صناعةُ الثقافة العراقية وصانعوها .. نظراتٌ ومساءلاتٌ في بعض التفاصيل الإشكالية

آراء وأفكار 2021/05/02 10:27:58 م

صناعةُ الثقافة العراقية وصانعوها .. نظراتٌ ومساءلاتٌ في بعض  التفاصيل الإشكالية

 لطفية الدليمي

أتيح لي قبل عدّة أيام مشاهدةُ حلقة تلفازية من برنامج يُعرَضُ على قناة (العراقية الإخبارية)، عنوانه (المُحايد)، يقدّمه (سعدون محسن ضمد) الذي عرفناه من قبلُ باحثاً مهتماً بالقراءات السوسيولوجية التأسيسية للثقافة العراقية والمجتمع العراقي،

وقد سبق أن نشر كتباً تناول فيها بعض الموضوعات الخاصة في هذه الثقافة، إستضاف ضمد في هذه الحلقة المخصوصة من البرنامج الدكتور (حيدر سعيد) الذي طرح مجموعة من الآراء الإشكالية الخاصة بطبيعة التأسيس الهيكلي للثقافة العراقية والمثقفين العراقيين، نحنُ إذن في مواجهة أسئلة مهمّة تخصُّ صناعة الثقافة العراقية مع مقارنات محدّدة لها بجغرافيات ثقافية عربية أخرى وعلى وجه التحديد (الثقافة الشامية، الثقافة المصرية، الثقافة المغاربية)، كان البرنامج منتجاً ومفيداً في عمومه رغم أنّ مثل هذه الأسئلة الكبرى تحتاجُ بطبيعتها تحضيرات كبرى هي الأخرى ؛ لكن تبقى الخلاصات الإستنتاجية التي قدّمها الدكتور سعيد مفيدة في إثارة بعض مكامن الجمود الراهن في مساءلة مثل هذه الموضوعات الكبرى وبخاصة نحنُ نقتربُ من المئوية التأسيسية للعراق الحديث، سأتناول في الملاحظات التالية بعضاً من الموضوعات الإشكالية التي تستحقُّ الكثير من التفكّر والنظر من جانب العراقيين :

أولاً: موضوعة الثقافة العراقية والمشاريع الفكرية الكبرى

تناول سعيد في بداية حديثه سؤالاً إشكالياً : (لماذا فشلنا كعراقيين في صناعة مشروع فكري كبير مماثل لأحد تلك المشاريع الكبيرة التي صنعتها الثقافة الشامية والثقافة المصرية، ثم الثقافات المغاربية لاحقاً ؟). هنا لابدّ من تشخيص حقيقة أنّ المشروع الفكري المخصوص باستحقاق كونه " مشروعاً كبيراً " هو بحثٌ دؤووب في بعض الأسئلة التأسيسية الوجودية التي تأتي على شاكلة : من نحن؟ ماعلاقتنا بالتراث ؟ ماعلاقتنا بالغرب ؟ مادور العقل في تشكيل الحياة ؟ ماعلاقة العقلنة بالدين، وماحدود التأثيرات الفقهية في توجيه الحياة ودفعها نحو مسالك إرتقائية ؟،،،، إلخ.

يرى سعيد أنّ الثقافة العراقية لم تنتج مثقفين من طراز طه حسين أو المثقفين الشاميين (الشام هنا تشمل لبنان بالطبع). ليس لدينا نظير عراقي لطه حسين أو أفرام البستاني مثلاً : هكذا يصرّحُ سعيد ثمّ ينطلق في تأصيل أسباب هذه الظاهرة ؛ فيرى أنّ العراق لم يكن سوى كتلة من التمزّقات في القرن التاسع عشر وحتى بواكير سنوات تأسيس المملكة العراقية عام 1921 ؛ في حين أنّ مصر كانت دولة قوية ذات بنية مؤسساتية راسخة منذ عهد محمد علي أوائل القرن التاسع عشر، واستمرّت مفاعيل هذه التركيبة المؤسساتية في السنوات اللاحقة حتى قيام ثورة يوليو 1952 والتي وإن غيّرت طبيعة العلاقات السياسية والمجتمعية الحاكمة لكنها أبقت على البنى المؤسساتية للدولة المصرية.

لم يكن الحال هكذا في العراق ؛ فقد عملت العقليات الحزبية المسكونة بروح المناكفة والمخالفة وتغليب الدوافع الانتقامية على تخريب كلّ الإرث الليبرالي (على قلّته) الذي كان يمكن الإرتقاء به، المسألة هنا ليست حصراً على موضوعة الثقافة : نحنُ هنا إزاء سؤال وجودي كبير : لماذا يحبُّ المصريون والشاميون بلادهم أكثر ممّا يفعل العراقيون ؟ الثقافة هنا رافد فرعي في سياق رافد أكبر عنوانه : حبّ البلد بطريقة منتجة ترفع شأن كلّ رافد فرعي فيه. لم يحبّ العراقيون بلدهم بطريقة عملية مُنتجة ومحكومة في إطار بنية قانونية تكفل حقوقهم المشروعة، وصارت كلّ تمظهرات الحب تأتي في شكل (هوسات) هي بعضُ مواريث الفلكلور العشائري.

سيناقشُ كثيرون في ماطرحه سعيد بشأن النظير العراقي لطه حسين، وقد يرى البعض منهم أنّ (علي الوردي) أو (عبد الفتاح إبراهيم) كانت له طروحاته التي ترقى به ليكون مماثلاً لطه حسين في قدرته التأثيرية في صناعة الثقافة العراقية، ولكلٍّ حريته فيما يرى.

ثانياً : المسيحيون وظاهرة التعددية الدينية غير المنتجة في العراق :

يقدّم سعيد في واحد من أهمّ محاور البرنامج قراءته للتعددية الدينية في بلاد الشام والتي يراها منتجة على العكس من التعددية الدينية في العراق والتي يراها في المقابل غير منتجة. لنكن واضحين هنا : التعددية الدينية في هذا المحور مقصودٌ بها المسيحيون (وإلى حدود أقلّ اليهود الذين كانت مساهمتهم الثقافية تقنية الطابع وبعيدة عن الطروحات الآيديولوجية).

يتناولُ سعيد في أطروحته المساهمات الكبرى للمثقفين المسيحيين الشاميين الذين كان لهم الفضل الأكبر في تأسيس الصحافة المصرية والتبشير ببدايات الحداثة على مستوى السياسة والثقافة والتعليم ؛ بل أنهم هم الذين أسسوا المشروع القومي العربي أيام فورة فكرة الدولة القومية التي هي في النهاية منتجٌ أوربي، وكانت الجامعة الاميركية في بيروت الحاضنة الأم لمثل تلك المشاريع القومية. يرى سعيد - في مقابل هذه الثورة الحداثية التي حققها المسيحيون الشاميون - أنّ المسيحيين العراقيين عجزوا عن إنتاج صناعة ثقافية حداثية في العراق ؛ وهو وإن أشار إلى بعض الموائل المسيحية التي صارت معالم ثقافية معروفة (مثل دير الآباء الدومنيكان في الموصل) لكن يبقى الدور المسيحي في الثقافة العراقية والعربية قاصراً إلى حدود كبيرة عند مقارنته مع نظيره الشامي.

أعتقدُ أنّ أطروحة سعيد بشأن الدور المسيحي في صناعة الثقافة العراقية هي المحور الأكثر أهمية وإثارة في مجمل أطروحاته الثقافية، وتتطلّبُ الكثير من الجهد البحثي والمساءلة المستفيضة.

أشاعت فكرة القومية العربية في فضاء الثقافة الشامية نوعاً من الإسترخاء الفكري مع الاسلام وجعلته نسقاً فكرياً - ضمن أنساق عدّة - تتّسمُ به الثقافة العربية بدلاً من أن يكون منظومة إعتقادية دينية أو فقهية مغلقة ؛ لذا ترى المسيحي الشامي مُجيداً متفنّناً في لغته العربية وعارفاً بتأريخ الإشكاليات الكبرى السائدة في الإسلام، وفي المقابل تعاملت الدول الوطنية مع المسيحيين باسترخاء مقابل رفعَ من شأن مدارسهم وثقافتهم ودعاها ترتقي لتكون ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها بكلّ السبل.

في مقابل الأريحية الوطنية الشامية نرى في العراق توجهاً مختلفاً. لايميل العراقيون إلى فكرة الدولة القومية التي تأسست في أوروبا في القرن التاسع عشر ؛ بل يعتبرونها منتجاً غربياً دخيلاً يسعى لتقويض أركان الإسلام ؛ لهذا رأوا في فكرة الدولة القومية ضداً فكرياً لمفهوم ميتافيزيقي هو (العروبة)، وأنا هنا أتكلّم عن الحواضن الشعبية الكبرى وليس عن الثقافات الحزبية التي سعت لزرع ثقافة مستوردة بدت غريبة في حاضنة عراقية تعلي شأن الدين وتجعله في مرتبة فوقية على الدولة الحديثة ومتطلّبات بنائها، وقد تضافرت الأصولية الدينية مع التديّن الشعبي الفلكلوري والمرجعيات العشائرية في ترسيخ فكرة (العروبة) المؤسلمة والمناوئة للأنساق الثقافية العراقية الشاملة، سعى الأغلب الأعم من العراقيين لتغليب نمط من الأصولية العروبية التي حجّمت دور المسيحيين العراقيين (وكلّ الأقليات العراقية الأخرى) على العكس ممّا جرى في الجغرافية الشامية ؛ وبهذا ساهمنا في خسارة عنصر ثقافي خلاق في الثقافة العراقية، وهي خسارة ينبغي أن نشعر إزاءها بالأسف العميق وضياع فرص كبرى لتنمية ثقافية واقتصادية ومجتمعية حقيقية .

أشار سعيد في سياق مداخلته المهمّة إلى الأب (أنستاس ماري الكرملي) باعتباره شخصية محورية بين المسيحيين صنّاع الثقافة العراقية ؛ لكنّ ماأثار تساؤلاتي وصفُ سعيد للكرملي بأنه كان (قومياً متشدّداً) - لم أفهم هذا التوصيف بدقة - المعروفُ عن الكرملي أنه كان يكتبُ بلغة عربية تناغي لغة التراثيات العربية المعروفة، وتلك خصيصة رأى فيها سعيد أنها أعاقت تطور المعجمية العربية الحديثة ؛ لكنْ بعيداً عن هذه الأصولية اللغوية العربية (وهي خصيصة يعلي شأنها العروبيون ويرونها صنيعة الكرملي التي لأجلها وحدها يستحق التوقير) أتساءل : بأيّ المعايير كان الكرملي عروبياً متشدّداً ؟ دعونا لاننسى أنّ الكثير من أعاظم المثقفين الفرنسيين - مثلاً - سيُعدّون في وقتنا الحاضر قوميين فرنسيين متشدّدين بسبب حرصهم المفرط على اللغة الفرنسية والثقافة الفرانكوفونية إزاء اللغة الإنكليزية والثقافة الأنغلوفونية.

* * *

حَفَلَ حديثُ سعيد بالكثير من الموضوعات الثقافية الجانبية التي جاءت في سياق حديثه عن الثقافة العراقية والمثقفين العراقيين، ويمكن عدّ هذه الموضوعات عناوين مفتوحة ومتاحة للتفكّر والنظر بقصد إجتناء فائدة تعيننا في لمّ شمل بعض الهيكل الخَرِب في ثقافتنا العراقية الحاضرة. مِنْ هذه الموضوعات :

- موضوعة إرساء التقاليد الثقافية الرصينة

- موضوعة التمييز بين العقل العربي المشرقي والمغربي : العقل المشرقي عرفاني إشراقي صوفي، والعقل المغربي عقلاني برهاني (بمعنى أنه أقرب لمتطلبات الحداثة واشتراطاتها)

- فرادة نشأة الدولة العربية المغاربية بالمقارنة مع نظيرتها المشرقية

- المثقف والآيديولوجيا وتغليب الصراعات الحزبية على الروح الساعية لبناء دولة حديثة

- الجامعة والثقافة : الجامعات لدينا كانت مواطن لتخريج موظفين يخدمون الجهاز البيروقراطي للحكومة، وليست مراكز لصناعة المعرفة

- التمايز في أهمية العلوم الصرفة والعلوم الإجتماعية في الجامعات

- المثقف والأحزاب : مامدى وشكل تابعية المثقف للحزب الآيديولوجي؟ كيف هو شَكْلُ العلاقة بينهما ؟ هل هي علاقة تخادمية أم علاقة إحتكارية من جانب تركيز الأحزاب على مصادرة جهد المثقفين المنضوين تحت لوائها لإعلاء منسوب خطابها الآيديولوجي وإشاعته بين الناس ؟

- ظاهرة (عبد الفتاح إبراهيم) والطريق الثالث أو التيار الشعبي

- تجربة الحكم الملكي وبدايات تشكل الحداثة العراقية

- الحداثة العراقية تمظهرت في الفن والأدب (فات الدكتور سعيد أن يذكر العمارة أيضاً)

- ظاهرة بدء البعثات الدراسية الطموحة عام 1922 (بعد عام على تأسيس الدولة العراقية الحديثة)

- طغيان الثقافة الشعرية في الثقافة العراقية

أرى من المناسب في ختام هذا العرض المختصر أن أشير إلى أهمية هذه الحوارية التلفازية التي أثارت بعض الطروحات المهمة في الثقافة العراقية، وكم أتمنى أن يتابعها العراقيون ويتفكّروا في مضامينها بطريقة عقلية ناقدة، ومن جانبي ليس لي بعد التعقيبات والإشارات التي أوردتها سوى الإشارة الإضافية إلى مسألتين : الأولى، أنّ مساهمات الدكتور عصام الخفاجي في دراسة الثقافة العراقية لايمكن أن ترقى بأي حال من الأحوال للمساهمات التأصيلية الكبرى للراحل الكبير الدكتور فالح عبد الجبار، وليس من المروءة جمعُ مساهمات الرجلين على سطح واحد ؛ أما الثانية فهي أنّ دكتور سعيد لم يُشِر إلى مسألة تدفّق النفط في العراق وتحوله إلى منتج سلعي ساهم في إعادة تشكيل السياسة العراقية وجعلها تدورُ في مدار لعبة صفرية النتائج كان من بعض مفاعيلها شيوعُ روح القسوة والمناكفات الحزبية والروح الاستحواذية وإزاحة الآخر المختلف آيديولوجياً أو دينياً، وهذا الأمر لم يحصل في فضاء الثقافات الشامية أو المصرية أو المغاربية، ويمكن في ضوئه بلوغ تأويلات محدّدة لكثير من الظواهر الشاذة التي ساهمت في تدمير الثقافة العراقية بدلاً من المساهمة في إعلاء هياكلها الليبرالية الخجولة الأولى التي بدأت مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة وبشّرت ببوادر نجاح معقول أواسط خمسينيات القرن الماضي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top