لماذا يستفزنا فلاديمير نابوكوف في لوليتا ؟

لماذا يستفزنا فلاديمير نابوكوف في لوليتا ؟

ترجمة / أحمد فاضل

روايـة " لوليتا " لفلاديمير لنابوكوف، والـتي نُشرت عام 1955، تتحدث عن افتتان همبرت همبرت بفتاة تبلغ من العمر 12 عامـاً يسميها لوليتا (اسمها الحقيقي هو دولوريس) وعلاقتهما اغتـصاب، في هذا المقال الرائع عبر صفحات نيويورك تايمز، تتساءل إميلي مورتيمر:

" لماذا لم تواجه الرواية الكثير من المعارضة في ذلك الوقت عندما كانت تعتبر بالتأكيد غير قابلة للنشر ". وبالفعل، لا يمكنني تخيل نشرها اليوم فقد واجه نابوكوف وقتها مشكلة فـي نشرها، حيث تم رفضها من قبل العديد من دور النشر الرئيسية وأخيراً تـم إصدارها من قبل أوليمبيا برس، المتخصصة في النشر الإباحي، لكنها لا تزال تُقرأ وتحظى بالتقدير على نطاق واسع حتى هذا الوقت ، لماذا هذا ؟ مورتيمر لديها بعض الأفكار الاستفزازية والأمر الأكثر للدهشة هو أنها من مواليد هامر سميث ، لندن ، المملكة المتحدة 1971، وليست ناقدة أدبية، لكنها نجمة سينمائية ربمـا تكون شاهدتها فـي السينما وكذلك في المسلسلات التلفزيونية المختلفة، لكن مقالها مقروء وذكي مثل مقال أي مراجع أو ناقد شهير، وقد اندهشت من أن أي ممثل يمكن أن ينتقد هذه النوعية، ومن الواضح من مقالها أنها تقرأ جيداً، لكن بالنظر إليها أرى أنها حاصلة أيضاً على شهادة من جامعة أكسفورد في الدراسات الروسية.

مناسبة هذا المنشور هو ظهور مختارات جديدة تسمى " لوليتا في الآخرة "، نُشرت هـذا الشهـر، والتي ظهرت فيها مقالة مورتيمر، التي لعبت مـن قبل دور البطولة في فيلم " المكتبة " عام 2017، دور أرملة تـفتح متجراً لبيع الكتب في بلدة إنكليزية صغيرة تقوم بتخزين رواية " لوليتا " التي بسببها تواجه المتاعب من بعض الناس المترددين لمكتبتها.

على أي حـال، اقرأ مقالها، الذي يمزج بين تجربتها السينمائية، وبين تذكرها لوالدها المحامي الذي دافع عن أشخاص مثل هامبرت ، وقبل كل شيء، تقديرها للـرواية والأفكار حول سبب ارتفاعها فوق " ثقافة الإلغاء "، مـن شأنه أن يحول دون نشرها اليوم، وفيما يلي بعض أفكار مورتيمر حول سبب استمرار شعبية الرواية، على الرغم من كونها مثيرة للجدل دائماً :

" من بعض النواحي، أعتقد أنه من الأسهل بكثير فصل الكاتب عن موضوعه في حالة نابوكوف و " لوليتا " أكثر من فصل بيكاسو على سبيل المثال، عن لوحاته، أو وودي آلن عن أفلامه، أو بالثوس عن بناته الصغيرات، كان نابوكوف رجلاً متزوجاً سعيداً أعـجب بزوجته فيرا ، وعـاش حياة مثالية كأكاديمي ومؤلف ، بكـل المقاييس، كانت مداعباته الوحيدة خارج نطـاق الزواج مع النساء في منتصف العمر، فلو افترضنا إذا كانت لدى نابوكوف في يوم من الأيام أفكار قاتمة فاسدة مثل أفكار همبرت همبرت، فإنها تظل أفكاراً أو كلمات على الورق، لكني أعتقد أن هناك أسباباً أخرى لتحمل "لوليتا"، على الرغم من كونها صادمة أكثر من العديد من الروايات الإباحية في وقتها وعلى الرغم من إعادة التقييم التي مرت بها العديد من الأعمال الفنية المخالفة الأخرى في عصرنا، أولا، إنه مضحك جداً، لطالما قال والدي أنه يمكنك الإفلات من أي شيء في المحكمة طالما أنك تضحك الناس : في قضايا الفحش، كان أول شيء فعلته هو إضحاك هيئة المحلفين، كان الهدف الأكبر للقاضي والمدعي العام هو منع هيئة المحلفين من الضحك ، همبرت همبرت مدرك لذاته بشكل مضحك ومضحك حتى في الحالات القصوى، حتى في ذروة الدراما عندما يخرج من أجل الدم وعلى طريق الخراب (عندما يجبر المؤلف بطله على الجدية) ، لا يـزال بطلنا يكسر النكات ويجعلنا نضحك ".

" الرواية مكتوبة أيضاً في نثر لامع، ادعى نابوكوف نفسه أن هذا الكتاب كان بمثابة تسجيل لـ " علاقة حب مع اللغة الإنكليزية "، والشعور باستخدام اللغة كما لم يتم استخدامها من قبل وقد لا تتكرر أبداً، تقرأ عن الأشياء الفظيعة في جمل مثيرة تحبس أنفاسك، كما يعترف همبرت، " يمكنك دائماً الاعتماد على أسلوب نثر خيالي "، فتستشهد ببداية نابوكوف الرائعة، والتي تغمرك ببساطة في الرواية :

- لوليتا ، نور حياتي، خطيئة روحـي، يقوم طرف اللسان برحلة أسفل الحنك ، لينقر على الأسنان، لو. لي. تا.

هذه كتابة رائعة ! الكتاب هو قوة ليس فقط في الفكر، ولكن في الكتابة نفسها ، من المستحيل التراجع عن أي نوع من المبادئ الأخلاقية العالية عندما تقرأ " لوليتا " ، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن نابوكوف يتسم بصدق ونقاء عاطفي غريب من خلال صورته الهوسية لأنه بالإضافة إلـى كل الأشياء الأخرى الموجودة فـي الكتاب ، فإن " لوليتا " هي واحدة من أجمل قصص الحب التي ستقرأها على الإطلاق. أنت تفهم هذا أخيراً في قسمه الأخير، المثير، المدمر، المأساوي ".

" وهناك سبب آخر، شيء تطرقت إليه في حواري مع آدم جوبنيك حول ما إذا كان الأدب يمنحنا المعرفة، وإذا لم يكن الأمر كذلك (وجهة نظري) ، فما الذي يمنحنا إياه ؟ :

" لوليتا " تجعلنا نرى بعيون رجل شاذ جنسياً ومغتصباً وقاتلاً

، وأعتقد أن هذا هو السبب الأساسي وراء هروبه من الاتهامات الأكثر قسوة لكل من المحاكم وشرطة الأخلاق في 60 عاماً منذ ذلك الحين، على عكس العديد من الأعمال الخيالية الأقل أهمية، والتي وجد والدي نفسه يدافع عنها، فقد تمت حماية " لوليتا " من خلال " ملجأ الفن "، حيث يجب أن تكون آمنة إلى الأبد لاستكشاف أفكار ومشاعر الأشخاص القادرين على القيام بأكثر الأعمال وحشية، أشياء لا تزال " لوليتا" لا يمكن تعويضها لأنها تنزع سلاحك وتتجاوز الحكم، إن تجربة قراءتها ، إذا قرأتها بالفعل، هي التخلي عن الاهتمام بالصواب والخطأ ومجرد الشعور بالأشياء كما يشعر بها شخص آخر، واحدة من أغلى سماتنا، وربما أعظم مقياس لإنسانيتنا، هي قدرتنا على القيام بذلك، فهمت فلورنس جرين ذلك في مكتبتها الصغيرة، وعرفها والدي، وفعلها نابوكوف، وأي شخص قارئ يعرف ذلك أيضاً ".

" وهذا على ما أعتقد، هو السبب في أن الرواية، على الرغم مـن تصويرها للاغتصاب والقتل، احتفظت بمكانتها كفن بارع، كما كتبت في إحدى الرسائل في تبادل جوبنيك، " في النهاية، الحقيقة فـي الفن هي مجرد فهم لوجهة نظر الفنان إلى الحياة ، يمكن أن يكون هذا المنظور مزعجاً أو مؤكداً للحياة أو حتى مغيراً لها، لكن المعرفة التي ينقلها هي كيف يعمل عقل شخص واحد ".

" من خلال تصوير الآخرين، يقدم لنا الفن الأدبي إحساساً بتأكيد الذات، إدراك أن الناس يشبهوننا من نواحٍ عديدة، على الرغم من اختلافهم في نواحٍ أخرى ، يجلب الفن الوعي ويركز على المشاعر التي قد لا ندركها حتى ، مما يمنحنا الفرصة لتقييم حياتنا وتغييرها ودعـمها ، في هذه الحالة

فإن العقول التي نـدخلها هي عقل نابوكوف، وبالوكالة خلقه همبرت همبرت، هـل هذه هي الطريقة التي يفكر بها أي مشتهي الأطفال حقاً ؟ أشك في ذلك ، هذه هي الطريقة التي يعتقد بها نابوكوف أن أحد المتحرشين بالأطفال ربما يظن، وبالتأكيد هناك عناصر مـن الواقع، لكنه في النهاية عمل خيال خالص وما يجذبنا إلى " لوليتا " هو الفرصة للخروج من حياتنا اليومية ومعـرفة ما قد يكون عليه الشعور بأن تكون مثقفاً مسناً غارق فـي حـب فتاة خجولة تبلغ من العمر 12 عاماً ".

لا توجد " معرفة " حول الكون في هذا الكتاب (على الأقل لا توجد معرفة لا تتطلب تأكيداً من خلال دراسة تجريبية)، ولكن هذا لا يقلل من قيمتها، كما وصفتها مورتيمر على نحو ملائم أعلاه، ومن يهتم إذا شعر همبرت بأي شيء شعر به أي إنسان من قبل ؟ المهم هو أننا نشعر به، وخلال الفترة الفاصلة من حيواتنا.

عن / صحيفة نيويورك تايمز

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top