرة الابتزاز الإلكتروني قائلا: إن اهم الأسباب تعود الى ضعف الواعز الأخلاقي، ودخول وسائل الاتصال الحديثة بصورة كبيرة في حياة الأسر خصوصاً الفضائيات وشبكة الإنترنت، مع ضعف التثقيف بطرق استخدامها، مشيراً إلى أن اغلب المبتزين يعانون من الفقر أو الجهل أو الاضطرابات النفسية.

وصنف جدوع أنواع الابتزاز كالتالي:

1- الابتزاز العاطفي:

يستخدم الابتزاز العاطفي لتحقيق سيطرة عاطفية ونفسية على الآخرين، ولجعل الآخر يشعر أنه مدين أو مذنب في حق الشخص الذي يبتزه. وهو أسلوب دنيء للغاية في التعامل مع الآخرين، ولكن للأسف لا يعتبره القانون جريمة أو جنحة يحاسب عليها، رغم أنه قد يحاسب على أفعال أقل خطرا بكثير.

2- الابتزاز المادي:

يبين لنا مدى التأثير المادي على النفس البشرية وكيف يبيع الصديق صديقه والقريب قريبه والأخ أخاه من أجل المال، وكيف يسكن الحقد والكره مكان الحب والمحبة.

3-الابتزاز الإلكتروني:

تعد الصور أهم وسيلة في يد المبتزين، يأتي بعدها الصوت، ومن أسباب الابتزاز تهاون بعض الفتيات والنساء في إرسال صورهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو حفظ صورهن في ذاكرة الجوال، وعدم إزالتها عند بيع الجهاز، فيلجأ المبتز عند عثوره على صور إحداهن إلى الضغط عليها، وابتزازها، وإلا فضحها بما يملك من صور أو أصوات. ووقت خروجها معه يقوم بتصويرها في أوضاع ربما مُشينة، ويزداد تهديده لها، فيطلب من الضحية الخروج معه مرة أخرى، وهكذا بل ويزداد الوضع سوءا بأن يطلب منها إضافة إلى خروجها معه أموالاً، وإلا فضحها، بل ربما يدعوها إلى الخروج مع غيره.

خطورة الابتزاز الإلكتروني

واوضح الباحث والأكاديمي أنه تعتبر جريمة الابتزاز الالكتروني من الجرائم الخطيرة التي تشكل تهديدا على امن المجتمع بالإضافة إلى تأثيرها على الجوانب الاجتماعية حيث تؤدي إلى التفكك الأسري وحدوث المشكلات التي تؤدي إلى وقوع الطلاق وفقدان الثقة بالإضافة إلى الآثار النفسية (القلق، الخوف، الاكتئاب). وتتميز هذه الجريمة بصعوبة إثباتها لأنها من الجرائم الحديثة وان الفاعل فيها يستخدم التكنولوجيا الحديثة في ارتكاب جريمته، ونرى أنه من الضروري أن يصار إلى تشديد العقوبة على هذه الجرائم وإصدار تشريع خاص بها وعدم الاكتفاء بالعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 والتأكيد على تطوير أساليب البحث عن الجناة لخطورة هذه الجريمة على المجتمع.

وقد عالجت المادة (452) من قانون العقوبات، موضوع الابتزاز المالي بالإضافة إلى الابتزاز الإلكتروني.

الابتزاز وكورونا

و اتضح - بحسب جدوع - ان ظاهرة الابتزاز الالكتروني قد ازدادت بالفعل في فترة التباعد الاجتماعي و الحظر التي اوجبت على الكثيرين المكوث في المنازل والتعامل مع الاجهزة الالكترونية بكثافة، وذلك لوجود وقت فراغ كثير وقلة انجاز مما يدفع المبتز بعمل هكذا سلوكيات وان اكثر الناس يجلسون لفترات طويلة وعادة يشعرون بفراغ عاطفي وقلة الثقة بالنفس من الطرفين. و بحسب احصائيات فقد ازدادت نسبة ضحايا الابتزاز الالكتروني في العراق من 70 الى 80% من النساء وتقريبا 20% من الرجال، و ادى ذلك الى حالات طلاق كثيرة.

الوقاية وحماية الخصوصية

ولفت جدوع الى ضرورة حماية الخصوصية ونشر التوعية بهذا الخصوص، كذلك تضييق نطاق الجرائم و تقليل اعداد الضحايا، و ذلك من الممكن ان يتحقق باتباع النقاط التالية:

١- تعزيز مفهوم الثقة بالنفس عن طريق ايصال المعلومات المهمة لغرض تنظيم افكار حياة الشخص التي تؤدي الى تنظيم التحكم بمشاعره والسلوك اللفظي او الحركي العملي ومن ثم بناء شخصيته وتحديد مصيره.

٢- ايضاح مفهوم الحرية بالشكل الصحيح (اعمل ما ترغب دون المساس بحدود حرية الآخرين).

٣- إقامة حملات اعلامية مكثفة لتغطية الموضوع ونشر ثقافة حسن التعامل مع برامج التواصل الاجتماعي

٤- الاعلان الدوري والمكثف عن مصير وعقوبة المبتز كي يكون عبرة لغيره وللحد من التلاعب بسمعة الآخرين واقتحام خصوصياتهم.

٥- تجنب قبول طلبات الصداقة من قبل أشخاص غير معروفين.

٦- عدم الرد والتجاوب مع اية محادثة ترد من مصدر غير معروف.

٧- تجنب مشاركة معلوماتك الشخصية في فضاء الإنترنت.

٨- رفض إقامة محادثات الفيديو مع أي شخص، ما لم تكن تربطك به صلة وثيقة.

٩- عدم الانجذاب للصور الجميلة والمغرية، والتأكد من شخصية المرسل.

١٠- عدم الضغط على روابط مجهولة وفيها مغريات تجذب الشخص بدافع غريزي.

١١- تسجيل الخروج من البرامج عند الغلق وخاصة برنامج التلغرام.

١٢- عند التعرض لعملية ابتزاز يجب عدم التواصل مع الشخص المبتز، و ان كانت الضغوط شديدة و قاسية، وعدم تحويل أية مبالغ مالية، أو الإفصاح عن رقم بطاقة البنك او ارسال بطاقة الراتب او وضعه في المواقع الإلكترونية، كذلك تجنب المشادات مع المبتز وعدم تهديده بالشرطة، ويتم بالإبلاغ عند وقوع الحادثة مباشرة لدى الجهات المختصة.

١٣- عدم الدخول في مجموعات غير معروفة وعدم الموافقة على صداقات مجهولة.

الظاهرة في القانون العراقي

و حول عقوبة نشر الصور الشخصية او العائلية على مواقع التواصل الاجتماعي او صور مناسبات او حفلات او التهديد بنشرها لتشويه السمعة، اشار المحامي و الخبير القانوني علي اللامي في حديثه لـ(المدى) قائلا: عالج المشرع العراقي هذه الجريمة في المادة 433/1 جرائم السب والقذف وهو اسناد واقعة معينة الى الغير بإحدى طرق العلانية من شأنها لو صحت ان توجب عقاب من اسندت اليه او احتقاره عند اهل وطنه حيث يعاقب بالحبس و الغرامة او بإحدى هاتين العقوبتين.

وبدلالة المادة 434 السب من رمي الغير بما يخدش شرفه او اعتباره او يجرح شعوره وان لم يتضمن ذلك اسناد واقعة معينة.

واستطرد بالقول: اما التهديد بنشر الصور فقد نصت المادة 430 يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على 7 سنوات او بالحبس كل من هدد آخر بأسناد امور خادشة بالشرف او افشائها وكان ذلك مصحوبا بطلب او تكليف بأمر او الامتناع عن فعل مقصود، انه لا يجوز تحريك الدعوى الجزائية الا من المجني عليه او من يقوم مقامه قانونا.

في حين ترى الحقوقية و الناشطة في حقوق المرأة السيدة ايمان العزاوي انه على الرغم من العقوبات المذكورة و التي تدين المبتز، أرى أنه لا يمكن للقانون وحده، ولا الجهات الرسمية وحدها ان تحول دون حدوث جريمة الابتزاز الإلكتروني بشكل كامل، وبنسبة مئة في المئة، حيث يتوجب على الشخص أن يحافظ على معلوماته وعلى بياناته قدر المستطاع، حتى لا يكون عرضة لهذه الأفعال المشينة، مع ضرورة الإبلاغ الفوري عند التعرض لأية مضايقات على الإنترنت حتى لا تسوء الأمور، فهناك جرائم قتل وسرقة وخطف تبدأ من خلال مغامرة على الإنترنت، ولهذا فإن الحرص مطلوب في كل الحالات ومع أي شخص افتراضي على الإنترنت.

تعليقات الزوار

  • Sosi

    جيد لمعرفة إستخدام وسائل التواصل الاجتماعي

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top