الفن في عصر اللاحقيقة

الفن في عصر اللاحقيقة

علي النجار

(عندما نعتقد بأن المعلومات تنتج المعنى، يحدث العكس، فالمعلومات باتت تلتهم محتواها الخاص. . تلتهم الاتصالات والعلاقات الاجتماعية، هذه الملاحظة صالحة اليوم - حتى ولو كان تويتر وليس التلفزيون هو الذي يقود التهمة)

جان بودريار

الجزء الأول

ما يصرح به(جان بودريار) هنا رغم نبرته التشاؤمية، يمثل حقيقة عصرنا الحالي، عصر ما بعد بعد المعاصرة، أو من وجهة نظر أخرى(عصر اللا حقيقة)، نحن نعلم أن لكل عصر فلسفة وسلوك. بشكل خاص في أوروبا التي خلقت وطورت مفاهيمها الحديثة منذ عصر التنوير وحتى قبله ولحد الآن، حسناً في مجال الفن اليوم وكما بقية العلوم الإنسانية، تعرض الواقع المرئي والمعاش الى تحولات وتحويرات، الى نفي، ونفي النفي، فما بين الواقع ومصطلح(الواقعية) وإشكاليات(اللا واقعية) ومنها شطحات الخيال السريالي والتدمير الدادائي حتى الإلغاء الجزئي أو الكلي في التجريد وتخريجاته وتنظيراته الهندسية والفنتازية والصوفية المتتالية، ثم الانتقالات الكبرى من التصورات العامة والإرث الجمعي الى الفردانية، ولتختتم في نصف القرن الماضي بتدخلات السياسة(مشروع مارشال) الأميركي لدعم الثقافة والفن لما بعد الحرب الكونية الثانية ونتائجه الإيجابية الكبيرة على الثقافة والفن الأميركي، بمعنى من خطط لهذا المشروع(ومعروف جهته غير المُعلنة) كان يدرك أهمية نتائجه، أو مكاسبه المضاعفة، ليتم من خلالها عملية تمرير أو تصدير مركز الثقافة والفن من أوروبا الى الولايات المتحدة، وليؤسس من خلال هذه النقلة لفن أميركي حديث له مميزاته الخاصة التي توائم بيئته الثقافية الجديدة، التي لا تبتعد بشكل من الأشكال عن النمط الاستهلاكي السائد، إلا بقدر صياغة أفكارها الجديدة الموائمة، من هنا باتت التدخلات السياسية والاقتصادية تشكّل جزءاً مهماً وفاعلاً من ثقافة المؤسسات الفنية والثقافية المركزية العلنية ومختبراتها الخفية!.

ما بين انتهاء الحرب الكونية الثانية وعام انتاج الفيلم الأميركي(هز الكلب) الذي مثله (روبرت نيرو وجاستن هوفمان) في آب من عام(1998) زمن طويل، لكنه لا يقارن لقصره ما بين زمن إصدار هذا الفيلم ومحاكمة كلنتون على فضيحة(لوينسكي) في كانون الأول من نفس العام، حيث إنبنت قصة الفيلم على فبركة قضية فضائع حرب أهلية في البانيا وتداعياتها على السلم الأهلي والعالمي، وكان الغرض الخفي يكمن فيما بين الحرب الافتراضية ومغالطات صناعة هووليود للتغطية الإعلامية على الفضيحة الجنسية للرئيس، فهل كان هذا الفيلم نبوءة لما سوف من يأتي من مغالطات سياسية أخرى، أو بما هو كائن أصلاً، أم هل هو شأن شائع في الصناعة الصورية السياسية المخادعة لهوليود، أم نحن فعلاً نعيش في عالم ما بعد الحقيقة(حيث تحل الحقائق البديلة محل الحقائق الفعلية، وحيث المشاعر لها وزن أكثر من الأدلة) مع تطور صناعة الأخبار المزيفة وولوجها النقاط النفسية العمياء التي تحيل الجمهور لمجرد رقم في صوامع المعلومات!.

(رالف كيز) في كتابه(عصر ما بعد الحقيقة) الذي ألفه في عام(1994) ذكر بأن الخداع الذي يحركه الإعلام أصبح أكثر انتشاراً في العالم الحالي، وبأن الأكاذيب ينظر إليها على أنها شيء من قضايا مقبولة في مواقف معينة، في العام نفسه تحدث الصحفي الأميركي(إريك الترمان) عن البيئة السياسية لما بعد الحقيقة وصاغ مصطلح(رئاسة ما بعد الحقيقة) في تحليله للبيانات المضلّلة التي أدلت بها إدارة بوش بعد(11) أيلول(2001).

وما دمنا نبحث عن الحقيقة، أو حتى عن تصوراتها في مجال غير واضح الملامح كالفنون، بما أنها مرتبطة بوشائج للواقع والوقائع. فلنبحث أولاً في مجال الفن الواقعي، وأي واقعية هي المقصودة، صحيح ما ذكر عن دور الكامرة في خلق ذائقة فنية مغايرة للواقع منذ نهاية القرن الثامن عشر، وحتى تطور تقنياتها المتسارعة باستمرار لحيازة واقع أكثر دقة ووضوحاً، أو حتى القفز عليه، لكني أعتقد بأنها(الكامرة) لم تلغِ اشتغالات الفنان على واقع محيطه وبيئته بالتصورات والتقنيات المختلفة، سواء منها الذاتية، أو العامة، وإنما حدثت القطيعة أو التجاوز في الأساليب والتصورات بعد إجهاضات الحراك الثقافي العدمي الذي أفرزته المركزية الأوروبية وهزائمها السياسية(الحروب العالمية) وصراع الرأسمال التالي والحروب الباردة، كما ردة فعل في البيان(الدادائي) المضاد لثقافة الأنوار تلك عموماً ولكل مخرجاتها الثقافية والفنية.

لنعاين التجارب الفنية الواقعية الكبرى لنهاية القرن التاسع عشر وحتى بداية القرن العشرين المتمثلة برسوم الفنان الروسي(إيليا ريبين 1844 : 1930) صاحب التيار الواقعي الأبرز في الفن الروسي، والفنان الواقعي الفرنسي الأكثر شهرة في أوساطنا الفنية(غوستاف كوربيه 1819 ـ 1877)، وكما الحداثة الأولى كان جهد هذين الفنانين فردياً يحمل بصمة مواضيعهم التي اختاروها من الواقع المعاش لطبقات المجتمع المختلفة، لكننا إذا قارناها بأعمال أو رسوم الواقعية الاشتراكية، فسوف نخفق في الإتيان بما يوازيها، إلا ما ندر، وهذا النادر هو الآخر متمرد على القيود التي فرضتها الأدلجة السياسية، كما في رسوم الفنان السوفيتي( الكسندر دينك) عن معركة (برتر) مثلاً، التي أجدها متأثرة بشكل من الأشكال بنمطية الأيقونات الروسية بعض الشيء، ومن هنا تنبثق فرادتها وغرابة مرجعيتها (أيديولوجيا). كما لا أنسى زيارتي لمعرض جمهوريات الاتحاد السوفيتي في القاعة الكبيرى(كراند صال) في باريس عام(1977)، وخيبة أملي بمستوى الأعمال المعروضة. التي تبدو كأنها نتاج مدرسي وليس إرث مرحلة زمنية منظور اليها كنتاج مرحلة سياسية تغلب الواقع بواقعيته على سواه. ويبدو أن الموضوعة الرئيسة أو الهدف من هذه الرسوم هو كونها تمثل نتاجاً متعدداً منتقى من مجمل الأعمال التشكيلية لجمهوريات السوفيتية، وكأنها مجرد مهمة انجزت لكي يصل المضمون(الرسمي) للمتلقي، وليس الأداء التقني الذي يسبغ على العمل الفني أهميته وسطوته. بعيدا عن المستويات الأدائية للأعمال الواقعية الأوروبية. ربما السبب يكمن أيضاً في الانقطاع أو التقاطع الثقافي لهكذا أداءات فنية متهافتة.

إن رجعنا لموضوعتنا عن الحقيقة في النتاج الفني ذو الطابع الواقعي، نجد أن هذه الأعمال السوفيتية، التي نوهت عنها، لا تمثل إلا نوعا من صناعة أيديولوجية بالدرجة الأولى. فبمثل ما يتم تبنى الواقع والحقائق، يجرى التلاعب بها من قبل السلطة الثقافية المركزية لتحقيق الهدف المرسوم مسبقاً ضمن ضوابطها التي تعزز من سلطتها، فهي هنا تفضل الساذج المتهافت على الفعل الفني الذي يعبر عن ذاته الخاصة وذات الفنان في نفس الوقت، كما شروط إنتاج العمل الفني، ولنا في العراق تجربة سابقة، لم تنجح إلا في حدود رسوم الشارع، وأعتقد أن سبب فشلها(أيديولوجيا) يرجع الى أن السلطة وقتها كانت بحاجة لدعم الفنانين لتبييض صفحتها أمام العالم، ولكون بعض القيّمين على الفن التشكيلي استطاعوا مراوغتها، فما للسلطة متوفر، وما للساحة الفنية متوفر، ضمن هذا التوازن عبر التشكيل العراقي للضفة الأخرى سالما بعض الشيء، لكن، مع خسائر طفيفة.

مادام الأمر متعلق بالأيديولوجيا والتي يكثر الحديث عنها في العالم الرأسمالي، إشارة للطرف الآخر(الاشتراكي) في حقبة الحرب الباردة. فهل علينا أن نغفل مشروع مارشال الأميركي الثقافي والمحاولات الحثيثة للنيل من هذه الإيديولوجية، لكن بايدلوحية مستترة مضادة، تحت ذريعة مفهوم العالم الحر، وطبيعة هذا الصراع كما هو معروف، اعتمد على ترسيخ الفردانية أو الذاتية(الشخص الفاعل)، مقابل الاشتراكية كمجتمع كتلة واحدة، بالوقت الذي كانت حقيقة الصراع تتمثل في هيمنة رأس المال على أسواق ومقدرات العالم الاقتصادية، لا يهم مصداقية الوسائل أو الحقائق، كما في مثل فيلم(هز الكلب)، وكما مثل (إذاعة أوربا الحرة) في المانيا الغربية السابقة، ما دام كل من الطرفين يبث، سواء عبر الأثير أو من خلال وسائل فنية رسائلهم، أو لنقل(حقائقهم البديلة)، الحقائق البديلة التي تضخ بأساليب مواربة وبتقنيات تجاوزت بكثير تلك الحقبة الأولى والتي لا تزال مهيمنة في تشكل سمة عصرنا الحالي. الحقائق البديلة التي يتم عبرها انتخاب رؤساء الدول العظمى كحراس لشبح الديمقراطية لا يملكون من الديمقراطية حتى ظلها، أو كما يصفها الصحفي الأميركي(أريك ترومان) في كتابه(ما بعد الديمقراطية) بأنها(البيئة السياسية لما بعد الحقيقة) أو(رئاسة ما بعد الحقيقة) حيث أصبح الاستخدام الاستراتيجي للعاطفة مفتاحاً لاكتساب الحقيقة كبيانات لا أكثر، فلنراجع خطابات مرشحي الرئاسة الأميركية، لنكتشف مقدار زيف اللعب العاطفي.

أليس الفن، بمفهومه الحديث، أو ما بعد حداثته، من أكثر المناطق التعبيرية غرابة التي من المحتمل أن تثير أحاسيس غريبة لدى المشاهد، مثل أشياء غير مألوفة، والغريب بالنسبة لفرويد شيء مخيف. فإن كان ينظر سابقاً الى التصورات على أنها كشوفات للظواهر، وأحياناً كظهورات وهمية تتأرجح طبيعتها الهشة بين ما هو ظاهر من جهة وملامستها المستمرة للخيالات والأوهام، هذا النشاط البشري الذي ينزلق ويدغدغ أوهام النفس، بالخروج عن المألوف، واعتبارها حقائق(بديلة) وليس بالواقع العياني الذي سعى الفنانون قصارى جهدهم للنأي عنه كتمرد على المألوف واستكناه خبايا النفس، ومن باب الفرادة بالسعي الاغترابي الحثيث، فان كان الفنان محصناً من الوقوع في شرك المؤسسة الداعمة، فالمؤسسة باتت فاعلة في زمننا، لها سياساتها التي غالباً ما تتواشج وسياسة الداعمين، والتي تخضع الفنانين تحت ضغط التبني والدعم بشكل من الأشكال لإرادتها. وأحياناً ما يتم استبدال الأدوار من قبل الفنانين الشباب الذين يتماهون وشروط الدعم المتمثلة ذاتياً بـ(حقائقه البديلة) في سعيهم الحثيث ليحققوا شهرتهم برقم قياسي.

لنا مثلاً في عرض بعض التشكيليين العراقيين، أعمالهم التي تندّد بالحرب في متحف الفن الحديث النيويوركي، إذ يبدو الأمر وكأنه إنجاز يحسب لهم، وفي نفس الوقت اكتساب شهرة يعتقدون أنهم يستحقوها، ولا أدعي بأنهم لا يستحقوها، لكن إن تقصينا الأمر، فسنجد أن خلف هذا العرض بعض من الراعين الذين أسهموا في احتلال العراق لتحقيق مصالحهم المادية، وليس لمجرد التعاطف وشعب أنهكته الحروب وتعسف السلطة، فهل الأمر حدث من باب تبييض الأفعال، أم لأمر آخر. . خلط الحقائق وتقديمها من خلال وهم النوايا، بات من أولويات سلوكيات المؤسسات الثقافية والإعلامية لعصرنا الحالي(عصر ما بعد الحقيقة).

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top