على فكرة: المليونير كوركيس عواد

د. أحمد الزبيدي 2021/05/03 10:27:33 م

على فكرة: المليونير كوركيس عواد

 د. أحمد الزبيدي

ماذا تركت لأولادك يا عواد ؟ فيجيب على الفور : هناك زاوية خاصة في المكتبة تناسب الأطفال سيجدون ضالتهم فيما يشتهون من الكتب من دون إرشاد أو نصح! .. هذا ما يحسنه ( العوّادان) : ميخائيل وشقيقه كوركيس ..

وهما يؤثثان منزلهما و مكان عملهما بالكتب .. فحين تسلم كوركيس عواد مكتبة المتحف العراقي عام 1936 في العهد الملكي وكان رصيدها 804 مجلدات وتركها بثروة 60000 مجلد! وحين جاء العهد الجمهوري العارفي تسلم مكتبة الجامعة المستنصرية 1964 ختمها بمئة ألف مجلد وكانت نواتها مكتبته الشخصية التي أهداها للجامعة مجاناً وهي تتجاوز 12000 مجلد ..

ولأننا صرنا نعتمد ( الاسم ) دالًاً على ( الدين ) فلا أظن أن مَنْ يجهل كوركيس عواد سيحتاج إلى إعمال فكر كبير لتنسيبه إلى الديانة المسيحية رغم أنه لا ينتسب إلا لوطنه المقدس ( العراق) حتى إنه استنكر الاستمارة الحكومية التي تستوجب كتابة الديانة حين عُيّن موظفًاً.. يبدو أن سؤال ( الحكومة ) عن ( الدين ) قديم !!.. وتحسسها من المثقف قديم أيضاً خاصة إذا كان مخلصاً للمعرفة لا للسلطة وللوطن لا للحكومة

ودعونا نتجاوز الحديث عن كثرة مؤلفاته وأمانة توثيقه ودقة منهجه في ذكر المعلومة : تأريخية كانت أم معاصرة، وصحبته للجزازات التي ما فارقت جيبه وهو يتجول بين الكتب والمكتبات وتلاقف المعلومات ونتجاوز وفاءه الكبير لأستاذه العالم الأب انستاس الكرملي .. نتجاوز هذه الأشياء لسعة أطرافها وعمق معانيها : المعرفية والثقافية.. ودعونا نتحدث عن كوركيس عواد الإنسان المخلص لوطنه ولـ ( مدنيّته ) .. وما قدّمه الوطن و ( الآخر ) لهذه ( الذات ) ،غير المزيّفة، ونتساءل : ما يضرّ مكتبة المتحف لو أطلقت اسمه على مكتبتها بوصفه أمينها ( الأول ) وما يضرّ الجامعة المستنصرية لو ( علّقت ) اسمه على بوابة مكتبتها المركزية ليكون عنواناً دالاً عليها وتباهياً بهذا الاسم الكبير؛ الذي خدم رفوفها وكأنها رفوف بيته ومكتبته الخاصة.. وهل حظيت المكتبتان بأمين على خزائنهما كما حظيتا بكوركيس عواد ؟! ولست متهماً أو طاعناً بأمانة من جاؤوا بعده ولكن أعني ريادته الخالصة التي لم تتكرر وربما لن تتكرر.. نتحدث عن ذلك الإنسان وعن الفضاء الثقافي الذي عاشره وعاش في ظله وبقي على صفته التي نشأ عليها وتربى في حجرها ولم تغيره التقلبات السياسية والانقلابات ولم تُغره الإيديولوجيات أو لم تشوه عقله .. نتحدث عن حجم المثقفين غير المؤدلجين : سياسياً أو دينياً أو اجتماعياً .. عن غنى المثقف الذي يفتقر إلى مرجعية آنية تحميه أو تدعو له.

إن العلماء الذين لم يقفوا على باب السلطان محكوم عليهم وفق قانون ( القدر ) العراقي بالاحتفاء التأبيني والمدح على منابر المناسبات إن كانت الاحتفاءات لا تضر بمصلحة البلد ! ولا تهدد أمنه ( الاجتماعي ) ولعلك تتفق مع صديقك المثقف على أهمية هذه الرموز الثقافية العالية وتنوي الكتابة عنها ولكن ( الثقافة ليست بالنيات ) إن الوفاء الحقيقي يشبه وفاء المتصوفة الزاهدين : عملًا وسلوكاً وممارسة ووعياً ومغامرة وشجاعة وتمرداً وتحملاً لمشقات الطرق المسلوكة وكثرة مطباتها ومفاجآتها ..

وسؤالي الأخير : هل ورث أبناء عواد ما تركه لهم أبوهم ( الأمين) من ( ثروة ) في زاوية من زوايا المكتبة ؟ أو إنها خضعت للقسام الشرعي وصادرها ( قدر ) الغياب ؟!

تعليقات الزوار

  • د. وسام حسين جاسم العبيدي

    أحسنتم أستاذنا الفاضل على هذا الاستذكار النافع لعلم من اعلام العراق في حرصه على عمله.. كوركيس عواد لن يتكرر .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top