موسيقى الأحد: ميرولا

موسيقى الأحد: ميرولا

ثائر صالح

ابتدأ عصر الباروك في الموسيقى بفورة فنية واضحة حددت المسار اللاحق لهذا الفن، وبرزت في هذا المجال مدن شمالي إيطاليا، بالإضافة الى روما ونابولي،

وهذا التطور هو تواصل لفورة عصر النهضة الإيطالي بامتياز، وكان الموسيقيون يدرسون في تلك المدن قادمين من مختلف أنحاء أوروبا التي بدأت تطور فنها الخاص بها، وكانت المدرسة الفرنسية - الفلمندية قد قطعت أشواطاً هامة في هذا المجال بحيث أسهم الهولنديون في تأسيس مدرسة فينيسا الموسيقية الشهيرة في القرن السادس عشر بفضل ما توصلوا إليه في فن المادريغال الغنائي من رقي نافسوا فيه الطليان مؤسسي الفن أنفسهم، وكانت هناك حركة معاكسة في المقابل، فقد استقدم ملوك أوروبا وعظماؤها الموسيقيين الايطاليين إلى قصورهم وتعاقدوا معهم، مما نشر الفن الإيطالي وعزز التفاعل بين مختلف المدارس الموسيقية وقتها، ومن بين هؤلاء نذكر اليوم الموسيقي الإيطالي تاركينيو ميرولا (حوالي 1595 – 1665) الذي ولد بالقرب من كريمونا (دوقية بارما)، وهي مركز موسيقي مهم بين المدن الإيطالية، سواء بموسيقييها أو بورش صناعة الأدوات الموسيقية الشهيرة التي عملت فيها عوائل آماتي وروجيري وغوارنيري وستراديفاري حيث صنعت أفخر أدوات الكمان منذ عصر الباروك، فقد درس في كريمونا وعمل فيها عازفاً على الأورغن لخمس سنوات بين 1621 – 1626 قبل أن يذهب إلى وراشو عاصمة بولندا الجديدة ليدخل في خدمة الملك سيغسموند الثالث (1566 – 1632 وهو من عائلة فاسا الملكية السويدية)، هذا الملك شخصية معروفة في تاريخ تلك المنطقة، إذا كان ملكاً على بولندا والسويد وحاكماً على دوقيتي ليتوانيا وفنلندا في نفس الوقت، واشتهر بسعيه لإعادة كثلكة المناطق التي حكمها مما أدى إلى إقصائه عن العرش في السويد وفنلندا. قام بنقل عاصمته من مدينة كراكوف العريقة إلى مدينة وارشو سنة 1596، تاركاً وراءه واحدة من أعرق جامعات أوروبا هي جامعة كراكوف التي أسست في 1364 (وتسمى اليوم جامعة ياغلّو، وتحوي مكتبتها على كنز من المخطوطات والمطبوعات الموسيقية القديمة).

شغل عدة مناصب في كريمونا وبرغامو قبل أن يستقر في كريمونا للسنوات العشرين الأخيرة من حياته، كان بين أبرز الموسيقيين المجددين في القرن السابع عشر وأسهم في بلورة أشكال موسيقية سادت في الباروك مثل السوناتا الثلاثية (تريوسوناتا) في الموسيقى الصرفة والكانتاتا في الغناء، فهو من أدخل الريسيتاتيف (الالقاء الملحن) الذي تتبعه الاغنية (آريا) فيها، واشتهر بكتابة الكانسونا، وهو شكل موسيقي خاص بالأدوات ساد في أواخر القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر، ففي البداية طمح الموسيقيون الى تقليد الغناء والصوت البشري في الأشكال الموسيقية الخاصة بالأدوات اللحنية مثل الكمان، وهذا يفسر اسم الكانسونا (وتعني الاغنية بالإيطالية)، لكن هذه الأشكال أخذت ملامحها الخاصة شيئاً فشيئاً بجهود الكثير من الموسيقيين ممهدة الطريق أمام الأشكال اللاحقة التي نعرفها اليوم مثل السوناتا والكونشرتو والرباعية الوترية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top