ميكانيك الكم.. إستذكاراتٌ شخصية في سياق تأريخ ثقافي

ميكانيك الكم.. إستذكاراتٌ شخصية في سياق تأريخ ثقافي

لطفية الدليمي

إستكمالاً لمتابعتي البرنامج التلفازي (المُحايد) الذي دأب سعدون محسن ضمد (الذي حاز شهادة دكتوراه مؤخراً عن أطروحة في أنثروبولوجيا الوعي) على تقديمه من شاشة العراقية الإخبارية،

تابعتُ حلقة مميزة للبرنامج إستضاف فيها ضمد الدكتور (هشام غصيب)، الشخصية العلمية والفلسفية المعروفة في تأريخ الفيزياء وفلسفتها، تناولت الحلقة موضوعة (ميكانيك الكم) والإشكاليات الملغّزة (المكتنفة بالغرابة والفنتازيا) الملازمة لها منذ بواكير نشأتها مطلع القرن العشرين.

كانت الحلقة مميزة بحق ؛ إذ فضلاً عن القيمة العلمية والفلسفية الكبيرة للدكتور غصيب فإنّ مناقشة موضوعة غريبة مثل (ميكانيك الكم) وإلقاء ضوء على جوانبها الثقافية يعدُّ إنعطافة غير معهودة في طبيعة جدالاتنا الثقافية المعروفة، لن أسعى في الفقرات التالية لمناقشة تفصيلات محدّدة في هذه الحلقة التلفازية على الشاكلة التي فعلتها مع حلقتين سابقتين كتبتُ عنهما في باب (آراء وأفكار) ؛ بل سأستعرضُ ذكرياتي الشخصية مع ميكانيك الكم، ثمّ سأتناول فقرات محدّدة كان لميكانيك الكم تأثير مباشرٌ في إعادة صياغتها وتشكيلها، أفعلُ هذا بهدف واضح : تأكيدُ حقيقة أنّ نظرية الكم (أو كما تسمّى في العادة ميكانيك الكم) هي أكبر من نظرية فيزيائية ؛ فقد ساهمت وتغلغلت بعمق في كافة الإشتغالات الثقافية والفلسفية والتقنية حتى بات الجهل بأساسيات هذه النظرية يحسب نقصاً غير مقبول في العُدّة المفاهيمية والفلسفية للكائن المتفكّر في عصرنا الراهن.

السؤال الأوّل الجدير بأولوية تناوله هو : لماذا تغلغلت نظرية فيزيائية مثل نظرية الكم في جميع شؤون العلم والثقافة والتقنية على هذا النحو غير المسبوق مقارنة مع نظريات أخرى ؟ الجوابُ يكمنُ في أنّ نظرية الكم ساهمت أكثر من سواها من النظريات الفيزيائية في مساءلة الأساسيات الخاصة بطبيعة الوجود البشري والكينونات المتصلة بهذا الوجود (الزمان والمكان، الوعي، الواقع، طريقة إكتساب المعرفة، كيفية عمل العقل البشري،،، إلخ) ؛ بل إنّ الإشكاليات المعرفية والفلسفية الخاصة بنشأة نظرية الكم وكيفية تأويلها لاحقاُ تعدُّ إحدى الإنعطافات الثورية الأكثر إدهاشاً في تأريخ العلم بأكمله.

* * *

كانت رواية الخيال العلمي جواز مروري عبر أوّل بوّابات معرفتي المبكّرة بالعلم (الفيزياء بخاصة) ، ولستُ أغالي في شيء إذا قلتُ أنّ بالفيزياء ورواية الخيال العلمي قد نما بالوتيرة ذاتها التي كنت أقرأ بها الكلاسيكيات الأدبية العربية وغيرها، ومن المؤكّد أن أعمالاً مثل (حول العالم في ثمانين يوماً) لجول فيرن، أو (آلة الزمن) و (حرب العوالم) لهربرت جورج ويلز، أو (أوديسا الفضاء) لآرثر كلارك قد شكّلت منبعاً ثرياً ورافداً مهماً من روافد الذائقة الأدبية التي قُدّر لها لاحقاً أن تغدو حرفة أدبية راسخة.

نما شغفي مع السنوات بالمعرفة العلمية العلمية وبخاصة الفيزيائية والبيولوجية منها، واستحال هذا الشغف مع تعدّد القراءات نوعاً من المعرفة التي تتجاوز حدود الثقافة العامة، وقد تسنّى لي - لحسن الحظّ - قراءة أعمال الكاتب (إسحق أسيموف) منذ وقت مبكر وتملّكتني الدهشة لقدرته الفائقة في تحويل الموضوعات العلمية إلى سرديات درامية شبيهة بالسرديات الروائية، وأستطيعُ القول بثقة أنّ (أسيموف) هو أحد الكُتّاب الكبار الذين فتحوا أمامي مغاليق العلم وحبّبوه لي. زخرت كتابات (أسيموف) بمفاهيم علمية كثيرة أغلبها ذات طابع فيزيائي، وقد جوّد الرجل كثيراً في وصف هذه المفاهيم وشرح المترتّبات الفلسفية التي تنشأ عن هذه المفاهيم عبر نماذج تخييلية تدعى (تجارب فكرية Thought Experiments)، وكان مفهوم (الأنتروبيا Entropy) هو أكثر المفاهيم التي أحببتها وبخاصة أنها تعتبر مقياساً لمقدار العشوائية في أي نظام فيزيائي، وشغفت كثيراً بشرح أسيموف للفكرة القائلة أن الأنتروبيا تميل للتزايد مع الزمن بغياب المؤثرات الخارجية على النظام الفيزيائي ولهذا باتت تعتبَر مؤشّراً لإتجاهية الزمن – تلك الإتجاهية التي ستصبح مع ميكانيك الكم مثار جدالات علمية مثيرة.

جاءت معرفتي التقنية الأولى بميكانيك الكم عام 1977. كنتُ قبل ذلك التأريخ أسمعُ بنظرية الكم فأحسبها شبيهة بنظرية نيوتن في الحركة والتي تحكمها قوانين ثلاثة. صحيحٌ أنني سمعتُ بنظرية الكم في سياقات وحيثيات معرفية مختلفة (مثل نظرية واقعية الكم في الرسم التي ابتدعها الفنان العراقي محمود صبري) ؛ لكنما بدأت معرفتي الحقيقية بالأصول الأولى لنظرية الكم عام 1977 (وبالتحديد في شهر أيلول منه) عقب قراءتي لكتاب صغير الحجم لكنه عظيم الأثر في مفاعيله. كان عنوان الكتاب الصغير بغلافه الأزرق الجميل (فلسفة الفيزياء)، ألّفه الدكتور الراحل طيب الذكر (محمّد عبد اللطيف مطلب)، وكان ترتيب الكتاب هو الثاني في سلسلة (الموسوعة الصغيرة) التي بدأ نشر أعدادها في شهر آب من ذلك العام. سجلّ نشر هذا الكتاب بعنوانه المثير غير المسبوق في ثقافتنا العراقية الشعبية السائدة إنعطافة مفصلية في المعرفة العلمية لدينا بالنسبة لي في أقلّ تقدير، وساهم في تقديري للكتاب معرفتي بمؤلّفه الدكتور مطلب الذي كان يطلُّ بين الحين والآخر في برنامج (العلم للجميع) للراحل طيب الذكر (كامل الدباغ) للحديث عن موضوعات في الفيزياء النووية أو الجسيمات الاولية أو إكتشافات عناصر جديدة. ربما سيكون مفيداً في هذا المقام أن أشير إلى أنّ الدكتور الراحل مطلب هو أحد القلائل الذين حصلوا على شهادتيْ دكتوراه من جامعات ألمانية : الأولى في الفيزياء النووية، والثانية في فلسفة الفيزياء.

كتب الدكتور مطلب في تقديمه للكتاب هذه العبارات الرائعة التي أظنها قادرة على شحذ كلّ العقول الشغوفة بالفيزياء :

(تَخفى العلاقة بين الفلسفة والفيزياء - وعلوم الطبيعة عموماً - على الكثيرين من طُلّاب هذه العلوم والمشتغلين فيها، وليس من النادر أن تعتبر الفلسفة ترفاً فكرياً أو انشغالاً غير منتج لالزوم له.)

إستهدف هذا الكتابُ إيضاح العلاقة بين الفيزياء والفلسفة، وبحث المسائل الفلسفية المتصلة بالفيزياء لاسيما تلك المسائل التي أثارتها الفيزياء الحديثة ؛ ولو أنّ بعضها يتجاوز في مداه حدود الفيزياء.

يجب القولُ أننا لانستطيعُ اعتبار البحث العلمي / الفلسفي في العديد من هذه المسائل منتهياً ؛ بل أنّ هذه المسائل تتطلبُ مواصلة البحث، كمسألة الحتمية وعلاقتها بالقوانين الإحصائية، ومسألة اللانهائية في الفيزياء والكوسمولوجيا والرياضيات والفلسفة، ولاشكّ أنّ النقاش حولها سيساعد على الاقتراب من حلولها العلمية......)

ضمّ الكتاب ستة فصول، تناول المؤلف في الفصل الرابع مناقشة المسائل الفلسفية في النظرية الكمومية (كان يسميها النظرية الكوانتية).

عمد المؤلف بعد ثماني سنوات إلى تنقيح الكتاب وإثرائه بمسائل فلسفية/ فيزيائية جديدة ؛ فكان أن أعيد نشرُ الكتاب المنقّح والموسّع بجزئين ضمن سلسلة الموسوعة الصغيرة عام 1985، وصار عنوان الكتاب الجديد (الفلسفة والفيزياء) بدلاً من (فلسفة الفيزياء) في نسخته الأولى .

أودّ الإشارة هنا إلى أنّ الكتاب بطبعتيه الاولى والثانية متاحٌ على النت بصورة مجانية، وأظنه سيكون تذكرة طيبة بجهد الراحل الدكتور مطلب، وأظنُّ أنّ هذا الكتاب فريد لقدرته الاحتفاظ بأهميته وراهنية تأثيره في التشكّل العلمي/ الفلسفي لقارئه رغم العقود العديدة التي مضت منذ صدوره.

كثيرةٌ هي الأوقات التي إختبرتُ فيها متعة معرفية كبرى عند قراءتي لكتاب يتناول العلاقة بين الفيزياء والفلسفة، كانت قراءتي لكتاب الراحل الدكتور مطلب هي خط الشروع ؛ لكنّ قراءاتي اللاحقة جاءت مكمّلة لجهد شروعي الاوّل، وربما كانت قراءتي لكتاب (فلسفة الكوانتُم) الذي ألفه فيلسوف العلم الفرنسي (رولان أومنيس) وصدر مترجماً عن سلسلة (عالم المعرفة) الكويتية عام 2008 أقرب الأمثلة التي ذكّرتني بكتاب الدكتور مطلب، ثمّ تكاثرت القراءات وتنوّعت واخترقت مجالات علمية وثقافية عديدة وبخاصة في أعقاب التفجّر المعلوماتي الذي إنطلق بوتيرة غير مسبوقة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

ربما ليس غريباً على كلّ من يتابع منشوراتي - تأليفاً وترجمة - أن يشهد شغفي المقصود في إشاعة الثقافة الكمومية في كلّ المباحث العلمية والفلسفية وبالقدر الذي أستطيعه.

* * *

ألقى شرودنغر (1887 – 1961) عام 1952 محاضرة عامة في مدينة دبلن (العاصمة الإيرلندية) حذّر فيها مستمعيه من أنّ ماسيقوله في هذه المحاضرة قد يبدو ضرباً من الجنون بعض الشيء، ثم مضى في تأكيد أنّ حلول معادلته الشهيرة (معادلة شرودنغر) التي جاءت له بجائزة نوبل إنما تصف تواريخ مختلفة عديدة (أي عوالم متعدّدة بالمعنى السائد في اللغة غير التقنية)، والمثير في هذه العوالم أنها ليست بدائل عن عالمنا الذي نعرف بل هي عوالم حقيقية تعمل بصورة متزامنة. جاءت إشارة شرودنغر هذه لتكون واحدة من أبكر الإشارات إلى مفهوم العوالم المتوازية (أو المتعددة) الذي وضعه هيو إيفيريت في أربعينيات القرن الماضي ثم دعمه فيزيائيون عديدون من أمثال برايس ديويت و جون ويلر ؛ أما في العقدين الأخيرين فيعتبرُ ديفيد دويتش أحد كبار الفيزيائيين الداعمين لنظرية العوالم المتعددة، وقد عرض آراءه حولها في كتابه:

(نسيج الواقع The Fabric of reality) الذي يراه الكثير من فلاسفة العلم كتاباً تأسيسياً لنظرية المعرفة الحديثة. ربما يتصوّر بعض القرّاء أنّ هذه الآراء ليست سوى شطحات فكرية لبعض علماء الفيزياء النظرية ؛ لكن هذا التصوّر سيتراجعُ إذا ماعرفنا أنّ دويتش هو مؤسّس فكرة الحوسبة الكمومية التي يُعوّلُ عليها في تخليق الحاسوب الكمومي ذي الإمكانيات الجبارة بالمقارنة مع الحاسوب العادي المألوف.

يرتبط ميكانيك الكم لدى الأغلبية بنوع من الغرابة والأوهام التي صارت قطّة شرودنغر (نصف الحية ونصف الميتة) مثالاً قياسياً لها ؛ ولكن هذا الأمر يتفق كثيراً مع الطبيعة المحيّرة للمفاهيم الوجودية الكبرى المؤثرة في حياتنا. حياتنا ذاتها قد لاتعدو أن تكون وهماً بمعنى أنّ مانحسبه حقيقة راسخة ليس سوى مواضعة سايكولوجية تتباين بحسب الأفراد تبعاً للأمثولة الفلسفية القائلة (نحن لانرى العالم كما هو ؛ بل نراه على الحال الذي عليه نحن !). لاحدود لسلسلة الأوهام التي يمكن أن نختبرها في حياتنا إلى حدّ صارت معه المفاهيم الفيزيائية الوجودية الأولية (الزمان، المكان، الوعي،،،) أوهاماً كاملة تتقاطع مع رؤيتنا البديهية لها بحسب مايرى معظم الفيزيائيين الذين باتوا يرون الوجود أقرب إلى محاكاة حاسوبية كاملة محكومة بقوانين فيزياء الكم الغريبة.

يمثلُ ميكانيك الكم في العلم المعاصر والثقافة المعاصرة جسماً معرفياً رفيع الطراز يسعى لتحقيق نمط خاص من التشبيك المعرفي بين الجبهات العلمية والثقافية المتقدّمة، ولابأس من إيراد مثال نوعي في هذا الميدان : كتب الفيزيائي البريطاني اللامع روجر بنروز (الذي تشارك جائزة نوبل في الفيزياء عام 2020 مع إثنين من الفيزيائيين) كتاباً أسماه " عقل الإمبراطور الجديدThe Emperor’s New Mind " تناول فيه التداخل المعرفي بين الفيزياء الحديثة (ميكانيك الكم على وجه التخصيص) وموضوعات الوعي والإرادة الحرّة وميكانيكية عمل الدماغ على المستوى الكمومي الدقيق ؛ فأبان لنا بطريقة ساحرة كيف تتداخل الفيزياء المعاصرة مع المباحث الفلسفية تداخلاً بنيوياً حتى لم يعُد ممكناً تصوّر وجود فلاسفة أصلاء من غير أن يحوزوا تدريباً معقولاً في الفيزياء والرياضيات، وربما كانت معضلة (الوعي) واحدة من أعقد الفضاءات التي تتداخل فيها الإشتباكات المعرفية، وربما كانت رؤية بنروز في كون الوعي البشري حالة من حالات الوجود الكمومي الخاضع لقوانين ميكانيك الكمّ هي التي أهّلته لحيازة صفة الموسوعية فضلاً عن كونه أحد أهمّ فلاسفة العلم في وقتنا الحاضر.

ميكانيك الكم (والفيزياء الحديثة بعامّة) ميدان سحر حقيقي لمن يثمّنُ مكامن السحر في العلم المعاصر والفلسفة المعاصرة والعلاقات المشتبكة بينهما، وأحسبُ أنّ من لم يتوفّرْ على شغف حقيقي بهذا المبحث المعرفي هو إنسانٌ خسر بعض أجمل الكشوف المعرفية التي يمكننا بلوغها في هذا العالم .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top