زيارات رافقتها قصائد واحتفاءات..مع الجـواهري في عواصم ومدن العالم 2/2

زيارات رافقتها قصائد واحتفاءات..مع الجـواهري في عواصم ومدن العالم 2/2

رواء الجصاني

لا يبدو أن هناك منتهى للكتابة والتوثيق عن الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري (1899-1997) منجزاً، وحياةً، برغم إحدى وعشرين أطروحة دكتوراه،

وثلاث عشرة رسالة ماجستير، أجيزت عنه، ونحو ستين كتاباً ومؤلفاً رصيناً، ومئات من الدراسات والمقالات والاستذكارات، دعوا عنكم اللوحات والصور والتخطيطات الفنية.. وكل تلك الأرقام هي في الحدود الدنيا، ونعني ما هو مرصود وموثق لدينا الى الآن... وقد شمل الجزء الاول المنشور من هذا التوثيق على محطات الجواهر وقصائده في إيران وباريس ووارسو ولندن.. وفي التالي الجزء الثاني والأخير..

5/ وفي موسكو عام 1959

انحاز الجواهري منذ وقت مبكر من حياته الى جانب القيّم والسياسات والمبادئ التي تتحدث وتؤمن بالتحرر والعدالة الاجتماعية والمساواة، ومناهضة الاستعمار بمختلف أشكاله.. وهكذا راح منتصراً الى الحلفاء ضد المانيا الهتلرية خلال الحرب العالمية الثانية، في القرن الماضي، وقد أبرز ذلك شعراً، ومنه في تمجيد انتصارات وتضحيات الاتحاد السوفياتي السابق. ومن ذلك ما جاء في قصيدتيه: عن معركة "سواستبول" عام 1942.. وعن معركة "ستالينغراد" الشهيرة عام 1943 ومن ابياتها:

نضّــتْ الروحَ وهزته لواءا، وكسته وأكتستْ منه الدماءا

واستمدت من الهِ الحقل والبيت والمصنع عزما ومضاءا..

يا (تولستوي) ولم تذهب سدى، ثورة الفكر ولم تذهب هباءا

هكذا الفكرة تزكو ثمرا، ان زكت غرسا وان طابت نماءا

أما زيارته الأولى للاتحاد السوفياتي فكانت لعاصمته - موسكو عام 1959 رئيساً لوفد من الأدباء العراقيين.. تلتها مشاركات في فعاليات ومؤتمرات أخرى، ومنها ما وثق لها شعراً بقصيدة (أطفالي وأطفال العالم) التي القاها خلال مشاركته في فعالية دولية من أجل السلام ونزع السلاح عام 1962.. ووفق ما توفر من توثيقات نسجل أن زيارات الجواهري "السوفياتية" لم تكن للعاصمة موسكو وحسب، بل شملت مدنا عديدة مثل لنينغراد (بطرسبورغ حالياً) وسمرقند، وغيرهما..

6/ وفي بــراغ منذ عام 1960

.. والحديث عن علاقة الجواهري ببراغ لا تشبه بأية حال الحديث عن زياراته، وقصائده عن عواصم ومدن العالم. فقد أقام في تلك المدينة التي أطلق عليها وصف "مزهر الخلد" ثلاثة عقود، بشكل دائم أو متقطع (1961-1991) لاجئاً ومغترباً وعاشقاً و"مستوطناً" وكتب فيها وعنها العديد من القصائد والمقطوعات. كما نظم وهو في ربوعها فرائد كثيرة ليس مجال حصرها كاملاً في هذا التوثيق، ومن بينها مثلا: "دجلة الخير" و"لغة الثياب" و"فتى الفتيان" و" يا آبن الثمانين" وسوى ذلك كثير ومتنوع..(++)

أما عن براغ تحديداً، وأهلها وطبيعتها ومجتمعها، فلعلنا نستطيع أن نوجزعن ذلك فنشير الى قصيدته المعنونة "براغ" عام 1968 ومن مطلعها :

أطلتِ الشوطَ من عمري، أطـــالَ اللهُ مـــن عُــمـركْ

ولا بُــلــغــتُ بــــالــشــرِّ، ولا بــالسوءِ مــــن خَبرك

حـسوتُ الخمرَ من نهَرك، وذُقـــت الحلو مــن ثَمرك

وغنت لـــي صوادحُــــك النشاوى من ندى سحرك

الا يــــا مــزهـــــر الخلد، تــغـنــى الدهرُ في وتَركْ

 

7/ وفي ميونيخ عام 1963

يحضر الجواهري بناء على دعوة رسمية، الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الطلبة الكرد في أوروبا، الذي انعقد في مدينة (ميونيخ) الألمانية، صيف عام 1963 ليلقي هناك مطولة جديدة، سياسية في إطارها العام، مع التصريح بمواقفه الصميمية في دعم نضالات الشعب الكردي من أجل نيل حقوقه المشروعة.. وقوبل حضور الشاعر الكبير، وقصيدته، بأحتفاء مهيب من المجتمعين، والمشاركين، وأولهم المسؤول الكردي البارز جلال الطالباني، الذي تسنم كما هو معروف رئاسة جمهورية العراق بعد فترة من سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003.. وجاء مفتتح قصيدته خلال المؤتمر، والموسومة " كردستان... موطن الأبطال":

قلبي لكردستان يُهدى والفـمُ، ولقد يجود بأصغريه المعدمُ...

تلكم هدية مستميت مغرمٍ، انا بالضحية والمضحي مغرم..

سلّم على الجبل الأشم وأهله، ولأنتَ تعرف عن بنيه من هـمُ..

سلّم على الجبل الأشم وعنده من أبجديات الضحايا معجمُ

8/ في صوفيا عام 1968.. وفارنا عام 1973

وفي "مقامة" الجواهري البلغارية ثمة مدينتان، الأولى هي العاصمة صوفيا، التي احتضنت المهرجان التاسع لشبيبة وطلبة العالم، صيف عام 1968 وكان الشاعر الكبير ضيفاً رسمياً لحضور افتتاح المهرجان، وفعالياته البارزة، من بين نخبة الوجوه والشخصيات العربية والعالمية الرائدة والشهيرة في مجالاتها..

أما المدينة الثانية فهي "فارنا" التي زارها عام 1973 وكان مدعواً لزيارة ثقافية رسمية الى بلغاريا، شمل برنامجها زيارة تلك المدينة السياحية الشهيرة، للراحة والاستجمام، وكان حينها رئيساً لاتحاد الأدباء والكتّاب في العراق، وقد نظّم عن تلك الزيارة، وعن بعض "ملهماتها" قصيدة عنوانها (يومان على فارنا) جاءت بثلاثة وستين بيتا، ومنها:

أشرقَ الفجر فوق "فـرنا" فأضفت فوقه سحرها الجميل فأضفى

وأستطاب الرمل الندي بساطاً، فمشى ناعم الخطى يتكفا

معجبا يمسح الدجى منه عطفا، ويهز الصبح المنوّر عِطفا

9/ في أثينــا خلال السبعينيات

حطّ الجواهري ركابه في النصف الثاني من السبعينيات الماضية، في أثينا، مستأجراً شقيّقةً متواضعة، وكان من أهم ما فيها من مغريات محاذاتها لساحل البحر المتوسط مباشرة، وذلك هو الأحب لدى الشاعر العظيم، التوّاق والطامح لمزيد من الإيحاء...

... ومن يعرف الجواهري عن قرب، يعرف انه عاشق أبدي للأنهر والبحار، سواحل وتدفقاً وضفافاً، مثل "رافدي" العراق، و"نيل" القاهرة، و"بردى" دمشق، و"فلتافا" براغ.. وغيرها من السواحل والضفاف، اللواتي كتب عنها ووثق لها في ديوانه العامر، روائع وصفت واستلهمت وأوحت بما لا يُزاحم على ما نظن...

وفي "مَقامة" الجواهري، اليونانية، وفي أثينا تحديداً، نؤشر إلى أن اقامته هناك لم تكن إلا لفترات قصيرة ومتقطعة، اغتراباً عن الأحداث، وركوناً إلى النفس، وتمعناً في ما يزخر به فكر الشاعر الكبير: فلسفة في الحياة والمشاغل الإنسانية العامة.. وهناك في أثينا، وعلى ساحلها، ولدت قصيدته الباهرة "سجا البحر" عام 1977 وجاء مطلعها:

سجا البحر وانداحت ضفافٌ ندية ولوّح رضراض الحصى والجنادلِ

وفكت عرى عن موجةٍ لصق موجة تماسك فيما بينها كالسلاسل

وسدت كوىً ظلت تسدّ خصاصها عيون ضباء أو عيون مطافل

10/ عواصم ومدن أخرى.. وخلاصات

ثمة مدن وعواصم في بلدان أخرى، خارج ما أسلفت له السطور السابقات، زارها الشاعر الخالد لأغراض شتى، سياحية أو شخصية. وفي بعضها حط الركاب لأكثر من مرة، ومنها: برلين الألمانية في الستينيات، والعاصمة الإسبانية - مدريد عام 1974 ليومين أو ثلاثة، ونيويورك مطلع الثمانينيات، والعاصمة النمساوية- فيينا في ثمانينيات القرن الماضي، والعاصمة المجرية – بودابست، وخاصة بين أواخر عام 1990 ومطالع عام 1991...

ولم يوثق الشاعر الكبير عن المدن والعواصم المسماة في الفقرة السابقة، لا شعراً ولا نثراً.. مع استذكارات جميلة عن بعضها في مجالس خاصة، وقد كانت زياراته لها لفترات قصيرة، بل لبضعة أيام وليالٍ أحياناً، وقد أثرنا – مع ذلك - التوثيق لها بايجاز في سعي لأستكمال هذا البحث الموجز.. ونقول موجزاً ونعني ذلك تماماً إذ هناك الكثير من الدلالات، والمؤشرات التي يمكن التطرق إليها، مستقاة من قصائد وزيارات الجواهري، وما رافقها من شؤون وتفاصيل وأحداث مهمة بهذا القدر أو الشكل أوذلك..

كما من المناسب أن نشير أيضاً الى أن الكثير من زيارات الجواهري، ومشاركاته في الفعاليات والمؤتمرات الثقافية والسياسية العالمية، الرسمية والمدنية، شهدت احتفاءات ولقاءات خاصة وعامة من المحبين والأصدقاء، عراقيين وعرب وأجانب، ممن كانوا يحرصون على أن يلتقوا شاعرهم الذي تعدى حدود المعهود، على أبسط وصف، وأن يتعرفوا عليه عن قرب، فخراً واعتزازاً وتباهياً.. وبالمقابل كان يحرص من جانبه أن لا يبخل - جهد ما استطاع - في اتمام تلك اللقاءات، بل والاهتمام بها، وفرحه لها، وهو المؤمن، روحاً وشخصاً ومنهجاً، بما قاله عام 1965: "حببت الناس كل الناسْ. من أظلم كالفحــمِ ومن أشرقَ كالماس" !!..

هوامش وإحالات

* المصادر: ديوان الجواهري، كتاب "ذكرياتي" للشاعر الخالد، بجزأين.. إضافة الى وثائق ومعلومات خاصة وشخصية.

**/ لمزيد من التفاصيل: كتابنا "الجواهري.. أصداء وظلال السبعينيات" الصادر عام 2001.. وتأرخات أخرى ذات صلة منشورة لنا على الانترنيت.

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top