السرد غير الطبيعي في رواية (خرابة ميشو) لأسعد الهلالي

السرد غير الطبيعي في رواية (خرابة ميشو) لأسعد الهلالي

د. نادية هناوي

السرد غير الطبيعي هو سرد مضاد وغير منطقي يتعامل مع الواقع بستراتيجية معاكسة تجعل ما هو خيالي كالذي هو غير خيالي عبر إعادة صياغة دلالة(الطبيعي)

في تمثيل التسلسل الزمني وتوظيف الشخصيات الوهمية التي ظلت لفترة طويلة تُرفَض أو تُهمَل أو تهمش أو تُستثنى في السرديات الطبيعية، لتكون فاعلة وبطلة من خلال عقلنة السرد التي معها تبتعد الفاعلية السردية عن التشكيك والإيهام والاستحالة، وتصبح عملية القص الخيالية والخرافية وما فيها من حيوانات أو جنيات متحررة من السخرية منافسة أو متحدية المحاكاة في الطرق التي بها يمثل الخيالي والواقعي معاً.

وهو ما يتيح أمام القصاصين والروائيين مصادر إلهام مختلفة، فيها يجدون وسائل جديدة في التفنن السردي بالإبهار والإيهام، وبها ينشئون مشاهد ومسارات وعوالم أصلية أو غير مسبوقة بدل تلك الوسائل التي أعتيد استعمالها في إعادة صناعة العالم وإنتاجه سردياً.

وكان براين ريتشاردسون قد دعا إلى تبني ما سماه علم السرد ( السرد غير المعقول أو غير الطبيعي) في دراسته الموسومة( نظرية السرد المضادة واللاطبيعية، وما بعد الحداثة) محاولاً بذلك مناقضة الفرضية الأرسطية حول المحاكاة التي ترى أن الأدب مرآة للطبيعة؛ وإبدالها بما هو أهم منها من خلال إيلاء النماذج المضادة للواقعية أهمية خاصة في التمثيل السردي مع عدم إهمال الأعمال الأدبية المضادة للطبيعة وغير المعقولة أو غير قابلة للتصديق في العالم الحقيقي.

ويذهب كثير من النقاد ومنهم ر. م. البيريس إلى أن النهج الواقعي مرهون بالرواية ومعاكسته بنهج خيالي لا تعد خيانة للقراء؛ بل هي تعطي كاتب العمل الخيالي مساحة لصنع الأحداث واختيار أي دور يفضله كأن يضاد الواقعي بالوهمي أو يناهض الخيال بالخيال غير متقيد بإطار المحاكاة أو إعادة إنتاج واقع قائم بآخر يتم صنعه وليس له وجود قط.

ويعد ألان روب غرييه مثالاً لهذا النوع من الكتّاب وهو القائل: "أنا لا أنسخ، بل أبني". مسايراً في رؤيته هذه فلوبير الذي كان يريد الخروج إلى شيء ما من اللاشيء، أو شيء قد يقف بمفرده من دون الاضطرار إلى الاعتماد على أي شيء خارج نطاق العمل.

وأهمية امتلاك رؤية جديدة تميز ما بين التمثيل الخيالي والانعكاس الواقعي؛ إنما تتأتى من الحاجة الماسة إلى توظيف شخصيات خيالية تجسد الأفكار بطريقة أكثر حميمية من الشخصيات الواقعية التي تمارس حياتها. كأن تتوسل الشخصية بمؤلفها من أجل إنقاذ حياتها أو أن يعود الموتى إلى الحياة، أو يمكن أن يموت شخص عدة مرات في الخيال وأن يكون حياً بأعجوبة مرة أخرى. أو أن يقوم المؤلف باسناد السرد الى شيء جماد ليكون هو السارد البطل الذي ينقل لنا ما يحسه وما يراه من اشياء جامدة ومتحركة من حوله.

وهذا الشكل الأخير نجده في قصة ( أنا لمن وضد من) للقاص جليل القيسي والمنشورة في العدد الثامن من مجلة الأقلام 1975 وفيها نجد ( الدينار) يؤدي دور السارد البطل وهو يسرد لنا سيرة حياته من ولادته على أيدي عمال المطبعة مرورا بأشكال الجيوب والحقائب والخزائن التي دخل فيها حتى انتهائه ممزقاً بيد الرجل السكير حميد مغمساً في كأس اللبن.

وفي أثناء هذه الرحلة العجيبة يلاقي الدينار أنواعاً شتى من البشر مفتتحاً سيرته بالقول: ( أنا لغز كبير أحياناً ..اكتشفني الإنسان ليتعذب بي وليسعد بي) شاكياً من المكائن التي عاملته بقسوة ثم من أصابع البشر التي تمسكه، بقسوة مرة( رجل المطبعة السمين والموظف والسكير وبائع النفط ورجل المطعم) وبلين مرة أخرى (زوجة الموظف وسيدة الحقيبة) لكنه مع ذلك دائم التكيف مع كل ما يصادفه من سب ولعن وركل ودعك وروائح وظلام، ناقلاً لنا كل تفاصيل ما يسمعه ويشمه لاسيما تلك التفاصيل الصغيرة التي لا نراها كما في هذا المقطع الذي فيه الرجل يتناول طعامه والدينار يقبع داخل جيبه فيسمع أصوات القرقرة والتموجات المعوية وحركات الأفواه ( تحرك صدر الرجل وتحركت أنا الآخر في الجيب. بدأ فكه العظيم يتحرك وتوسع البلعوم وانتفخ الصدر وازدادت ضربات قلبه وبدأت اهتز أنا الآخر)

ولقد أجاد جليل القيسي من خلال هذا السرد في إعطائنا صورة إنسانية لشيء نعامله بلا إنسانية ولعله في هذا التجريب السردي يعد الأول الذي وظّف السرد غير الطبيعي في القصة العراقية.

ولا شك في أن القصص والروايات التي فيها نجد توظيفاً للسرد غير الطبيعي وانطلاقاً لأشياء جامدة كي تكون ساردة وبطلة هي قليلة بالعموم.

ويبدو أن الكاتب العراقي أسعد الهلالي تأثر بهذه القصة فكتب روايته( خرابة ميشو) والصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق عام 2020 وفيها وظّف العملة الورقية فئة ( خمسة آلاف) كفاعل سردي تلتف حوله سائر الفواعل السردية الأخرى ضمن رحلة عجائبية تبدأ من لحظة مغادرة الورقة رحم الخزانة المعدنية الضخمة المعتمة في البنك المركزي وتنتهي بلحظة عودتها متهرئة إلى الخزانة المعتمة نفسها( ولدت قبل قليل أرى ذلك بوضوح استيقظ من سباتي على صوت صرير معدني باب ضخمة لم أكن قد رايتها من قبل رغم أنها كانت قربي تماما هل كنت نائمة أم مغيبة) الرواية، ص10.

وتصادف خلال هذه الرحلة أحداثاً ومطبات تمنحها عشرات الاكتشافات المتواصلة مما يجعلها ترى نفسها راداتوث( إنني مجرد ورقة 5000 دينار جديدة راداتوث ترى وتسمع وتفكر، ما الذي يعنيني بما يقوله أو يفعله الناس؟ ) الرواية، ص130

وبسبب هذا الرادارية ترى العملة الورقية ما لا يراه غيرها فترصد بمعايشتها هذا القاع أناساً يمارسون أفعالاً مريبة تعينهم على الإثم والعدوان والفساد فيكونوا متحولين متلونين بشكل أعجب من العجب( لم تعد وجوههم اليوم مغبرة مرهقة نحيفة بل تراها نظيفة لامعة يرتدي بعضها عمائم أنيقة وتردد نفس الكلمات القديمة التي أخافتني )" الرواية، ص11

وكأن العالم الحقيقي ليس الذي فيه نجد البشر؛ وإنما الذي فيه الخيال يعرض الحيوانات والجثث والآلات بقصد توسيع أو إعادة تشكيل سرديات تتحايل على وفق تسلسلات زمنية مستحيلة في العالم الحقيقي وبتكوينات مكانية متناقضة.

ولا تسرد الخمسة آلاف دينار ما شاهدته في رحلتها فقط بل تسرد ما مر على أصفارها الثلاثة وخطوطها المتعددة من مصادفات ومفارقات أيضا ("انشغلت خطوطي وأصفاري العمياء في البحث عن فكرة رديفة لما يدور في ذهن فالح فلم تجد أقرب من جملة قالها فولتير عثر عليها أحد أصفاري في كتاب قديم "من الصعوبة أن تحرر السُذّج من الأغلال التي يبجلونها" استوقفني هذا الإصرار على التناقض بين احتمال الألم بصبر وتقبيل يد الجلاد في الوقت نفسه) الرواية، ص31

وتنقل لنا هذه الأصفار كثيراً من الصور الرمزية لرجال دين وزعماء قبائل وقادة جند يتم استحضارهم ومقارنتهم بشخصيات من تاريخ العراق ( عرض لي أحد كتب التاريخ الآن سطوراً عن عبد الله بن المقفع الذي قطعه سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة والي البصرة للخليفة أبي جعفر المنصور ثم بذات الطريقة تعرض للقتل أصحاب الدين والسلطة معبد الجهنمي وغيلان الدمشقي والجعد بن درهم والحلاج والسهروردي) ص130 فتفقد الاتجاهات دلائليتها المكانية والزمانية.

وإذا كانت المدينة قاعاً يتدارى فيها المتلونون مثل شخصية فالح الثقافي الموظف في البنك المركزي الذي اختلس أموالا طائلة لكنه ظل بعيداً عن أية شبهة والنقيب وعد المؤمن الذي كان متطرفاً ثم والياً لمجموعة إرهابية ، فإن الخرابة ستكون هي ملاذ أولئك الضحايا الذين استغلهم الفاسدون فنهبوا أموالهم وخيراتهم وتركوهم بالعراء لوحدهم، فلم يجدوا بُداً من الخرابة لتكون وطناً آمناً مثل عمو جلاوي الكهل الستيني المتسول، وهندارة المنقبة التي تعمل خادمة، وأوس سارق الموبايلات وعبير الشعنونة النشالة وزكي كبسلة.

ولكل شخصية في الواقع صورتان تُقدمان لنا من منظور ذاتي لساردة هي البطلة أعني ورقة الخمسة آلاف، وإحدى الصورتين إيجابية رمزية تتعلق بما يمثلها، والأخرى سلبية وقائعية تتعلق بكيفيات ذلك التمثيل. وإذا كان السرد الواقعي يمثل جزءاً من العالم الذي نعيش فيه بطريقة أو بأخرى؛ فإن هذه الرمزية في التمثيل قد تكون ممكنة وطبيعية وقد لا تكون كذلك.

ويكون هناك أكثر من موت واحد ينتظر كل شخصية من هذه الشخصيات ترسمه فئة الخمسة آلاف دينار التي تصبح في نهاية الرحلة ورقة مكدودة ومنهكة ( يبدو أني احتضر فعلا لقد عرفت الكثير أكثر مما ينبغي بالية من تكرار هذا الفصل مرارا. وضعنا المحاسب مع أوراق متهرئة أخرى في زاوية خزانة معدنية معتمة واقفل الباب بقوة لنغرق في ظلام) الرواية، ص275

وهي النهاية نفسها التي بها يُمنى الدينار في قصة جليل القيسي ( أنا لمن وضد من ) إذ يهم السكير (حميد) بتمزيق الدينار الى خمسة أجزاء على مرأى من الرجل الاشقر الذي كان جالسا في الحانة نفسها وهو يحاور جلساءه عن الامبريالية والرأسمالية والعنصرية. وبذلك صنع القاص مفارقة ساخرة، يتضح بعدها الرمزي بالخاتمة المفتوحة التي فيها الدينار يرفع مظلمته ويشكو للعالم قسوة بني البشر عليه :( بعد هذه المعاملة اللامنصفة، أنا لمن وضد من ارفع قضيتي؟ ) وهذه المناصفة ذات دلالة كبيرة كما ان التساؤل مشروع بمأساوية المآل الذي نجح جليل القيسي في رسم أبعاده.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top