باليت المدى: إبنِ بيتاً، حتى لو كان لعصفور

ستار كاووش 2021/03/21 09:43:51 م

باليت المدى: إبنِ بيتاً، حتى لو كان لعصفور

 ستار كاووش

(هل تود الانضمام إلينا غداً؟) هكذا سألتني ماب دايكسترا، وقبل أن أجيبها، أكملت (ستكون عندي ورشة تستمر بضعة أيام، لصناعة بيوت خشبية صغيرة للعصافير، ضمن النشاطات التي أقوم بها مع مجموعة من الشباب) فأجبتها (يالها من فكرة شاعرية، أنها تستهويني حقاً).

وهكذا اجتمعنا في ورشة النشاطات التي تشرف عليها ماب في مدينة هوخفين، والتي امتلأت بقطع الخشب والمناشير والمثاقب والمسامير وأشياء أخرى يحتاجها العمل الذي توزع على مجموعة من الطاولات، في حين فاحت رائحة القهوة التي انطلقت من الزاوية البعيدة، حيث ماكنة تحضير القهوة التي استقرت على طاولة زرقاء صغيرة، تحيطها مجموعة من الأقداح وطبق كبير مليء بكعك (بوتر كوك). ليبدأ العمل وسط تقطيع الأخشاب وتركيبها بطرق مختلفة، سواء باستخدام الخيال أو الاستماع لبعض الأرشادات أو حتى الأستعانة بمجموعة من النماذج الموجودة في الصور التي فُرَشَتْ على واحدة من الطاولات. وفي نهاية الظهيرة أكمل كل واحد منا بيتاً صغيراً، سيكون عشاً مستقبلياً لعصافير المدينة، ثم احتسينا القهوة مع ماب ذات الشخصية المحبوبة والتي تفتح ذراعيها دائماً للمساعدة بروح في غاية الإيثار والمحبة، وودعنا بعضنا، حاملين بيوتنا الصغيرة على أمل لقائنا في اليوم التالي لإنجاز العديد من البيوت. ولأن الفكرة استهوتني، لذا واصلتُ صناعة هذه البيوت فيما بعد، وأهديتُها الى بعض الصديقات والأصدقاء ليضعونها في حدائقهم بعد أن رسمت عليها طيوراً بشكل واقعي أو وجوه لعشاق بإسلوبي الذي عُرفت به .

وبما أني كنتُ متوجساً من قط جاري الشاب ماركو، الذي شاهدته مراراً وهو يترنح ماشياً بصعوبة وبطريقة تثير الضحك فوق السياج الخشبي ذو الحافة غير المنتظمة الذي يفصلنا، وعند اقترابه من شجرتي يقفز ويستقر على الغصن الضخم المحاذي للسياج، وكأنه يراقب المارة، لذا إحتطتُ للأمر واخترت مكاناً عالياً من الشجرة وثَبَّتُ فيه البيت الصغير خوفاً من أن يتحول الموضوع الى ما يشبه حكايات توم وجيري. والمفارقة اني انتقلتُ بعد فترة قصيرة الى مدينة أخرى، لذا حاولت أن أنقل معي بيت العصافير، ظناً مني بأنه مازال فارغاً، لأنه لم يمضِ وقت طويل على وجوده، لكن ما إن شرعت بفتح غطائه، واذا بي أجد بداخله عشاً وعدداً من البيوض الصغيرة. فأعدت الغطاء بهدوء وثبته من جديد بشكل جيد، وتركته معلقاً على شجرة بيتي القديم. وهكذا كان عليّ العودة لهذه الهواية وصناعة واحد جديد تحصل عليه العصافير مثلما حصلتُ أنا على بيت جديد.

هولندا بلد زراعي يشبه بستان أو حديقة كبيرة، وغالبية السكان يعودون لأصول فلاحية، وهذا ما جعل بيوت وأعشاش العصافير جزء من ثقافتهم وطبيعة حياتهم، وتراها منتشرة في كل مكان تقريباً. وهناك عشرات الآلاف من الأعشاش المختلفة التي تتكفل بلديات المدن والقرى بوضعها في الحدائق العامة والمتنزهات وأماكن عديدة أخرى، لتشغلها طيور مختلفة، بما فيها الأوز الذي يحصل على أعشاش كبيرة خاصة تٌثَبَّتْ فوق الماء أو على حافات السواقي والمستنقعات. وهناك أعشاش تثبت في مناطق مرتفعة، وأخرى تكون ثنائية، أي عشان في مثبتان مع بعضهما وتستعملهما عائلتان من الطيور أو العصافير، كذلك الاعشاش التي تصاحبها بعض الملحقات مثل سقيفة صغيرة مثبتة على عمود في الأرض توضع فيها بعض الحبوب والغذاء الذي تحتاجه العصافير والطيور. وهناك مئات من المتاجر التي تبيع هذه البيوت وملحقاتها وكل مايتعلق بها من غذاء وتفاصيل أخرى كثيرة، لكن مع ذلك هناك الكثير من الناس يفضلون صناعتها بأنفسهم، فذلك يمنحها حميمية من نوع خاص. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتناول الكثير منهم أشياءً قديمة وربما غير صالحة للاستعمال اليومي، لجعلها بيوتاً دافئة للعصافير التي تتخاطف بأنواعها هنا وهناك. فهذا جعل ابريق الشاي عشاً، والآخر حول القبقاب الهولندي التقليدي الى مكان مناسب لزوج من العصافير، بينما ذهب البعض أبعد من ذلك لجعل حذاءه القديم غرفة دافئة لعصافير المنطقة، والجميل أن أصحاب متاجر بيع النبيذ أخذوا يغلفون القناني بصندوق خشبي صغير هو عبارة عن بيت جاهز للعصافير، فما عليك بعد استعمال القنينة سوى الإمساك بهذا الصندوق وتثبيته في أي مكان أمامك وانتهى الأمر، وهكذا تنوعت الأفكار وذهب الخيال بعيداً، لذا فكل شيء تقريباً يمكن جعله بيتاً للعصافير، فقط أنظر بشكل جيد لكل ما هو متاح حولك، لتكتشف بأن ذلك ممكناً. لا تتردد بالمبادرة، فالسعادة الحقيقية تكمن في بناء بيت... حتى لو كان لعصفور صغير.

تعليقات الزوار

  • عدي باش

    فكرة رائعة .. لو تفضلتم بنشر بعض نماذجها المصنوعة من بقايا و مخلفات حاجيات قديمة

  • احمد درويش

    يعطيكم الف عافية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top