على فكرة: المثقف المذبوح من الوريد

د. أحمد الزبيدي 2021/04/19 09:53:06 م

على فكرة: المثقف المذبوح من الوريد

 د. أحمد الزبيدي

عن ثقافة الإساءة في الممارسة الثقافية، صدر كتاب للناقد المختلف صالح زامل عن جامعة الكوفة، دراسات فكرية، 2021م . عنوانه (إساءة المثقف)..

ولست في صدد تقديم عرض لفصول الكتاب ومحتوياته، وإنما أحاول تقديم قراءة تتناسب وحجم العمود، ومنطلقًا من تصورات الكاتب التي أفصح عنها في فصله الأخير المتمثلة في التنوع والتعقيد بين مصطلحي ( الثقافة ) و ( التسامح ) وخاصة عبر تركيبهما( ثقافة التسامح ) فالثقافة بمفهومها الأنثروبولجي من الصعب أن تنهض بمهمة ثقافة التسامح التي تنبثق من فاعلية الحوار وتنتعش بتعاضد المؤسسات والقوانين، والوعي بأن الدين بالطريقة التي نمارسه يمثل أهم عائق لإنتاج ثقافة التسامح.. هذه التصورات ما هي إلّا ردة فعل مستخلصة من فعل ( موضوعة الكتاب ) التي سافرت مع الكاتب في رحلة الحياة بين القراءة والكتابة والاختلاط بحيوات متباينة من الناس( وقد عاش الاختلاف وهو مؤمن بالمواطنة والإنسان والتسامح ) ص11.

توزعت الرحلة بين القراءة والكتابة على سبعة فصول.. رحلة تكشف فاعلية ثقافة الإساءة في جوانب متخلفة من الحياة وبمراحل زمنية تعاقبية تسقط فعلها الحضوري باشتغال تزامني يتولد في فضاء يكون فيه ( الآخر ) سلبيّاً .. وعليه فإن الثنائية الرئيسة في الكتاب هي ( ثقافة الإساءة _ ثقافة التسامح ) .. الطرف الأول السلبي هو الحاضر الفاعل الواقعي في الثقافة العربية والطرف الآخر هو الغائب المتخيّل المرتجى ولهذا _ منهجيّاً_ ما كان نصيبها( ثقافة التسامح) من الكتاب سوى فصله الأخير.. إذن الأول الفعل السلبي والآخر ردة الفعل الإيجابية التي يطمح إليها المؤلف .. والتساؤل البدهي ما المقصود بـ ( الإساءة )؟ يجيب الكاتب : ( إنها شكل من أشكال الكراهية.. ) ص23 وغالبًا ما تقترن بالمقدّس (ص29 ) وتعمل بين طرفين كان أصلاً بينهما فضاء من المشاركة غير أنها فعل فردي يتوجه من طرف إلى آخر لأنك لا تسيء غالباً لمن لا توجد بينك وبينه مشتركات .. إنها تتعامل مع متعينين مع فعل ممارسة مباشر وعادة ما يقترن الفعل المباشر في ممارسة الإساءة بنسق ( الشفاهية) الذي يؤكد حضوره عبر المرويات الشعبية .. ولعل الصفة المشتركة بين أغلب تجلياتها العملية وتنوعاتها واختلاف مجالاتها أنها نسبية تتعلق بمستوى التلقي الذي قد ينضوي تحت هوية الانتماء لأحد طرفي ثنائية الفعل . .. وتنوّعت مشاهد الممارسة لفعل الإساءة بمشاهد مختلفة من الثقافة العربية: قديماً وحديثاً!!

ولكي يحقق المؤلف صورة جلية لمصطلح الإساءة ووضوحاً لممارستها فإنه عرّج على تحديد ماهية ( الاختلاف ) في الثقافة العربية كونه مصطلحاً لصيقاً بفعل الإساءة وتوصل الكاتب إلى أن المعجم لا يعنى كثير عناية في رصد تطور هذا المصطلح وهو يورد لفظاً مرادفاً .. ولاحظ أن المعجم يتجاهل ذكر ( الاختلاف) بهذا اللفظ ليس لعدم فصاحته ولكنه اكتفى بلفظ ( التخالف ) جذرًا .. يقول المعجم : ( تخالف الأمران واختلفا : لم يتفقا وكل مالم يتساوَ فقد تخالف واختلف) إذن الاختلاف هو عدم التكافؤ فلابد من وجود ( الفرقة الناجية )! ولم يكن مفهوم الاختلاف قائماً على شرعية الحوار واحترام الآخر بوصفه شرطًاً لوجود الذات بمعطيات إيجابية تسمح له حق الاختلاف الشرعي التكافئي التطابقي وعليه فإن فاعلية الإساءة الإشهارية تتولد من فعل الاختلاف بين ( الحق _ الباطل ) ( الشرعي _ اللاشرعي ) ( الحلال _ الحرام ) ( المؤمن _ الكافر ) ( الغالب _ المغلوب ) وكذلك مصطلح الإيديولوجيا بوصفها تشويهاً أو إضفاءً للشرعية أو تحقيقاً للاندماج مع جماعة ما.. وعلى الرغم من أن فعل الإساءة فردي في التصدي ولكنه قد يتوجه إلى ( جماعة ) كما في مثال السياب والشيوعيين والوردي و( العامّة) المحكومة بغياب العقل كما في تصورات الاعتزال وخاصة الجاحظ والتوحيدي أو محكومة بالطبيعة البشرية ونزعتها الشخصية كما في تصورات الوردي ( ص63) .. ولعل الإساءة التراجيدية في الكتاب هي الإساءة إلى الفرد ( الرصافي ) حتى أفصح الكاتب بحتمية حزينة:( لم يتعرّض مثقف في القرن الماضي إلى إساءة الفهم بالقدر الذي واجهه المثقف الموسوعي الرصافي )(153) فذكر وصيته التي تطفح لوعة التعبير عن ما اختزنته الذات من آلام ووجع بفعل إساءة الفهم وكأنها ( جزء من نسق الثقافة آنذاك ) ( 154).. ثم جاء الفصل الأخير ليكون ردة الفعل الإيجابية ( ثقافة التسامح ) على كل هذه الأفعال السلبية .. ويؤمن الكاتب بأن التسامح ليس نزعة طبيعية ولا يعني ذلك إيمانه بالنزعة اللوفثيانية ولكنه مؤمن جدًا أن التسامح بوصفه فعلا وممارسة لا يكون إلا بـ ( ثقافة الحوار ) القابلة للأخر والمؤمنة بالتعددية وشرعية الاختلاف .. وهذا ما آمن به صالح زامل حتى انتهى ( متسامحاً وأنا أذبح من الوريد )

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top