مكافحة الفقر مسؤولية وطنية كبرى

آراء وأفكار 2021/05/04 10:29:39 م

مكافحة الفقر مسؤولية وطنية كبرى

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

إن مكافحة الفقر في العراق يعد مسؤولية وطنية حيوية مستدامة شرطها المسبق تأسيس عقد إجتماعي جديد لبنته الأساسية حكم رشيد وحكيم يتمتع برؤية جيوسياسية تنموية مستدامة تحقق نقلة نوعية على مستوى حياة كل العراقيين مع إهتمام خاص بالشرائح الهشة المعرضة للمخاطر الداخلية والخارجية

وعلى رأسها فئة الفقراء المحرومين من أبسط الاحتياجات الإنسانية خاصة ونحن والعالم نمر بمؤثرات وتداعيات أزمة كورونا التي كشفت ضعف المؤسسات الصحية والتعليمية والثقافية – الفكرية ، المفارقة التي تدمي القلب أن العراق البلد الغني بكل شيء من موارد بشرية ذات طيف متنوع جميل لحمته خبرات ، ثقافات ، كفاءات ومهارات متخصصة ، إضافة لموارد أو إمكانات مادية – معدنية ضخمة تتجاوز بكثير ما لديه من الاحتياطات النفطية والغازية التقليدية. الشيء المُحزن أن الحكومات المتعاقبة في الغالب الأعم لم تحسن ترجمة السياسات المجتمعية – الاقتصادية إلى مناهج قيمية سلوكية – قائمة على العدل الاجتماعي – الاقتصادي المنصف لأكثر الجماعات والشرائح المجتمعية فقراً وحرماناً وتعرضاً لإمراض وأوبئة "جائحة كورونا إنموذجاً لها".

لعل من المناسب الإشارة أيضاً إلى أن أزمات الفقر ليست مسألة مستحدثة أو مفاجئة في التاريخ السياسي القديم والحديث للعراق ولكن الأزمة الراهنة تمتزج مع مآسي وتداعيات جائحة كورونا المتيقن وغير المتيقن منها مع توضيح لابد منه يقول أن "الأزمة العامة متعددة الأوجه ، والناجمة عن نهج المحاصصة والطائفية السياسية والفساد ، إلى تفاقم معاناة عموم الشعب العراقي ، وتلقي بتداعياتها الثقيلة على كواهل العمال والشغيلة ، وتسفر عن تراجع الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية وإزدياد نسب البطالة والفقر". (طريق الشعب -29 نيسان 2021). إن تفعيل القطاعات الاقتصادية التقليدية وغير التقليدية – التقنية الجديدة يتطلب الاحتكام للضرورة الملحة في إنتهاج سياسة إقتصادية بديلة مضمونها و"غايتها تنويع الاقتصاد وتنمية القطاعات الانتاجية وحماية المنتج الوطني وإعادة الحياة إلى الشركات المملوكة للدولة والمعطلة حاليا، بجانب إنشاء الصناديق السيادية." تصور يذهب وفقا لقوى اليسار العراقي أيضاً إلى ضرورة الانتباه و"مراجعة سياسة الركض وراء سراب السوق المفتوحة واللبرالية الجديدة ، وإتخاذ الاجراءات الكفيلة بتعظيم موارد الدولة ، وتجنّب إلقاء الأزمة على أكتاف الكادحين والفاحين ذوي الدخل المحدود".

المؤكد أن شريحة الأطفال الفقراء – إلى جانب فئات الشباب والشيوخ من الجنسين - تعد الأكثر تضرراً نتيجة لتفاقم أزمات الفقر والبطالة والتي تحمل في طياتها إتساع مساحة الجهل والتخلف في المجتمع العراقي. ضمن هذا السياق قدمت علياء حسين أمينة شؤون المرأة العاملة في الاتحاد العام لنقابات عمال العراق وصفاً واقعياً دقيقاً واقعياً لهذا الوضع المآساوي : إن " المخاطر التي يواجهها الأطفال المنخرطون في العمل ناجمة عن أسوأ أشكال العمالة ، وهي تشمل التعرض لدرجات الحرارة الشديدة ، والعمل في بيئات ملوثة لساعات طويلة ، والتعرض للإصابة والتحرش الجنسي وإساءة المعاملة ، ونقل أحمال ثقيلة"، ضمن هذا السياق من المناسب تسليط الضوء المركز على تقرير حكومي يحلل إتجاهات تحليل الفقر لدى أطفال العراق والتوصيات السياسية المقترحة ضمن الستراتيجية الوطنية لتخفيض الفقر :

Child Poverty In Iraq : An analysis of Child Poverty Trends and Policy Recommendations for the National Poverty Reduction Strategy 2017-2021

من هنا أهمية توضيح ما يلي :

أولاً : رصد أن الطفل الرابع للأسرة العراقية في عام 2012 يعيش في حالة فقر. كما أن حوالي ثلث أطفال العراق ليس بمكنتهم الحصول على الحقوق الأساسية.

ثانياً : الأطفال الذين يتعرضون لإكثر المخاطر الانسانية هم أولئك الذين يعيشون في ظل أسر تمتلك أقل مدخول سنوي.

ثالثاً: إن إتساع مساحة الفقر في العراق يقابلها تقليص آخر في التحصيل العلمي – الدراسي للفئة العمرية التي تغطي جيل الأطفال الصغار واليافعين من الشباب.

رابعاً: الأطفال الفقراء وأطفال البيوت الفقيرة هم ليسوا الأطراف الأكثر استفادة من نظم الحماية الاجتماعية.

خامساً: لجعل العراق مركزاً مرحباً به لإطفاله أو لأطفال من يقطن على أرضه المعطاء لابد من استئصال الفقر وهي مسألة ليست ميسورة ولكنها من الممكن أن تتحقق بإذن الله تعالى من خلال جهود وطنية ودولية مشتركة تعنى برفع مستوى الحياة لكل فئات الشعب العراقي وعلى رأسها الطبقة الفقيرة من أطفال وشباب العراق.

بعض الإحصاءات من المهم التطرّق إليها:

1. قبل سنوات قليلة ماضية قدر بإن نصف سكان العراق البالغين 34.205.038 هم أطفال تحت عمر ال18. يشكّل منهم الأطفال 3.7 مليون نسمة من مجموع 6.5 مليون نسمة ( المجموع الكلي لفقراء الشعب العراقي).

2. حوالي 23 % من أطفال العراق في حالة فقر في عام 2012 . هذا وقد تصاعدت تقديرات لعموم الفقراء الى مايقارب 30- 35 % في الأونة الأخيرة عقب أزمة الجائحة(2020-2021) ، علماً بإن معدلات الفقر العالية مازالت من نصيب محافظات الوسط والجنوب مابين ِ 45 - 52 % .

3. أما نسب الفقر بين عوائل النازحين فقد وصلت تقديراتها في عام 2012 – بل وربما حتى ما بعده الى ِ35 - %38 .

4. إن المقارنة بين نسب الفقراء في الريف عنها في المدن تباينت حيث وصلت إلى الضعف في الريف ِ%34 بينما في المدن ِ%17

إنطلاقا مما تقدم لابد لنا جميعاً أن نوفر للشرائح الفقيرة والمحرومة من أبسط مستلزمات الحياة الأساسية صندوقاً سيادياً – مالياً يناسب نسبياً –- قيمة المعاناة الانسانية مخصصاً للرعاية المجتمعية – الاقتصادية –الثقافية – والعلمية – التقنية التي تناسب إنطلاق وتنمية مهارات العصر المعرفي – الرقمي الحديث. إن مضمون الفقر لم يعد مادياً – مالياً فحسب بل مضمون شامل للأمن الإنساني في كافة حقول الحياة ما يستدعي تأسيس جهاز دائم لمراقبة أوضاع الأطفال بصورة تجنبهم المخاطر الأمنية – الاقتصادية في ظل تداخلات وتقاطعات التحديات الداخلية والخارجية .

إن البناء السليم الرصين للبيت الوطني العراقي يفترض أن تعبَّأ الطاقات المتنوعة بصورة يتم توجيهها لبناء وتنمية شخصية الطفل كي يكون عنصراً فاعلاً مؤثراً في بناء وطن قوي متماسك سياسياً - مجتمعياً – اقتصادياً - ثقافياً وعلمياً- تقنياً.

من النماذج التي تستحق الاشادة بها أدوار أطفال العراق الذين ومن خلال دور عوائلهم المساند معنوياً نجحوا في تشكيل لبنة متينة لجيل جديد سيتواصل مع جيلي الشباب والكباربشكل أكثر وتيرة كلما توفرت الإرادة ، الفرص والإمكانات المناسبة . أحد هذه النماذج الناجحة الطفلة روان سالم التي عرفت بإنها صديقة الأطفال والمدافعة عن حقوق النازحين التي وبنتيجة جهودها العلمية – الثقافية وإسهامها بتنمية الصحة النفسية للأطفال وبرامج القراءة نالت تكريماً دولياً حيث حصلت على جائزة تمنحها وزارة الخارجية الهولندية تعرف بجائزة تولب لحقوق الإنسان Tulip Human Rights في عام 2018. نموذج آخر مثله هشام الذهبي الذي نال تكريماً بفوزه بجائزة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للمبادرات العالمية نظراً لجهوده في تأسيس البيت العراقي للإبداع الذي وفر مأوى في بيته لأطفال الشوارع الذين لايجدون ما يسد رمقهم أو يسند عودهم الطري أو يؤمن حياتهم اليومية من مخاطر تناول الممنوعات ومن حالة الضياع ، إضافة لتعليمهم حرفاً مثل العمل على الحاسوب ، الخياطة والحلاقة ومهارات موسيقية وفنية تجنباً لوقوعهم في مطبات حياتية خطيرة قد تنهي حياتهم قبل أجلها المحتوم، في الخاتمة لامناص إذن من استنهاض الهمم الوطنية بصورة أكبر من أجل جعل منظمات المجتمع المدني تلعب أدواراً فاعلة مسؤولة لتنمية الإنسان الذي يعد الركيزة الأساس في بناء العراق ، دون ذلك فإن خسارتنا لجيل الطفولة هي خسارة كبرى للعراق ولإجيال نعتمد عليها في بناء عراق آمن ، مزدهر ومتقدم حقوق الإنسان وحرياته الأساسية يجب أن تشكل العمود الفقري في مشروعات التنمية الإنسانية المجدية . الأمر الذي يتطلب من الحكومة العراقية تخصيص جهدٍ مادي ومعنوي واستثنائي أكبر في مساندة وتقويم مسيرة أطفال العراق حاضراً ومستقبلاً، علّنا لانسمع مستقبلاً أي كلام أو حديث عن أطفال شوارع في عراق الحضارات الأولى ومصدر الإشعاع الفكري والازدهار الحضاري الذي فقد آلقه بسبب سوء إدارة الدولة وتجذّر الفساد وغياب التوجه السياسي – الاقتصادي – المجتمعي - الإعلامي ، الصحي ، الثقافي والقانوني السليم إنطلاقاً من الفرد - الأسرة مروراً بالمدرسة إلى المجتمع والدولة بكل تفصيلاتها البنيوية التي أضعفتها مراحل صعبة أكثرها إيلاماً تداعيات الحروب والحصار الظالم لسنوات طويلة في الثمانينيات والتسعينيات بل وحتى عقب 2003 ، مضافاً لكل ذلك غياب الأشخاص المناسبين عن مواقع التأثير الإداري – السياسي المنوط به بناء الوطن والمواطن على أسس مدنية – علمية –تقنية حديثة بعيداً عن دوائر الانغلاق الفكري – الثقافي وسياق المحاصصة الفئوية – الطائفية والقومية في ظل إطار من التواصل والاستفادة المستمرة من تجارب العولمة والتكامل الإنساني "إقتصادياً – إجتماعياً وثقافياً " المنتج لحالة من الازدهار والارتقاء الانساني بكل مافي الكلمة من معنى حقيقي .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top