احترام الكرامة الإنسانية شرط مسبق للدولة الراعية لحقوق الإنسان

آراء وأفكار 2021/05/18 10:10:48 م

احترام الكرامة الإنسانية شرط مسبق للدولة الراعية لحقوق الإنسان

 د. أحمد عبد الرزاق شكارة

إن احترام الكرامة الإنسانية في بلدنا "العراق" تعد ولاشك شرطاً مسبقاً لقيام مجتمع - الدولة الراعية بمهامها الدستورية – القانونية – السياسية – الأمنية والمجتمعية – الاقتصادية في إطار جيوسياسي –عملي يغطي مناطق وجود الشعب العراقي في كافة أرجاء البلاد.

ما شهدناه ونشهده من مشكلات وأزمات متلاحقة وغير متيقن منها بحاجة أولاً لرؤية ستراتيجية تضع في الاعتبار أهمية وأولوية صيانة واحترام الكرامة الإنسانية التي أخترقت في أكثر من ميدان أو قضية كونها ترتبط بحماية حقوق الإنسان وحرياته الإساسية.

وثانياً إلى الحاجة الملحة الى تحديد مناسب للمفهوم العام للكرامة الإنسانية رغم صعوبة تبيان مضمونه التفصيلي من خلال تعريف نسبي يمكن قياسه بطرق متعددة. علماً بإن التقدير الدقيق للحاجة لإحترام الكرامة الانسانية يجب تقييمها عملياً وليس بصورة شكلية مجردة. بدءاً يجب التمييز بين دولة الرعاية الاجتماعية والدولة الراعية لحقوق الإنسان التي تعطي للكرامة الإنسانية مفهوماً حقوقياً – معنوياً ومادياً أكثر إتساعاً واستجابة للنوازع البشرية.

بشكل عام، للكرامة معانٍ متنوعة تماثل سمات إيجابية نتطلع دائماً للحصول عليها مثل : اللياقة المدنية، النزاهة – الأمانة، الشرف، الأخلاقيات وفضائل القيم، المجد، العظمة المعنوية وغيرها.

إن صيانة واحترام الكرامة الانسانية يتمحور حول إستثنائية الاعتناء بنوعية السلوك والنشاطات التي يعتمدها صناع القرار عند التعامل مع الآخرين، ترتيباً على ذلك لابد من تهيئة وطنية واسعة لمناخ مجتمعي – بيئي مناسب للثقة المتبادلة بين الشعب العراقي بكل فئاته وشرائحه المجتمعية – الاقتصادية – الثقافية ومؤسسات الدولة التي ينتظر منها تعاوناً وتنسيقاً مع العراقيين كافة وإينما حلت بهم مراكب الإبحار من أجل إيجاد حلول ناجعة لمشكلاتهم الراهنة والمستقبلية بصورة تحد نسبياً من تصاعد الأزمات وتراكمها بشكل يقلل من فاعلية الاستجابة من جهة ويفتح الباب لمتابعة النتائج التي يفترض أن تنعكس إيجاباً على نوعية ومستوى حياة شعبنا.

إن أول شعور وتفهم للمعنى ينطلق من العمق النفسي - الذاتي للمواطن في التعبير عن الاحتياجات المعنوية – السايكولوجية التي لايمكن وزنها أو تقييمها مادياً لأنها ببساطة تخص مجموعة المشاعر والاتجاهات والتوجهات الإنسانية للفرد وللجماعة تتمحور حول الاحترام – التقدير والقيمة الذاتية للفرد أو للجماعة تجاه القضايا مدار الاهتمام الإنساني التي تستوجب رعاية مستدامة من الدولة الراعية - دون تأخيرأو بيروقراطية مقيتة أو الانتماء لأحزاب الطوائف والمذاهب أو غيرها من الولاءات الثانوية - وبشكل يغطي الأبعاد والطرق السلوكية في التعامل بين مؤسسات الدولة وكافة شرائح الشعب العراقي دون تمييز أو تمايز من أي نوع كان، القرآن الكريم عرّف الكرامة الإنسانية بصورة جلية : "إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم"، كما أن البابا فرانسيس هو الآخر عرف الكرامة الانسانية على أنها متساوية للبشر جميعاً"، لذا "عندما تدعس على كرامة الآخر فأنت تدعس على كرامتك ذاتها". من منظور شرعة القانون الدولي العام التي أكدتها وثيقة حقوق الإنسان العالمية للعام 1948 : إن الناس متساووين في الكرامة والحقوق تسكنهم العقلانية والضمير يتعامل بعضهم مع الآخر بروح الأخوة الإنسانية (المادة الأولى لوثيقة حقوق الإنسان العالمية). ترتيباً على ذلك، جميع سكان المعمورة رفعوا شعار محبباً للنفس "أن كل إنسان يتمتع بإهمية متساوية مع الآخر، الأمر الذي يوفر حماية متساوية للبشر في كل الميادين والعناصر التي تمكن السكان من حق البقاء والحياة الإنسانية الكريمة". علماً بإن مايقابل الحقوق والحريات إلتزامات أو مسؤوليات يقتضي أداؤها بكل أمانة ونزاهة كي يستحق المسؤول لقب "سيد القوم خادمهم".

تصدق الكاتبة عفاف مطر في مقال لها بعنوان "كرامة غالية في فندق خمس نجوم (Five Stars) : " إننا في بلادنا العربية ننسى معنى الكرامة، نحن لا نمارس الكرامة لهذا ننساها ونتنازل كثيراً حتى أصبح التنازل غير محسوس وغير مرئي نحن نتنازل عن احترامنا في دولنا كثيراً وننسى أن الاحترام يوازي الكرامة.." ضمن هذا الإطار العام تطرح تساؤلات في العراق محورها هل يتمتع العراقيون بالكرامة الإنسانية في حدودها الدنيا ؟ الجواب يأتي بالنفي وليس هذا بمستغرب كنتيجة طبيعية لمسارات تاريخية مؤلمة – حقاً - حملت شعبنا أثقالاً وأعباءً مادية ومعنوية ضخمة "تاريخية – سياسية - مجتمعية – إقتصادية" أعادت طرح موضوع الكرامة الإنسانية في حقول وميادين مختلفة تختص بالبعد الجيوسياسي والاقتصادي بل والأخلاقي في المقام الاول. بدءاً من الفئات والشرائح العمرية التي تغطي مراحل الطفولة والشباب الذين يجدون آمالهم وطموحاتهم في العيش المكرم الكريم بعيدة عن المنال بل أن الواقع يشير إلى أنه وكلما مضى وقت دون أن تتحسن ظروفهم المعاشة – المعيشية نجد مزيداً من الصعوبات في طرق استيعابهم ضمن قوة العمل المنتج خاصة وأن حالات التطرّف - العنف، وإنتشار الجريمة بشتى صنوفها تتصاعد وستتصاعد ما يضيف بدوره سمعة غير طيبة للعراق تحتاج لمن يحاول من صناع القرار أو المسؤولية الوطنية إزالتها أو إبعادها عن مسرح الدولة المدنية التي يفترض أن تقدم مثالاً أو إنموذجاً إيجابياً يمكن الاقتداء به أو السير على خطاه، علماً بإن تضحيات الشباب العراقي عبر مختلف المراحل الزمنية لبناء العراق الحديث لاتقدر أو تُقيّم بثمن مهما بلغ الأمر من قيمة مادية أو معنوية حيث قدم هؤلاء الشهداء والجرحى ارواحهم على أكفهم في معارك الحروب ومن ضمنها الأخيرة ضد داعش الإرهابية حفاظاً على الكرامة الانسانية لكل العراقيين، أما وبعد أن تم إحتواء الحرب الضروس ضد داعش فإن معارك المتابعة للتخلص من بؤر الارهاب الداعشي مازالت مستمرة في المناطق الرخوة للعراق منذ الأشهر الثلاثة او الاربعة الماضية ما يعطي أنطباعاً أو تصوراً بأنه لابد عقب أنتهائها سريعاً أن يتم التخطيط الستراتيجي وفقاً لمنهج أو توجه علمي – واضح المعالم – بإتجاه ترقب أو توقع إنخراط هؤلاء الشباب في معركة بناء العراق بعيداً عن توجهات متطرّفة أو فئوية – مصلحية ضيقة الأفق لاترغب ببناء عراق سعيد يتمتع أبناؤه جميعاً بغض النظر عن ألوان طيفهم الجميل بكرامة إنسانية مستدامة. صور أخرى من الاهتمام المعمق بالكرامة الإنسانية ترتبط بتوفير كل أنواع المساعدات المادية والمعنوية لكل متضرري الحروب من اللاجئين والنازحين الذين وصلت أعدادهم الى أرقام فلكية هؤلاء فقدوا أعزائهم، ممتلكاتهم ومواطن سكناهم الأصلية "ليس من باب تقديم أموال الصدقات بل من منطلق قيمي – أخلاقي يمكن أن يعبر عنه بعبارة شائعة : "عزيز قوم ذل" ولابد أن لايضام كثيراً، الأمر الذي ينطبق على مختلف صور المآسي الإنسانية في العراق وفي بعض دول الجوار أيضاً حيث أخذت المآساة أبعاداً إجتماعية – إقتصادية وثقافية وتربوية خطيرة تصور يأخذنا إلى كل زاوية أو مفترق طرق صعب نجد فيه فئات محرومة- في كل أنحاء العراق - من أبسط مستلزمات الحماية والأمن الذاتي والمجتمعي حيث العيش الكريم والمكرم أو قد تكون معرضة للمخاطر المتنوعة "المجتمعية الصحية – البيئية – الاقتصادية –الثقافية – التربوية – التعليمية وغيرها، على رأسها فئات : الأطفال، الشباب وكبار السن من الجنسين حيث تبرز المعاناة الانسانية على أشدها مع يتبعها من إنعكاسات سلبية خطيرة على الحياة الانسانية برمتها. ترتيباً على ما تقدم، لابد لمجتمع – الدولة الراعية أن يتلزم كل من يقطن فيه أن يتحمل مسؤولية إجتماعية – إقتصادية –ثقافية – تربوية – تعليمية – علمية – تقنية أو قل ستراتيجية أن يجنح لتوفير مستوى راق مدنياً - نوعياً للحماية والرعاية وللتنمية المجتمعية المخطط والمراقب لها جيداً من قبل صناع القرار بقصد متابعة تنفيذه كل الاجراءات التي تستعاد من خلالها جزءاً ولو يسيراً مهما من الكرامة بشكل دقيق بما يحفظ كرامة كل شخص مهما كان إنتماؤه الديني – المذهبي – العرقي والجهوي، إن الاخفاق في إحترام الكرامة الانسانية لن يتيح للمجتمع وللدولة العراقية أن تتصدر قوائم التنمية الانسانية المستدامة كما ولن تتحقق التنمية المجتمعية – الديمقراطية – الانسانية المنتظرة في ظل دولة المواطنة ما يعرف بالدولة الراعية التي توفر العدالة الاجتماعية – القانونية –القضائية للجميع دون تمييز أو تمايز. أي نجاح في مجال بناء وتنمية المواطن على أسس سليمة – تربوياً وعلمياً سيمكن العراق من إطلاق إبداعات طاقاته المتجددة عالمياً – إقليمياً ووطنياً تمكن العراق من أن يستعيد جزءاً ميسوراً من ألقه الحضاري.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top