قمع الإنتفاضة والبدائل - الجزء الثاني

آراء وأفكار 2021/05/15 09:48:09 م

قمع الإنتفاضة والبدائل - الجزء الثاني

محمد حميد رشيد

لم يكن القمع الدموي الإجرامي الذي تعرض له شباب الإنتفاضة التشرينية ورجالها ، لم يكن بالشيء الهين وكان الثمن مئات الشهداء وآلاف الجرحى وعشرات المخطوفين والمغيبين (فضلاً عن التخوين والتشكيك والحرب النفسية) وما رافق جانحة كورونا من تداعيات العزل والوقاية كل ذلك أثرعلى تواجد المتظاهرين وإنخفضت وتيرة الإعتصامات.

لكن هل هناك بدائل ووسائل متاحة أمام الشعب للتغييروإشاعة وتفعيل الخطاب والحس الوطني؛ في الجزء الأول تكلمت عن مجموعة من البدائل (سبع بدائل وسائل التواصل والإعلام الإنفتاح على مؤسسات حقوق الإنسان الأممية المشاركات الإجتماعية...الخ) وفي هذا المقال سنسلط الضوء على بديل من أهم البدائل المتاحة وهما (المشاركة الفاعلة في الإنتخابات) على أن نتم الكلام في البدائل (تأسيس الأحزاب الوطنية) في الجزء الثالث إن شاء الله مع بقاء خيار التظاهرات والإعتصامات مفتوحة ولكن بحذرأكبر.

A. الانتخابات

تحت مزاعم أن السلطة الفاسدة التي جاءت بالتزوير لا يمكن أن تسمح بانتخابات نزيهة • وإن الوجوه نفسها باقية وإن كان هناك تغير فهو باشرافهم وإرادتهم وهذه المزاعم ممكن أن نسمعها من أعداء الإنتفاضة ومن أصدقائها المخلصين أيضاً؛ وعلينا مناقشة هذه الفكرة بدقة علمية وحيادية مخلصة لكننا لابد أن نتفق على مايأتي

أولاً : إن "السلمية" هو السلاح الوحيد الذي إختارته الإنتفاضة للتغيير والسلمية تقتضي الإستفادة من الوسائل والأدوات الديمقراطية ومنها (المشاركة الفاعلة في الإنتخابات) رغم صعوبتها ومساوئها (المفوضية مخترقة والقانون غير متكامل والسلاح المنفلت والمال المؤثر على العملية الإنتخابية ...) ثانياً : إن التغير في العراق في هذه المرحلة لا يمكن أن يكون جذرياً بضربة واحدة (رديكالي) ومن الصعوبة أن يتم بوسائل دراماتيكية أو ثورية أو دموية (بل إن الشعب العراقي سئم هذا النوع من التحولات وبدأ يرفض كل أشكال العنف) لذا لم يتبقَ أمام عموم الشعب العراقي (في الوقت الحالي) غير (التغير التدريجي) وعبر استعادة الديمقراطية المختطفة من قبل عصابات الأحزاب •

ثالثاً : الإنتخابات تتيح فرصة الإقتراب أكثر من الناس ومن القيادات الإجتماعية بشكل عام ومنها القيادات الدينية الوطنية وعرض الأفكار وعدم التناقض معهم في المسائل الوطنية والابتعاد عن المعارك الجانبية التي تهدف امتصاص طاقة المنتفضين وتشتيت جهودهم .

لذا ليس أمام الإنتفاضة إذا إريد لها الإستمرار والبقاء إلا الالتزام بالسلمية والتغيير التدريجي حتى إسقاط عصابات الفساد والجريمة وعدم الدخول بمعارك جانبية الهدف منها تشتيت الجهود وبعثرة القوى.

لذا يمكن الدخول في المعركة الإنتخابية وبموجب الحقائق الآتية :

a) السلطة الفاسدة وعصابات الفساد لا تقبل بإنتخابات نزيهة وعلينا أن نقاوم رغبة الفاسدين ونسعى بكل جدية للمساهمة في الرقابة وفضح مساعي التزوير وعدم المشاركة الوطنية تُخلي الساحة للطائفيين والعنصريين للتغوّل وتحقق رغباتهم وأمنياتهم بعزل الصوت الوطني ؛ إن المشاركة هي شهادة علمية عالية ضد الفساد والتزوير (لو حصل) معتبرة ومعترف بها من كل الأطراف القانونية والشرعية والأممية ؛ لابد من الشهود وعدم السكوت على التزوير.

b) المشاركة بالانتخابات هي من أهم الوسائل السلمية المتاحة للمنتفضين الذين أختاروا طريق السلمية • بما تتيحه من فرص لعرض الأفكار والرؤى وطرح البدائل لإقناع الجماهير بأحقية مطاليبهم وشرعيتها ؛ ومصداقية واضحة على (السلمية). وبغض النظر عن النتائج.

c) إحتمالات تزوير الإنتخابات قائمة في مختلف الأحوال وفي أحسن الظروف ؛ ولا يمكن تقدير حجمها الحقيقي قبل حصولها فعلاً ؛ لكن لا يمكن إلا توقع حدوثها في أحسن الظروف والعمل على تقليص كل ما يساعد المزورين على تزوير إرادة الشعب (الناخبين) وفي ذات الوقت تحصين الإنتخابات بقدر الممكن والمتاح من التزوير وتشكيل رقابة سياسية فاعلة ضد المزورين (جبهة ضد التزوير ـ مقالي في صحيفة المدى24/2/2021).

d) التزوير (جريمة) يعاقب عليها القانون وهي (جريمة مضافة لجرائم أحزاب الفساد والإرهاب) والمشارك بالتزوير يوفر أدلة وشهود (إضافين) و وثائق على تلك الجريمة بما يتيح قانون الانتخابات للقوى المشاركة في الانتخابات من وضع مراقبين و ممثلين لهم في مراكز الاقتراع للإشراف المباشر على عملية الانتخاب والفرز ؛ ويمكن للقوى الوطنية الإستعانة بالهيئات الدولية المشرفة والمراقبة على الإنتخابات والتعاون مع تلك الهيئات الرقابية في تأكيد التزوير والفساد إن وجد. وفي نفس الوقت يصعب من عمليات التزويرالمتوقعة وقد يقلصها إلى أدنى حد ممكن، بينما عدم المشاركة يعطي الحرية والفرصة الأكبرللتزوير ولا يحد منه.

e) نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة لا تزيد عن 20‎%‎ من مجموع من يحق لهم الانتخاب و 80‎%‎ منهم كانوا عازفين عن المشاركة في الانتخابات لعدم قناعتهم ولعدم وجود مرشحين وطنيين مقنعين وفي وقائع وظروف مختلفة عن ما عليه الحال الآن ؛ واليوم فضح الفاسدين وأنفض الكثير من الناس عنهم لذا من المؤكد أن حظوظهم في الفوز بالمقاعد البرلمانية قلت لذا لابد من إستثمار الفرصة وتقديم بدائل نزيهة وناجحة ؛ ولكن الأهم من هذا لو شارك نصف الممانعين 40% السابقين في الانتخابات المقبلة بنية التغيير وإنتخاب ممثلين وطنيين فهم وبكل تأكيد سيحصلون أكثر من مئة مقعد لو أحسنوا خوض المعركة الانتخابية !. فضلاً عن أن زيادة عدد المشاركين في الإنتخابات تزيد من صعوبة التزوير وتقلص فرص المزورين.

f) لو أفترضنا أن 50‎%‎ من الفائزين الوطنين تخلوا عن مبادئهم الوطنية وأنخرطوا مع الفاسدين سيتبقى للمرشحين الوطنين أكثر من 50 مقعداً برلمانياً (في أسوأ الأحوال في حال المشاركة مع افتراض وجود التزوير) وهذا العدد سيكون مؤثراً بشكل كبيرعلى العمل البرلماني (في حال المشاركة الفاعلة في الإنتخابات) وسيؤسس قاعدة وطنية تجمع حولهم كل ذي نفس وطني مخلص.

g) مليون وستمائة ألف صوت تمكن بها التيار الصدري في الانتخابات الماضية من حصد 54 مقعداً برلمانياً ؛ وجماهير الانتفاضة لوحدها تزيد على هذا العدد فكم يمكن للتيارات الوطنية وجماهير الإنتفاضة ومؤيدوها أن يحصدوا من الأصوات والمقاعد؟!.

h) وسيكون الفائزون الوطنيون (مهما كان عددهم) شهود صدق داخل العملية السياسية الفاسدة وعيون وآذان للشعب لفضح الفساد والتصدي له. وسيكونون شهداء على حجم ومصداقية الانتخابات ونزاهتها إضافة إلى الرقابة على مصداقية العمل البرلماني ونظافته وحياديته ورقيباً وطنياً على العملية السياسية بمجملها والحكومية بكل تفاصيلها.

i) وجود المعارضة الوطنية الصادقة والمخلصة داخل البرلمان لا يقل أهمية عن المشاركة في إدارة الحكومة بل يجعل مهمة نشر الوعي الوطني أعمق وأكثر تأثيراً وإنتشاراً والأهم هو أن المعارضة اقرب إلى الشعب من الحكومة العاجزة والفاسدة.

j) وستكون المشاركة في الإنتخابات فرصة لكسرالعزلة السياسية المفروضة على الوطنيين والتشرينيين وفرصة للمشاركة الفاعلة في كل تفاصيل النشاطات السياسية والإعلامية الإنتخابية والتي سيصغي لها طائفة كبيرة من أفراد الشعب العراقي في داخل العراق وخارجه وحتى من خارج العراق من غير العراقيين ومن المراقبين السياسين...

k) وتبقى الشبهات حول المشاركة وحول الديمقراطية من عجز الإنتخابات عن تغيير الواقع وهذاإعلان عن العجز لأن الإنتخابات وفي كل الأحوال خطوة واحدة نحو تغيير الواقع وفي أبسط الأحوال ؛ نعم إن قانون الإنتخابات الحالي غير مُرضٍ لطموح الشعب العراقي ومن أجل الوصول إلى القانون الأفضل علينا المشاركة والوصول إلى البرلمان وتغييره ؛ وهناك من يطعن بالديمقراطية ذاتها وما الديمقراطية إلا ناتج الفكر الإنساني ومن المؤكد أنها ستتطور ولكن ذلك يحتاج إلى جهود و وقت . هناك من يروج أن مقاطعة الإنتخابات حتى تتدنى نسبة المشاركة وبالتالي لا تحظى بالإعتراف الدولي ! لا يوجد في القوانين الدولية ما يؤيد ذلك كل الذي تفعله تدني نسبة المشاركة تدني مصداقيتها لكن لا يحق للمجتمع الدولي إلغائها وإعادتها ولا سلطة له في ذلك على الحكومات حتى لو كانت مزورة 100% ؛

الفاسدون لن يمنحوا المخلصين المجال لكي يستردوا العراق من قبضتهم لكن علينا أن ننتزع العراق منهم بأي ثمن ؛ المنتفضون ليسوا كل الشعب العراقي هم جزء منه وهناك قوى عديدة غيرهم عليهم واجبات أخرى قد تكون أكبر من واجبات استعادة الوعي الوطني الذي هو الخطوة الأولى التي لابد منها لاستعادة العراق وطب جراحه.؛ الإحباط واليأس لن يغيروا شيء الأمل والثقة بالشعب وبشباب الإنتفاضة هو مفتاح التغيير القادم غن شاء الله

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top