التغير المناخي يهدّد حياة  بدو العراق . . ليس هناك ماء

التغير المناخي يهدّد حياة بدو العراق . . ليس هناك ماء

 ترجمة: المدى

كانت الرياح تعصف بدون هوادة عبر صحراء محافظة المثنى المفتوحة بينما كان ، علي ثجيل ، يقود جماله عبر السهول الوعرة بحثاً عن خُضرة وعشب .

قبل عقود ، يتذكر ثجيل ، أن شهر نيسان كان موسماً تكون فيه التربة الرملية قد تحولت لأرض مرعى توفر لماشيته غذاء يكسبها وزناً قبيل مجيء حرارة الصيف الملتهبة ، ولكن خلال السنوات الأخيرة كان على جماله أن تتعود على ما تعثر عليه من رقع متفرقة من عشب متقصف لتقتات عليه .

قال ثجيل وهو يغطي وجهه بشماغ ربطه بشدة حول رأسه لوقايته من الرياح الجافة الرملية “ ليس هناك مطر ، الأرض جافة قاحلة . الأرض المعشبة تحولت الى صحراء ، اضطررنا لبيع قسم من حيواناتنا لشراء أعلاف للحيوانات الباقية ، هذا ما أصبحت عليه الحياة الآن .»

وخلال جولة استمرت ليومين عبر صحراء المثنى ، فإن الرعاة البدو رسموا صورة قاتمة لبيئة لا يمكن العيش فيها على نحو كبير حيث ترتفع درجات الحرارة والأمطار الشحيحة عملت على تآكل تدريجي لأسباب بقاء البشر والحيوان على حد سواء .

تفترض دراسات في أن درجات الحرارة في العراق ستزداد بمعدل سبع مرّات أسرع بالمقارنة مع ارتفاعها عالمياً ، في حين تتوقع الأمم المتحدة من أن درجات الحرارة في العراق سترتفع بمعدل درجتين مع تراجع بمعدل سقوط الأمطار بنسبة 9% خلال العقود الثلاث القادمة .

تشعبات ذلك يمكن الشعور بها حالياً عبر العراق ، مع وجود مناطق سكنية تعاني من عواصف ترابية متكررة ، في حين تكافح المجتمعات الزراعية لتتأقلم مع شُح مياه الري وزيادة نسبة ملوحة التربة .

ولكن في صحاري البلاد غير المضيافة ، حيث هامش تحمل تأرجح الطقس ضئيل جداً ، فان تغير المناخ يكشف عن أزمة وجود بالنسبة للعشائر والمكونات الريفية .

الآبار التي كانت في فترة ما تشكل مصدر سند وحياة للماشية قد جفت منذ زمن ، وبدلاً من الاعتماد على موارد مياه طبيعية ، فان البدو اضطروا لتأجير شاحنات لجلب مياه من بلدات قريبة .

قال كاظم عطشان وهو يفرغ محتوى الماء الثمين من الشاحنة داخل وعاء ماء لسقي حيواناته “ كل شاحنة الماء هذه تكفي ليوم واحد فقط يوم غد عليّ أن ارجع لجلب شاحنة أخرى .»

بينما تجمعت الغيوم ازداد عطشان أملاً في أنها قد تكون أول فترة مناسبة لسقوط أمطار هذا العام ، ولكن آماله سرعان ما تبدّدت عندما سقطت قطرات فقط من السماء لا تكفي حتى لترطيب الأرض . وأردف قائلاً “ مطر هذا الموسم لا منفعة منه .»

وأظهرت معلومات من الحكومة العراقية بأن معدلات الأمطار السنوية في هذه المنطقة أصبحت أكثر شذوذاً منذ فترة سبعينيات القرن الماضي ، وإن معدل هطول الأمطار السنوي بالنسبة للعقدين الماضيين كان أقل بنسبة 10% عن العقود الثلاث التي سبقتها .

يقول كبار السن إنه في الماضي اعتادت عوائل بدوية أن تتجمع سوية في مستوطنات مؤقتة صغيرة ، ولكن مع ندرة الأعشاب نجد الآن فقط خياماً منفردة تبعد الواحدة عن الأخرى عدة كيلومترات ، حيث إن كل عائلة تتطلب مزيداً من الأرض لدعم قطعان مواشيهم .

الافتقار الى الأعشاب الخضراء يجبر أيضاً مربي المواشي للهجرة الى مسافات أبعد للبحث عن غذاء لقطعانهم ، حتى أن مساحات خضراء محتملة أصبحت محدودة جداً بسبب مشاريع الاستثمار فيها وغلق الحدود .

راهي خميس 46 عاماً ، راعي يمتلك 200 رأس غنم ، يقول “ الناس تتنازع من أجل العشب ويحارب بعضهم البعض ، في الماضي لم تكن هناك مشاكل ، كانوا جيرانك بمثابة أخوانك .»

فصول الصيف أصبحت قائظة جداً بحيث لا تتحملها خيمهم البدائية التقليدية المصنوعة من وبر الحيوانات ، مما دفع الكثير للبحث عن ملاذ مؤقت في قرى وبلدات قريبة ، حيث يؤجرون أرضاً لتتغذى عليها مواشيهم .

ولأجل تسديد تكاليف المياه واستخدام الأرض ، ليس أمام الرعاة سوى بيع قسم مما يمتلكونه من مواشٍ والذي أدى ذلك بمرور الوقت الى تناقص بحجم المواشي .

قال خميس وهو ينظر عبر السهل المفتوح “ لم أكن أفكر سابقاً بترك هذه الحياة ولن أفكر بها ، أشعر براحة هنا من الناحية النفسية . ولكن الشباب من الأعمار الصغيرة لا ينصاعون لي ، فهم لا يتأقلمون مع هذه الحياة .»

لا توجد هناك إحصائيات عن عدد البدو الرحّل الذين تركوا مناطقهم ولجأوا الى المدن ولكن كبار السن منهم يقدرون ما بقي منهم بعدة مئات ، مثيرين بذلك مخاوف من أن طريقة معيشتهم التقليدية قد تتلاشى عبر جيل واحد .

رغم أن العراق مصنف ضمن البلدان الأكثر تضرراً بتغير المناخ ، فإن استجابة الحكومة لذلك كان يشوبه العجز على مدى عقود من حروب وعدم استقرار وكذلك اعتماد البلد على النفط فقط .

علي الصفار ، مدير برنامج وكالة الطاقة الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمالي افريقيا ، قال “ ليست هناك في البلد سياسة مكرسة للتعامل مع قضية التغير المناخي بشكل منهجي ، بشكل عام ، العلاقة بين العراق والمناقشات الأوسع حول المناخ تتركز حول ما سيكون أثر تغير المناخ على سوقنا النفطية ، ما سيفعله تغير المناخ على معدل الطلب على النفط ؟ «

قال العطشان “ لا أحد من الحكومة يساعدنا ، نحن نعتمد على أنفسنا فقط . مكون البدو قد يختفي يوماً ما ، وكل المواشي التي كانوا يرعوها ستختفي بسبب عدم وجود من يساعدهم .»

بقلم سيمونا فولتاين

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top