عالم جامح* ..  إن العالم على عجل، إنه يقترب من نهايته

عالم جامح* .. إن العالم على عجل، إنه يقترب من نهايته

ناجح المعموري

لعب الفكر الفلسفي التنويري دوراً جوهرياً بارزاً وفاعلاً بحيث اتضحت الطاقة الكامنة مؤثرة بقوة واحدثت تحولاً لا يمكن انكاره وتجاهله .

وكادت الفلسفة التنويرية قائدة للجدل الكامن بين الكنيسة والعقل ، لأن علم الاجتماع في القرن السابع عشر والثامن عشر كان مستجيباً للتقدم العلمي بوصفه مظهراً من تبديات القبول بالتقنية . ووسط هذا التباين الكبير بين رجال اللاهوت والفلسفة ، برزت تحولات ثقافية متمثلة " على وفق مفهوم راسخ وبسيط في الوقت نفسه ، فهم كانوا يعتقدون بأنه كلما زادت قدرتنا على فهم العالم وفهم أنفسنا بعقلانية ازداد تمكننا من تشكيل التاريخ على وفق أغراضنا الخاصة وعلينا أن نتحرر من عادات الماضي وعقده من أجل السيطرة على مقاليد المستقبل .(2)

لعب ماركس دوراً قوياً ، وعرفت مرحلة التنوير انعكاسات ذلك على التحولات الظاهرة والسريعة وتميز مفاعيله الفكرية بما امتلكته من طاقات هزت افكار الكنيسة وخلقت اصطفافات قوية بين رجال التنوير وأجيال واسعة من الشباب ، حيث تحول موقفه الى شرارة أشعلت الماضي المتراكم والتقاليد النمطية والتقليدية التي اتضح فسادها . وتمثلت مقولة ماركس بـ " ضرورة أن نتحرر من عادات الماضي وعقده من أجل أن نسيطر على مقاليد المستقبل "

إن هذه الفكرة تقترح أن العالم لابد أن يكون أكثر استقراراً ونظاماً كلما ازداد تقدم العلم والتقنية ، حتى أن العديد من المفكرين المعارضين لماركس قبلوا هذه الفكرة ، فعلى سبيل توقع الروائي جورج أورويل مجتمعاً عظيم الاستقرار والوضوح ، نكون فيه جميعاً مجرد أجزاء صغيرة في آلة اجتماعية وبيئية ضخمة . كذلك كان موقف العديد من المفكرين الاجتماعيين مثل عالم الاجتماع الالماني ذائع الصيت ماكس ڤيبر . (3)

حصلت الاستجابة للعولمة طوعية ، ولم تستطع الشعوب في كل العالم الحوار مع عصفها المتمركز بنوع من القوة والشراسة واستطاعت عبر الجديد من التوصلات العلمية والتقنية أن تغزو حياة الشعوب وتفعل فعلها سريعاً ، ولعل أبرز تلك التقنية وسائل الاتصال السريعة التي جعلت العالم كله قرية صغيرة ، بحيث تماثلت دول العالم وارتضت أن تكون من ضحايا العولمة وأكثرها استجابة لذلك الدول الغنية بالنفط والفقيرة ثقافياً وعلمياً والتي ذهبت سريعة لاستدعاء العقول والكفاءات ، لأن الأموال حاضرة وشعرت بالأمان وكأن تلك العقول ملكية لها . ولكن تميز التوظيف مفتوحاً أمامها بشكل كامل ، وحدثت في المجتمعات عصفة قوية ، لا مثيل لها ، فالتجاور مثير بين التقنية وعلامات البادية والصحراء ، وأينما يتحرك الصحراوي يحمل معه اللابتوب . يتعلم يومياً ما هو جديد ، لكن تقاليده تتمظهر عن تحول أكثر سلفية وتشدداً ويرتبط بالشروط الاجتماعية الموروثة سلالياً ، عبر استمرار ثنائية الحضارة والبداوة . سكن حديث يوفر كل ما يحتاجه أفراد العائلة ، وآخر مجاور فيه علامات الموروث الطقسي والتقليدي ، فيه حيوانات ووظائف خاصة به وبالنساء ، لكن لا أحد منهم ينسى ما يحتاجه ليلاً من وسائل الاتصال والتبادل .

قال عالم الاجتماع ( انطوني جيدنز ) " إن العولمة تؤثر أيضاً على الحياة اليومية للإنسان العادي بالطريقة نفسها التي تؤثر فيها الأحداث العالمية لهذا السبب شاعت الاهتمامات الثقافية التي اعتاد عليها الفرد والجماعات حول الجنس والزواج والعائلة ، وتطالب النساء في العديد من مناطق العالم بالاستقلالية أكثر بكثير مما كان لديهن في الماضي ، ويدخلن في مجالات العمل بأعداد متزايدة " وهذا ما يمكن التعرف عليه سريعاً في بعض دول الخليج ذات الأصول الدينية المتطرفة والمتشددة والتي عارضت كل ما أرادت تحققه المرأة ، مثل حق قيادة السيارات وممارسة الرياضة ووجود دور سينما ومسارح .... كل هذه الأحلام تعرضت للقمع والقسوة ، لكن ذلك لم يعطل الحلم الذي تنامى وتزايد كثيراً ، حتى شكّل قوة ضغط ولدت استقطابات مجتمعية قوية ، أفضت الى تطرف وتشدّد رجال الشورى والسلف ، حتى حانت لحظة الاجتياح الثقافي المقترن مع روح السباب بالسلطة وانجرف الموقف بقسوة معكوسة ضد التيار السلفي المعارض وصعد تيار التحديث وسيادة الفنون وتطور العولمة كطاقة قوية وصادمة ومثل هذه الظاهرة التي لم تبد خاضعة لتطور تدريجي ونحول ثقافي قادت الى نوع من العنف والتصادم لأن مناصري العولمة يشجعون هذا الاختلاط الثقافي ، أما الأصوليون فهم يعدونه خطراً ومربكاً ، سواء في مجالات الدين او القومية او الهوية ، فهم يلجؤون الى تراث منفي ومجدد ، وغاباً ما يلجؤون الى العنف / ن . م/ ص22//

وأضاف انطوني جيدنز الى أن المشروعية أمل لجماعات اعتادت على حياة العولمة وفوز الكوزموبولتية على الأصولية ، لأن تقبل التنوع والديمقراطية مرتبطان بين بعضهما والديمقراطية تنتشر الآن في جميع أرجاء العالم وتختبئ العولمة خلف انتشار الديمقراطية ... إذا لم تتمكن من أن النجاح في الوصول الى مرتبة الحضور المتسيد في الحياة والتاريخ ، فعلينا البحث عن وسائل جديدة مساعدة لنا في العمل على أخضاع العالم الجامح لقوتنا وبالتالي سيطرتنا المعبر عنها ثقافياً ومن خلال انتصار الحداثة على تيار السلف المتعكز على الفتاوى .

في عالم كالذي تعيش فيه الجماعات مزدوجة وهي تحمل خضوعاً لما هو ممثل للماضي الذي لم تستطع التخلص منه ، كي تكتب تاريخياً جديداً لها وبين ملامح العولمة التي استقطبت الشباب وانغمرت في تفاصيلها وأبرزها التبادل السريع والتواصل وعلاقة الحب التي تفضي للجنس ولاحقاً الزواج ، خوفاً من الضوابط الاجتماعية والتقاليد المُعاشة طويلاً .

حاولت بعض دول الخليج توفير ما تحتاج اليه العائلة من ترف ووسائل رفاهية ، لكنها بالمقابل جعلت حياتها الموروثة مؤمن عليها وموفر لها سكن خاص لحماية الحيوانات والانتفاع بفوائدها . روى لي أحد الاصدقاء بأن الشباب يذهبون حاملين أجهزتهم الى بيت الحيوانات بدعوى توفر الهدوء ويزاولون متابعة شهواتهم ونزواتهم ويتبادل مع من يعرف مواقع تلبي الرغبات . واتسعت مثل هذه العلاقات وصارت شبكة من الشباب من كلا الجنسين ، حتى اكتشفت المؤسسات الرسمية ما هو حاصل ، والورطة الكبرى التي لم يكن التخلص منها إلا بصعوبات بالغة وأفضت الى مخاطر توصل البعض من العوائل للقبول بما لا يرضى به ، لكنه اضطر لحماية الأنا وستر موروث العائلة المتباهية به .

أكد عالم الاجتماع المعروف " أنطوني جيدنز " أن أنظمة القيم العائلية التقليدية بدأت بالتحول ، أو أنها تحت ضغط شديد في كثير من البلدان لا سيما بعد أن شرعت النساء بالسعي لتحقيق مزيد من المساواة . ولم يوجد على مر التاريخ المسجل لدينا مجتمعاً تتساوى فيه المرأة والرجل ، إن العولمة ثورة حقيقة تستشعر عواقبها في كل أرجاء العالم ، من مجالات العمل الى السياسة . (4)

يفضي هذا الرأي الى أن التحولات في وسائل الاتصال وتحول الجغرافيات الواسعة الى قرى صغيرة جداً ، هو سبب موضوعي لايقاظ الشعور الثقافي بالعناصر المكونة للجماعة ، مثل سرديات موروثة عن الماضي ، تتغذى بتداولها وتكريسها باعتبارها جزءاً مهما من ذكريات موروثة ، لذا تبلور موقف يضاد لدى بعض الشعوب للانفصال مثل الاسكتلنديين وكيبك كما ذكر " انطوني جيدنز " وأيضاً مطالبة الكرد بالاستقلال لأن الحكم الذاتي لم يعد ملبياً لمطالبهم القومية والاقتصادية ، ليس هذا بسبب ضعف سيطرة الدولة ، العولمة تضغط أيضاً في الاتجاه الجانبي ، فتشكل بذلك مناطق اقتصادية وثقافية جديدة داخل الدول وفيما بينها(5).

(1)* . انطوني جيدنز / عالم جامح / ت : عباس كاظم و د. حسن ناظم / جامعة الكوفة .

(2) / ص20 .

(3 ) ن . م / ص20 .

(4) م . ن / ص31 .

(5) م . ن / ص32 .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top