دمـوعُ كلكامـش وشـيءٌ مـن النـقـدِ

دمـوعُ كلكامـش وشـيءٌ مـن النـقـدِ

موج يوسف

العنوان يوحي بأنّه جملةٌ شعريّة فيها بعض الخيال، فمن غير المعقول أن الملحمة الشهيرة لها دموع، ربما شخصيّاتها هي الباكيّة ؟

أم كلكامش نفسه أخد دورَ الثكلى؟ العنوان هو دّراسة نقديّة صدرت مؤخراً عن دار المدى بعنوان (دموع كلكامش) للشاعر والمترجم العراقي صلاح نيازي.

والعنوان اختاره المؤلف وفق عادة العلماء القدامى هو تسميّة الجزء بالكلّ، فدموعُ كلكماش جزءٌ من الدّراسةِ، يعود الباحث إلى الملحمة ويضيء جوانب أخرى غابت عن بعض الدّارسين فينطلق من الرثاء العربي ويقرب اللوحة البكائية أكثر فيقول (إن أقرب رثاء عربي ينتمي إلى سلالة مرثيات ملحمة كلكامش)ص6، فهو يعيد الرثاء في الشعر العربي إلى النبع الأول الملحمة، لكنَّ السؤال الذي شغلنا ما شكل الدموع ؟ هل وردت من باب الإنسانية والقيّم الكونيّة ؟ أم جاءت صراحة في النص الملحمي؟ وكيف لهذا المتكوّن من ثلثي مادة إلهية وثلثه بشر أن يشرع في البكاء؟ يرى المؤلف أن أغلب النصوص التي وردت في الملحمة هي تدل على البكاء والنواح ومنها النصّ القائل في المحلمة نفسها(هل سيتحتّم عليّ أن أراقب أرواح الموتى وأجلس عند باب الأرواح) هذا النصّ قاله كلكامش عندما تأكد من موت إنكيدو فإغرورقت عيناه بالدموع وقال النص أعلاه، واتخذت الدموع في هذا الطور صيغة أنثوية في النص التالي(صديقه كالعروس وأخذ يزأر حوله كالأسد وكاللبوءة التي اختطفت منها أشبالها وصار يروح يروح ويجيء أمام الفراش وهو ينظر إليه ويملش شعر ويرميه على الأرض، مزّق ثيابه الجميلة رماها كأنَّها أشياء نجسة ولما لاحّ أول خيط من نور الفجر نهض كلكامش) فهذا النصّ يصرخ بالأنوثة بدليل التشبيهات كالعروس واللبوءة وغيرها وبحسب رأي الأستاذ نيازي أن الشاعر أورد المؤنثات السابق ذكرها هو لأجل تكبير المأساة فجعلها على لسان المرأة غير أنه يعدل عن هذا الرأي قائلاً(فإن العواطف المبثوثة بالمقطع أعلاه وهي عواطف مشبعة بالأنوثة يعزز من القناعة بأن مؤلف الملحمة إنما شاعرة)ص9، المشاعر والعواطف غريزة إنسانية ثابتة في الذّات والفرق أن المرأة تفصح عنها أكثر من الرجل غير أن القارئ لرثاء الشعراء والأدباء يجدها مشتعلة عندهم أكثر من الشاعرات، وقد يقول قائل وماذا عن الخنساء؟ أقول إنها حالة استثنائية، لكنها لا تشكل ظاهرة فرؤيتنا تستبعد أن تكون مؤلفة الملحمة الشاعرة لأنَّ اللغة وطريقة استعمال اللفظ لا يوحي بذلك، ولا نملك دليلاً قطعياً على ماذهب إليه نيازي، إنَّ دموع كلكامش احتضنت شعراءنا الكبار السيّاب والجواهري، لكن مقصلة النقد النيازي كان لها رأي أخر، فالجانب الثاني من الدّراسة قد عُني فيه بالشاعر السيّاب ومن ثمّ نهر العراق الثالث، ومن باب الوفاء قد وقعت قصيدة الشاعر غريب بلاده (السياب) والتي بعنوان (الأسلحة والأطفال) في مقصلة النقد وقد عمدت إلى ذكر لفظة المقصلة والسبب يتضح لاحقاً،عند تناوله لهذي القصيدة يضع تساؤلات لا تخلو الغمزات الثقافية فيقول(هل خفت؟ هل حالت ألوانها ؟ هل نُسلت خيوطها ؟ هل كانت قصيدة مرحلية كمحاصيل موسومة تنتهي بانتهاء فصلها ؟)ص106 ومنها تصعد القصيدة على المقصلة النقديّة فيقول الناقد نيازي (إنَّ قصيدة الأسلحة والأطفال ليست من جياد السياب فبعض ثمارها بُسر وقشر بعضها كثير) لأسباب منها يرى(أن السياب في هذه المرحلة كما يبدو مستجداً على الثقافة الإنكليزية فراح يرصّع كتاباته بإحالات لشعراء أباعيد كالإشارة إلى مسرحتي مكبث ورميو وجوليت. قصيدة القبرة للتشيلي وأصداء ايدث ستيول)ص 106 ويواصل(قلت يرصّع عمداً ذلك أنها لم تبلغ درجة الهضم والتمصيل ومنها هنا مثل النياشين خارج الجسد وليست تلاقيه)ص107.

لست بالضد من هذه الآراء التي تبدو أقرب إلى الإنطباعية، وأبعد عن الموضوعية النقدية فالحكم على أن القصيدة مرحليّة يكاد يكون غير دقيق؛ لأنّ القصائد المرحلية هي التي تكتب في حادثة معينة كحرب أو ثورة وتميل إلى التقريرية والمباشرة، ومكتظة بالإنفعال، وأمواج الغضب فضلاً عن قصرها النسبي، وقصيدة السياب هذه هي من المطولات في الشعر العربي الحديث ونبذ فيها الممارسات العنصرية، وركز على القيّم الإنسانية وهذه تنفي عنها تهمة المرحليّة، وعن الترصيع من الثقافة الانكليزية، نرى إن القصيدة ذات تناص وهذا الأخير لا يخلو من أي شعر فضلاً عن قضية المرجعية الثقافية فالشاعر لا يكتب عن فراغ وأنما تتراكم مرجعياته في القصيدة وهذا لا يعد ترصيعاً. شعر الجواهري ودجلة الخير كان لهما النصيب أيضاً من تساقط دموع النقد إذ يقول (لأقل من البداية إن قصيدة دجلة الخير رغم أنها من أشد أشعار الجواهري ألماً وأحباطاً إلا أنها من الناحية الفنية ليست من جياد قصائده، القصيدة تفتقر إلى وحدة الموضوع ومن جانب إلى الموقف الفلسفي من جانب أخر)ص127 ثم يقول(يا أم البساتين أو السعلية وتكرار حرف يا،.. فلا أدري هو نداء أم استغاثة ؟ أم أنه استلاف اللهجة العامية)ص129 ويواصل(يا دجلة الخير هانت مطامحنا ومرة يطلب منه أن يقول مقام الأولياء الصالحين وذوي الكرامات، فيلبي أمنياته.. ثم مرة واحد يمحي النهر) (لكن الأغرب صدقاً وحقّا هو تشبيه دجلة الخيرات بالسعلية القرعاء لم أفهم مالذي قصده الجواهري بهذا البيت ولا أريد أن أفهم)131، لنأتي أولاً على وحدة الموضوع التي نفاها من القصيدة، فهي انطلقت من الحنين والألم والغربة وهذه الأمور قد فجّرت صوراً متنوعة بين الهروب من واقع الغربة، والطيران بجناح الخيال إلى بغداد فيظن القارئ أنها ليست ذات موضوع واحد. وعن تكرار حرف (يا) من باب الصوت هي إيقاع موسيقي داخلي الغرض منه تنبيه المتلقي على أهمية الموضوع، ومن وجهة الأسلوبية فهو يندرج وفق ما يسميّه سعيد الغانمي(التفات التشخيص) الذي يتحقق بنداء الأشياء غير العاقلة وهذا ملمح أسلوبي، وعن اختلاف دلالات النهر في القصيدة نلفت نظر الاستاذ صلاح إلى قضية المعادل الموضوعي الذي أشار إليه إليوت، فدجلة معادل موضوعي في القصيدة كلها فهو لا يعني النهر وأنما كل ما في العراق هو دجلة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top