سقراط الحوار والحقائق الكبرى  1-2

سقراط الحوار والحقائق الكبرى 1-2

ناجح المعموري

صدر كتاب جديد للأستاذ علي حسين " أحفاد سقراط " وهم العقول الفلسفية المبكرة في تاريخ اليونان الذين تعلموا من سقراط التعود على تداول الأسئلة السهلة والبسيطة وأيضاً الصعبة والمعقدة .

ومنذ ما يقارب ثلاثة آلاف سنة شاعت الأسئلة في حياة اليونان واعتاد عليها الناس البسطاء . ولم يكن غريباً أن يواجه الإنسان شخصاً أمامه ويطرح عليه سؤالاً :ماهو السبب الذي جعل الأشياء الموجودة في الحياة على ما هي عليه ؟ هكذا تتكاثر الأسئلة التي جعلت من العقل حاضراً بقوة واضحة أدركها الناس في الشوارع والساحات والمقاهي والمطاعم ، لأن سقراط جعل الأفراد أكثر وعياً وإدراكاً للتجاوب مع ما يجري في اليومي ، بحيث تكرست الفلسفة من خلال سقراط طاقةً مثيرةً وحاذقةً ،

كذلك ارتضى الأفراد تعاطيها باستمرار وتحول الحوار معياراً للكائن الممتلك للعقل الذي جعل من حضوره وعياً عالياً راضياً بالمغامرة والمجازفة وقد تحول كل منهما مغذياً لابتكارات اليومي وجدل الثقافة والقبول بتجديد الأسئلة لا التعود على توريثها ، لأن الاستمرار على التعرف وحده كافٍ لخلق الجدل ، وتحديد المعروف اليومي ، وكان دور سقراط بارزاً للغاية ، ومؤثراً ، جعل الأفراد وجهاً لوجه أمام سيرورة الحياة التي ازدحمت بالأسئلة وضرورات معرفة المجهول ولذا كان دور سقراط الفيلسوف الجبار فذاً ومقتدراً ولم يكن غريباً ومدهشاً ما قاله سورين كيركغارد " سقراط ، سقراط ، سقراط لو هتف لساني باسمك مئة مرة ، ما وفيتك حقك أبداً " .

أثارت هرش سؤالاً في زمن العلم وتطورات التقنية والتكنولوجيا وأعتقد الفرد بأن العلم كشف ما هو بحاجة له وهل يساعد هذا على قبول فضاع الميلاد من أجل أن يستل منه آليات التمكن والنجاح والفوز بالحلم الذي لا يختلف عن السؤال الذي تطور جدل عرفه كانط وجعله خاصية اليومي ، المألوف بين الافراد في الحياة الغربية حتى وصل الى مرحلة قصوى ، لها تأثير بالغ في تحقيق التنمية البشرية ، بينما حاول مانسون ما نوره صاحب كتاب " فن اللامبالاة " أن يحوّل الفيلسوف المثير للضجر عند معظم القراء ، الى معلم يشير بوضوح الى أهمية بناء مجتمع ديمقراطي يحمي حريات الأفراد وينشد السلام ؟

كل الأسئلة والحوارات التي قادت الفلسفة المعقدة من السماء الى الشارع جعلت من الاندماج بين الأفراد وهم يرون سقراط واقفاً وسط عدد من الأفراد أو جالساً مع آخرين ، ظاهرة ثقافية مثيرة للدهشة وهذه إحدى سمات الفلسفة التي التقطتها السيدة جان هرش التي اطلقت مفردة الدهشة على كتابها الذي تؤرخ فيه للفسلفة ، ولعل مقولة المفكر المعروف كارل ياسبرز والتي أطلقها على نشاط جان هرش وقال بالدهشة التي تحرك الكائن نحو ديمومة الثقافة والذهاب نحو المعرفة وقد قال " حين اندهش ، فمعنى هذا انني أشعر بجهالي " وهذه الحكمة المشبعة بالبلاغة تفضي نحو تعريف كان للاعلان بأن الكائن الذي يندهش وهو يستمع الأسئلة أو الحوارات ، يتعرف بأنه جاهل بمعنى لا يعرف شيئاً عميقاً أو عقلانياً من الأسئلة وأجوبتها وتثير هذه المقولة إلزامات قوية ، لا بل قاسية حول جدية الحياة والدنو إليها وإدراك غوامضها والتعامل معها بوصفه كائناً عارفاً كل شيء .

وضع كارل ياسبرز توضيحاً للدهشة والدخول عبرها للطبيعة وهو نوع غريب من الحوار الذي كان سائداً في اليونان تداول الأسئلة وهذا يفضي للحاجة الماسة للأجوبة وحضور الجواب فذاذة للفرد الذي قاله ولذا اعتاد عليه الافراد . لماذا ما موجود في الأماكن هكذا ؟

اعتقد الفيلسوف كانط بأن الكائن مختلف عن الحيوان لأن الأنسان مالك لقدرة التفكير وتوجيه أسئلة نقدية .... ومثل هذه التعاملات تجعل من الكائن مدركاً وواعياً في التعامل مع الآخر واحترامه لأنهما معاً يتوافقان على الوصول كما هو مطلوب لاختبارات الأسئلة ، واحترام الكائن وإدراك ما يومئ له من أجوبة ، هي الحلول القادرة على ايضاح ما هو غامض ، وسقراط ذهب لذلك لحظة وجود الفلسفة في الأماكن العامة مع احترام وتقدير المخلوقات البشرية الفردية ــ كانط ، هو أصل السؤال الفلسفي وغاية الدهشة التي جعلت طاليس يقع في الحفرة .

***

كان طاليس أول من آثار الأسئلة والتقط أجوبتها ، حول البحث في شرح الظواهر الطبيعية التي تحيط بنا ، بينما سقراط هو الأب الشرعي للفلسفة ، لأنه من جعل الفلسفة معنية بما يعني الإنسان والجماعة ، لأن الفلسفة التي كانت قبل سقراط باحثة عن مشاكل الكون والظواهر الطبيعية ، وما ذهب اليه سقراط بوصفه عملاً عظيماً هو انزال الفلسفة من السماء كما ذكرنا وجعل مقامها الأرض ، لأن الآلهة مكانهم السماء والبشر حضورهم في الأرض وأدخل سقراط الفلسفة غرف النوم مثلما قال سارتر ، وليس في قول سقراط تعقيد فرط بل وضوح لأن الفلسفة رفيقة من يذهب للاستراحة أثناء الاسترخاء .

الفلسفة سلم متعالٍ ، مكون من القيم الإنسانية الخلاقة والمُثل ، ولم يكن ممكناً على كل شخص قادر على صعوده . لأن درجاته العالية متاحة ، لكل من يتمتع بطاقة الحوار وتبادل الأسئلة وإثارة الجدل ومن يحوز هذه الخصائص هم قلة من بني البشر ، إنهم الصفوة المماثلة للعظام التي اقترحت ديانات للأفراد ، وبين الذين أدركوا أسرار المعرفة العميقة لكن سقراط تبنى مذهباً يومئ بالمساواة بين المعرفة والفضيلة . فالحياة ، إن لم تخضع للاختبار ، لا تستحق أن تعاش . قال أرسطو إن سقراط تعامل مع كل ما يحصل واليومي والمألوف هو حاصل نتيجة لحضور العقل وهيمنته بكل ما يتمتع به من قوة وهيبة وقال : لا وجود لكائن يتعامل ضد ما هو عارف به ، ومؤمن بحضوره واذا حصل مثل هذا ، فانه دلالة قوة الجهل .

وقال سقراط للفضائل طاقة مؤثرة ، لأنها تتمظهر دفعة واحدة أولاً تبرز على الاطلاق ، وهذا يقود الرأي الى أن العقل هو الفاعل والبناء ، أما يكون بوصفه مطلوباً أو العكس . ويوضح هذا الرأي السقراطي أن الفيلسوف لديه حلم لإنتاج مفاهيم الناس وقيمهم عن الحياة وتداولاتها ، لذا قاد سقراط آليات التعامل مع الحياة عبر الجيل الذي يفضي حتماً نحو التباين والاختلاف عن النظرية ، لأن من واجب الفيلسوف أن " يعلم كيف يجب أن تعيش " .

ولأن الاستاذ علي حسين مكتنز بفضاءات الفلسفة وتنوعاتها ، نجده مهيمناً في حديثه واستطراداته التي تضفي التنوع والدهشة التي تعاملت معه هرش وكارل ياسبرز باعتباره ضرورة حيوية ومن يقرأ انجازات علي حسين يظل مندهشاً لبلاغات المحاورات والإحالة بكل ما يعزز كلامه عن الفلسفة ، ووجدت تحقق ذلك مثيراً ، عندما استعاد حضور سيمون دي بوفوار وسارتر ، كي يلتقط جوهرة كلام كاشف من عقلية سقراط حيث قال سارتر إنه تعلم من سقراط كيف يمكن للفيلسوف أن ينزل من السماء الى الأرض ، ويدخلها الى الأسواق والبيوت وغرف النوم .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top