الهروب.. احتلال داعش لمدينة الموصل وتداعيات هذا الحدث

الهروب.. احتلال داعش لمدينة الموصل وتداعيات هذا الحدث

كافي لازم

سأل أحد الإخوة الفنانيين الخليجيين عن الدراما في الخليج فقال نحن لم نمر بأحداث كبرى في مجتمعنا وتاريخنا المعاصر فلا مشاكل كبيرة لدينا ووضعنا الاجتماعي مستقر لذا نصنع الدراما بصعوبة بالغة وننجح.

فكيف بحال العراق المجتمع الكبير ذي التاريخ العريق الممتد لآلاف السنين والذي لن يهدأ فكأن لب الصراعات العالمية تحدث في هذه الارض بل وكأن هناك غضباً إلهياً على هذه المنطقة، وإن حدث يوم إشعاع هنا أو هناك يتكالب طغاة الأرض لأطفائه بكل قوة وجبروت ويوغِلوا بتفنن لتعذيب أبناء هذا الوطن.

وإن المسلسل الذي أمامنا (الهروب) يحتاج الى أكثر من وقفه وإن أتى متأخراً نوعاً فهو أفضل من أن لا يأتي.

مع أن الموضوع كبير وخطير ولا يمكن أن يستوعبه مسلسل ب15 حلقة إلا أن المخرج والمؤلف حاولا جاهدين لتقديم ما يمكن تقديمه لهذا الحدث الخطير وهو احتلال داعش لمدينة الموصل وتداعيات هذا الحدث على المجتمع الموصلي.

الحياة هنا تسير بشكل طبيعي وحسناً بدأ المخرج العمل بالحلقة الأولى في بناء درامي صحيح من حيث تسليط الضوء على شخصيات العمل وانتماءاتهم الاجتماعية والطبقية في حوار سلس واستلام سليم بين الممثلين في تلقائية جيدة. وهذا مهم لتهيئة المتلقي لاستيعاب الحلقة القادمة والتي تبدأ أحداثها بإحتلال داعش وانعكاسات هذا الاحتلال على عائلة موصليّة كنموذج لما جرى بالمجتمع الموصلي من أهوال كارثية.

هذه العائلة تعيش بسلام ومحبة وهدوء تتكون من أم وابن وبنتين تتزوج إحداهن وسرعان ما تُقتل هذه الفتاة و زوجها وأولادها على يد يد داعش الا أن الاخت الأخرى يلاحقها شاب طائش ذو أخلاق سيئة(قبل سقوط الموصل) لكنها ترفضه وتتزوج رجل كادح يعمل في محل نجارة ألا ان هذا الشاب الطائش (نوفل) وقد أدى دوره الفنان (مهند هادي) استغل دخول داعش والانتماء اليه للحصول على هذه الفتاة وإذلالها هي وعائلتها وقد وصل درجته بأن يكون نائب والي المنطقة(قام بأدائه الفنان القدير مقداد عبد الرضا) ويده اليمنى الضاربة.

تظهر كثير من الشخصيات الفاعلة في المسلسل فالضابط البطل في الجيش العراقي(قام بأدائه الممثل الصاعد مرتضى حبيب) قرر مواجهة داعش وحده بعد أن خذله الآخرون وقد قاتلهم بحرفية الضابط المتدرب بشكل جيد على هكذا معارك بالاشتباك القريب وقد قتل الكثير منهم إلا أن نفاد ذخيرته وعددهم الكبير أدى الى مقتله وقد مثلوا بجثته وعُلقت في الساحة العامة.

وهناك شخصية حسان (أداء الفنان حسن هادي) الشخصية الطيبة الأصيلة التي جازفت بحياتها لانقاذ الكثير من أبناء المنطقة لغرض تهريبهم بسيارتة التكسي وكأنه (زيبق) يتنقل هنا وهناك بسرعة فائقة ليستعمل ذكائه لخدعة الدواعش بأي وسيلة لتخليص الناس ونجح كثيراً إلا أنه لم يسلم من عذابهم في دهاليز سجونهم وتمكن من الهروب. ليعاود خدمة أهالي المدينة وأجاد هذا الدور بشكل رائع وجميل هذا الفنان.

وشخصية مهمة أخرى هي إمام الجامع رجل الدين المعتدل والذي يفهم الدين الإسلامي بأنه دين الرحمة والسلام وهو الآخر لم يسلم من التهديد والوعيد وأصبح بيته مأوى لكل من يحتاج الحماية وقد أدى الشخصية الفنان القدير (سامي قفطان) بقدرة عالية وبأمكاني القول هنا بأن الفنان سامي قفطان قد وجد مكانه الإبداعي في هكذا شخصية بعد أن تخلى عن الشخصية النمطية المكررة وكان بمنتهى التألق، أما الفنانة إيناس طالب (بطلة العمل) فقد بدأ أداؤها يتصاعد بعد الحلقة الثالثة فهي تمثل المرأة الموصلية الصامدة التي رفضت مغادرة المدينة وأصرت على التحدي بعد أن فقدت زوجها واختها وأولادها وقررت أن تتنكر بشخصية أخرى والانتماء الى داعش وذلك للانتقام من زعيمهم ومساعده (نوفل) الذي دمّر حياتها وحياة أسرتها عندما رفضت الزواج منه وقد نجحت في إرباك صفوفهم وكانت في المشهد الاخير منتهى التألق والإبداع.

كذلك الفنان القدير مقداد عبد الرضا الذي أطل علينا بعد غياب طويل بأداء شخصية جديدة لم تتطرق لها الدراما العراقية سابقاً ألا وهي والي المنطقة التي يحكمها داعش كانت شخصية سلسة وهادئة (حكيمة) في السلوك والتصرف لكنهم يخفي في داخله كل الحقد البغيض على أهل المدينة وشبابها والأمر بتعذيبهم والتمثيل بهم كذلك هوسه الجنسي رغم أنه عاجز لكبر سنّه.

لم يستخدم الفنان مقداد عبد الرضا الصيغة التقليدية لأداء الدور الإجرامي في تشكيل تعابير الوجه والحركات الإيمائية وتغير طبقة الصوت بل كان طبيعياً يخفي في داخله الروح الإجرامية، إذ هو شخصية مركبة وتعاني من مرض نفسي وكان أداؤه بمستوى هذا الفهم الذي الغى شخصية المجرم التقليدية في ذهن المتلقي.

أما الممثل مهند هادي(نوفل) سيواجه وضعاً محرجاً له أمام الجمهور بعد انتهاء العمل حيث أدى الشخصية المجرمة بإحترافية عالية فقد أوغل بتعذيب الآخرين حتى من كان صديقاً له أو جاراً بعد انتمائه للتنظيم.

وقد ظهرت الفنانة سمر محمد بدور الأم بأفضل حالاتها وسجلت في مسيرتها الفنية بصمة فنية لا يمكن نسيانها.

رغم الاداء المتفاوت للممثلة (كادي) بدور أم مازن إلا أننا نتخيل هذه الشخصية بعمر أكبر مع معاناة من قلة الجمال والعنوسة والغيرة وكثيراً من القساوة.

كان اختيار اسم الخنساء لإحدى الداعشيات غير موفق وبغير محله.

لم نر الكثير من ممارسات داعش بين الناس وكيف يحكمون على الميت بلا إكرام وفي الاسواق وأخذ الأتاوات وكذلك لم نرَ المقاتلين العرب أو الأجانب ولا حتى جهاديات النكاح . لقد حاول المؤلف(علاء الفارس)- وهو ممثل أيضاً في دور قصي - وحسناً فعل عندما حصر العمل بهذه العائلة وفي منطقة أو حي واحد وإلا لا يمكن حصر ما جرى في الموصل من أفعال من قبل داعش وهناك مئات القصص والحكايات مع أننا لم نسمع في العمل لهجة أهل الموصل المحببة بل ولا حتى اللكنة الموصلية إنما بالعكس سمعنا مفردات من أهل الجنوب في الحلقات الأخيرة لا سيما كلمة (خوية). لا شك أن هناك جهداً مبذولاً من المخرج (أحمد زنكنه) في تصوير الأمكنة وبناء الديكورات التي تحاكي المنطقة رغم أننا لم نرَ معالم الموصل التأريخية. وكان لابأس من دعم المسلسل بأفلام تسجيلية بكيفية تدمير المعالم الأثرية وكذلك دخول الجيش العراقي وتأمين الممرات الآمنة وتعامل الجيش مع الأهالي.

أما الموسيقى التصويرية (وهي تأليف الموسيقار الكبير نصير شمة) لها الكأس المعلّى في تصوير الحالات الفكرية والنفسية لجميع المشاهد...

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top