بسام فرج ومنح الكاريكاتير العراقي جرأة الكلمة

بسام فرج ومنح الكاريكاتير العراقي جرأة الكلمة

د. حسين الهنداوي

بشاشته الفطرية ظلت ماثلة في الوجدان قرابة نحو نصف قرن منذ لقائي الأخير مع بسام فرج في الباب الشرقي ببغداد وقبيل تسللي منها الى المجهول في ليلة 12/5/1971،

وكانت ليلة دامسة للغاية. كان بسام أيامئذ، أشبه بمعجزة فنية تمشي بيننا على قدمين، وحين كانت مقهى "المعقدين" أو "الوجوديين"، محطة تعارفنا الأولى والوحيدة والمنسية تلك، تجمعنا بعبثية بهيجة تحولت الى نوع من الطقوس هي ذاتها، فيما "العظماء"، وبينهم وليد جمعة ورياض قاسم وقتيبة عبد الله ومنعم حسن، كانوا سادة الفوضى والسجالات والانشقاقات في آن.. إلا أن البهجة الأولى راحت تتوارى تدريجياً في خضم أجواء الرعب البعثي المترصد بنا كالأفعى والعائد مدفوعاً بالغدر العفلقي القديم ذاته..

الكتابة الصحفية غدت تجلب جزّ شعر الرأس أمام المارة إن لم تكن حسب اجتهادات وتسريحات شريعة الدمامة الطلفاحية، وقد تجلب جزّ الرأس في أقبية ناظم كزار و"قصر النهاية" إذا كانت مريبة.. فيما الملاحقة دون سبب كانت حصة الجميع وعلى الهوية. في ذلك الجو الترهيبي كان الكاريكاتير، الفن المريب بذاته في نظر أي دكتاتورية لا سيما اذا كانت بعثية، أشبه بمشي بين ألغام متنقلة دون دليل أو بوصلة.. ومن هنا تلك الاستثنائية التي طبعت فن بسام فرج منذ البداية، وعبرت عنها محاولة جمع لا تخلو من جرأة "واقعية"، في بلد بلا تراث احترام لفن السخرية، بين موهبة واعدة بل معلنة سلفاً، وتقنيات متجددة وجرأة ببعدين تاريخي وإنساني يساريين أصيلين جعلته واحداً من أهم رسامي فن الكاريكاتير الحديث في العراق.

كان بسام فرج الذي اشتهرت رسومه في مجلة "ألف باء" خاصة، قد بدأ بنشر رسومه في مجلتي "القنديل" و"المتفرج" وصحيفة "صوت العمال" منذ منتصف الستينيات وهي فترة انفتاح وحتى تفتح سياسي في العراق رغم الطابع العسكري للسلطة العارفية الحاكمة. بيد أن المضمون السياسي لم يكن محورياً شأن معظم رسامي الكاريكاتير العراقيين لتلك الفترة. كان الطابع الاجتماعي أو الثقافي أو الفولكلوري أو الترفيهي هو السائد خلال منتصف الستينيات كما تبيّنه لنا أعمال معظم رسامي مجلتي "المتفرج" التي أصدرها الاديب الصحفي الراحل مجيب الحسون وكذلك مجلة "الفكاهة" التي أصدرها الرسام والفنان حميد المحل. فبسام فرج، بل جيل كامل من فناني الكاركاتير العراقيين، من المتأثرين بشكل خاص على الأرجح بمدرسة رسام الكاريكاتير العراق الأشهر في البلاد آنئذ الفنان غازي عبد الله (1999) الذي كان قد عمل طويلاً منذ عام 1947 في مجلات عديدة أبرزها (قرندل) و "قزموز" و"الحصون" و"جفجير البلد" و"الأسبوع" و"الآراء" و"لواء الاستقلال" و"جريدة الجريدة" و"ابن البلد" وجريدة "الشعب" كما نشر أعمالاً لا تحصى في الخمسينيات والستينيات خاصة، جمع أهمها في مجموعتيه الكاريكاتيرية المنشورتين الأولى في 1958 والثانية في 1960 فضلاً عن رسمه لبوستر فيلم (سعيد أفندي) الشهير وأعمال أخرى مستلهمة موضوعاتها في الغالب من الأمثال والأغاني الشعبية العراقية لتلك المرحلة وكذلك من صور بعض ممثلي الأفلام المصرية والأجنبية.

وكان الحظ قد حالفني في حوالي 1962 أن اشتغل عاملاً في مطبعة الهلال قرب فندق الزعماء في شارع المتنبي ببغداد حيث كان، بين الفندق والمطبعة، يقع مكتب للدعاية والإعلان أقامه الفنان غازي وغطى جدرانه بعدد من الرسوم عكست قدرته الفنية الفائقة في رسم شخصياته البغدادية أو الريفية العراقية التي كانت تثير البهجة أو الإعجاب.. وقد حصلت منه على كتاب برسومه التي سحرتني جداً في مرحلة الصبا تلك.

بيد أن بسام فرج لم يمكث في عوالم غازي والتراث طويلاً بل غادرها الى آفاق أرحب جمالياً وفكرياً وسياسياً مستلهماً تيارات أكثر تفاعلا مع التطلعات التقدمية والشعبية وأكثر نزوعاً كونياً وانسانوياً، وأكثر بعداً نقدياً بالضرورة، ساهمت وقتها في تطور فن السخرية السياسية في العراق بجعله أداة للتغيير، وبجعل الواقع ملهماً حيوياً، في تجاوز واضح لفكرة أن الكاريكاتير محض طريقة للتسلية أو للفكاهة نحو جعله وسيلة للتعبير عن رأي جمعي أو "طبقي" الى هذا الحد أو ذاك، ما يسمح ويوسع مجالات الايصال وسرعته مع المحافظة على هذا الفن كفرع أساسي من فروع الفنون التشكيلية.

ولعل الطفرة الجوهرية في ازدهار الكاريكاتير السياسي في العراق حصلت في أعقاب نكسة 5 حزيران 1967، وبتأثير التأييد الواسع لمد الحركة الثورية لا سيما تيار القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي فضلاً عن تأثيرات شعر المقاومة الفلسطينية والافكار الجيفارية والثورة الطلابية الفرنسية، وقد أسهم في تحقيقها جيل كامل من المبدعين الجدد نشطوا في كافة فروع الأدب والفن وخاصة الشعر والمسرح والرواية والفن التشكيلي وخاصة فن الكاريكاتير الذي انتقل الى مرحلة حاسمة من تطوره في قطيعة حادة مع "البساطة" الغازوية السابقة باتجاه الجمع بين الهموم الأممية والعراقية.

بسام فرج كان ضمن طليعة تلك النخبة من رسامي الكاريكاتير المتميزين الذين تصدروا تلك الحركة الطموحة المتميزة والحيوية وأكاد أقول التاريخية في منح الكاريكاتير العراقي وظيفة سياسية جوهرية والتي برز منها رسامون ومثقفون أيضاً كمؤيد نعمة وأديب مكي ونزار سليم وضياء الحجار وعبد الرحيم ياسر ورائد نوري وموسى الخميسي وخضير الحميري ووليد نايف وعبد الكريم السعدون وعباس فاضل وشهاب الحميري وعامر رشاد وكفاح محمود وكاظم شمهود وعلي المندلاوي وغيرهم.

ومع هذه الطليعة وبفضل أصالتها وجرأتها، تحول الكاريكاتير العراقي الى فن بالمعنى الدقيق للكلمة أي ملتزم شكلاً ومضمونا باعتبار الكاريكاتير بارومتر حرية التعبير كما هو الحال في أي مجال سياسي أو إعلامي مهما كان حجم الرقابة المفروضة على حرية التعبير فيه، فضلاً عن كونه مقياس مستوى الرقابة بما فيها الذاتية التي تشهرها هذه الصحيفة والدورية أو تلك ضد ما ينشر لديها من مواضيع ورسومات تنتقد أجهزة الدولة أو المظاهر، وتصنفها في خانة غير المقبولة.

تلك الثقافة الملتزمة منحت شخصيات بسام فرج عمقاً جديداً ما جعله، وهذا منذ البدء، يعنى بابراز جوهر الموقف وليس تفاصيله إلا نادراً مركزاً دائماً على عرض معاناة أناس بسطاء أو التعبير عن تطلعات فئات شعبية أو عمالية مع نقد لاذع أحيانا للاستغلال والفساد في خضم قدرة لافتة على تصوير شتى مشاكل الواقع اليومي، وخاصة إذا كان عراقياً، تصويراً لا يعرضه فقط بل يتحدث عنه بما يشبه التحدي أحياناً عبر اللمسة الفنية ورشاقة التخطيط كما عبر جمع تراكم التجربة وتعقد المغامرة مع الغاية بما يمنح اللقطة إطاراً جمالياً ومضموناً سخياً تسكنه الحرارة ويأبى المحاكاة أو المجانية أو الرتابة.

فالحركة تمتلك في عمل بسام فرج مضموناً هائلاً بذاتها الى جانب البعدين الجمالي والتعبيري وهذا منذ مراحله الأولى ولعل هذا الجانب ظل عنصراً اساسياً في القدرة على التنقل بين الكاريكاتير الاجتماعي والسياسي، ورسوم مجلتي والمزمار وأفلام الرسوم المتحركة والخ.. دفعة واحدة وبرشاقة عالية بينما هي حقول لمكونات شديدة التنائي رغم ظاهر اللقاء.

في الأعمال الأخيرة ثمة خزين أكثر تعقيداً هو الذي يعبر عن نفسه كاشفاً عن مصادر استلهام إضافية أكيدة من الفن الأوروبي والعالمي مدعومة بقراءات وخلاصات جديدة لفصول تجربة شخصية تغيرت فيها ماهية المعاناة والمسارات والغايات والغربات وتعقدت مفاهيمها قاطبة لكن روح عصر الشباب بمخزونها الذهبي وفردوسها المفقود لم تمت بعد في أروقتها تماماً لدى هذا الرسام الذي منح الكاريكاتير العراقي وجهة جمالية جديدة تحتاج الى وقفة طويلة واكثر أناة وعلماً من محاولتنا البسيطة هذه عن بسام فرج الذي، في أعماله الأخيرة خاصة، يتوجه أكثر فأكثر نحو تطويع فن البوستر دون المساس بالرسالة الجوهرية لفن الرسم الكاريكاتوري الذي فقد برحيل بسام فرج أيقونة نادرة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top