الفن في عصر اللا حقيقة(2)

الفن في عصر اللا حقيقة(2)

(عندما نعتقد بأن المعلومات تنتج المعنى، يحدث العكس. فالمعلومات باتت تلتهم محتواها الخاص. تلتهم الاتصالات والعلاقات الاجتماعية. هذه الملاحظة صالحة اليوم - حتى ولو كان تويتر وليس التلفزيون هو الذي يقود التهمة)
جان بودريار

علي النجار

مهنة الفن المعاصر، نعم هي مهنة، باتت تخترق مجال قطاع الترفيه المتنامي بادراك واضح لوظيفتها الجديدة. كما موسيقى البوب والأزياء والأفلام واختفاء بصمة الفنان الذي يتحول عمله لادارة ورشة تحويل وتغريب أو تضخيم و تزويق لمقتبسات جاهزة كما مهنة الأمريكي(جيف جونز) المنحدر من عالم مضاربات المال(وول ستريت)والذي شاهدت له عملا قبل عامين في إحدى ساحات شيكاغو، حسبته وقتها كأنه مجرد لعبة مزوقة ضخمة ما أن تنفخها حتى تطير. فهل نحن في مدينة ملاهي، أم نحن أمام عمل استعراضي نفعي، أم ان الثقافة الأمريكية الداعمة تخلت عن إنتاج الرصانة التي تؤهل عملا فنيا من احتلال مكانه ضمن فضاء هذه المدينة المهمة المشهورة بعمارتها الرصينة التي تفوق نيويورك بتنظيمها، ولو أن الرصانة نفسها مشكوك فيها وسط اختلاط المدلولات والمفاهيم في زمن سعى لزراعة الشك في كل مفاصل ثقافتة (الليبرالية) ذات الاتجاه الانتكاسي. لكن، ربما بإمكاننا ان نحسب بأن هذا العمل النصبي الفنطاسي ينتمي للـ(البوب الأمريكي المتأخر). مع ذلك فأنا أجده وبشكل من الأشكال ينتمي للمهنة والصنعة الفنية. وما بين المهنة والابداع فروقات كبيرة، ما دام إنتاجا مصنعيا تجميعيا مفكرا به ليخدم هدف تجاري فني في نفس الوقت. وما دام الفنان نفسه يعترف بأنها مهنة امتهنها لأجل الشهرة والربح. مهنة صنعت منه نجما جاهزا عند الطلب في بلد يفضل الطلب الفوري(دلفري) على كل شيء. مع كل ما اثير حول أعماله من شكوك، أو حتى عدم قبول في العالم الغربي.

غالبا ما يمتاز العمل الفني بتواشج عناصر مفرداته من فكرة ومواد وألوان وأصوات مختلفة ومن حركات وايقاعات مع الملاحظات والمحاولات لتحويلها الى عمل أو شكل مبتكر، صورة، لحن، مشهد، انشاء، رسم ..، الخ. لكن يبقى الادراك شيء آخر، مأزق غريب بين الوجود والظهور، بين استحالة نفي ما نراه أو نسمعه، والشك المزمن حول ما يظهر لأعيننا أو آذاننا. فالجماليات، كإدراك غريزي ومعرفي لا تعني بالفروق ما بين الحقيقة والخطأ، لأنها تنأى عن الاثنين. واعتقد في زمننا هذا غالبا ما تكون الأفضلية للألفة المصنعة بمواصفات فنية. فقد بات المصنع الفني يعج بآلاته التصميمة الرقمية، للحد الذي تحولت فيه هذه الاختصاصات(الفنية المصنعية) الى حلم الأجيال الجديدة الوظيفي(وظيفة تدر دخلا عاليا). وبات العمل الفني(في حداثة البصمة الخاصة) كما عهدناه للحقب القريبة الماضية ينظر اليه في المحافل الفنية كندرة أو ربما يتحول الى أثر مستقبلا. فالمصنع بات يلتهم ما تبقى من المساحة الفنية التي تمتلك شروطها الإبداعية المتوارثة والمتناسلة والمبتكرة. وللمصنع شروطه التي تتعارض ومساحة التأمل التي عهدناها في أعمال الأجيال الفنية على امتداد العصور. فان كانت الكامرة لم تستطع القضاء على النتاج الفني التشكيلي لفترة ما. ولتصبح أعمالها الصورية مرادفة وليست مستحوذة لاحقا. لكننا نخشى ان تلتهم الصناعة الرقمية ما تبقى من ابداع فني ذاتي، وهو جوهر العملية الفنية. ولنا في صناعة الأفلام التي تأخذ منها الرقمية الغرائبية مساحة واسعة، لا لشيء الا لتدخلنا في عصر الا واقع والا حقيقة والتضليل والفنطاسيا الايهامية الخارقة.

ما دام الاتجاه الجمالي في الرسم المعاصر، والفن عموما يتجه بتسارع للغرابة باعتماده اللعب تجسيدا على أجزاء الجسم وبوضعيات خارج المألوف مثلا، وكما تحريك الجمادات واللعب الحر بكل مفردات العمل المشهدية بحرية مطلقة وفرتها التقنيات الرقمية وملحقاتها، بهدف اللعب على الحواس، لا على الادراك والحدس. كذلك تحويل المدنس الى مقدس بنوايا دمقرطة جاهزة ومضمرة، مع الاشتغال على العاطفة كهدف نهائي. ونحن نعلم بان اعمال العاطفة غالبيتها متهافتة. إذا ليكن الأمر هكذا، فهو الرابح في سوق الطلب والعرض. وهو حقيقتنا الجديدة التي لا تعلو عليها حقائق أخرى. ما دام السعي لتسطيح العالم مستمرا، وبدون اثارة ذعره بالحقائق المطموسة. لكن، اليست العولمة اعترافا بثقافة الأطراف كادعاء عام. حسنا انتهى الأمر فباتت الأطراف مركزا لا حاجة لنا به من جديد. اليس الربيع العربي من بعضها. يا للمثل السيء!.

لا أعرف من قال(الأكاذيب هي جزء من الحمض النووي للمجتمع الحديث). لكني أعتبر هذا القول صحيحا تماما. وأنت تبيع بضاعتك لا بد لك من أن تكذب. ولكن هل البيع مقتصر على البضاعة الاستهلاكية، ما دام الفن والثقافة المعاصرة دخلت السوق من أعرض أبوابه. مع ادراكنا لما وراء السوق الفني من سياسات ونوايا، سواء كان هذا السوق مزاد(سوذربي) الفني المشهور، أو غيره. فأنت كفنان تبيع في هذا السوق المختار، ليس كما تبيع بضاعتك الفنية في غيره. لكنك وفي كل الأحوال تشكل جزء منه في نسبة أرباحه وضرائبه وحصة القيم المنظم والمروج.

ماذا عن المتاحف الفنية. اذا ما عرفنا بأن المتحف هو الآخر تحول من ناد(مؤسسة فنية ثقافية.. جمالية .. أرشيفية) الى نوع جديد من المؤسسات التسويقية الجماهيرية: عروض أفلام رائجة، مكتبات، محلات بيع هدايا، مطاعم، خدمات تموين، حفلات، علامات تجارية، وتطوير الممتلكات(المضاربة). انا هنا لا أخوض في التمويل الآخر(الرعاية) المادية سواء المشروطة منها، أو غير المشروطة. فلكل ثمنه. وان نظرنا لعروض قاعات الفن الرسمية الشبه متحفيه بعروضها الموسمية وترويجها لسياسة الدولة الرسمية الثقافية، فذك أمر آخر.

ما يستوقف النظر، بالنسبة للأعمال الفنية ذات الوسائط التقليدية، كالرسم والنحت وما الى ذلك فالقيود المفروضة عليها جعلتها تتراجع لمستويات الحرف التقليدية غالبا. ليست قيود العرض والطلب فحسب. بل إشاعة الصورة ميديويا لحد الابتذال والوصول الى محو الفروق الاسلوبية التعبيرية. وضياع الأصل من المنتحل. وها هو الفضاء الميديوي يعوم بصور منتحلة لا يمكن حصرها يتبعها سيل من وثائقيات لا حقيقة، لتعمق عناصر الذائقة الجديدة المشوشة، ولتصبح(الأساليب والتوقيعات الشخصية على نحو متزايد علامات تجارية، بدلا من عناصر للتواصل الثقافي). نعم انتهى عصر التفرد، عصر الفنان العبقري. فتلك ثقافة ماضية صنعته. لكن وكما يجادل السيد(ماكنتاير) بأنه(يمكننا محاربة ما بعد الحقيقة، وان الخطوة الأولى في هذه المحاربة تكمن في فهمها). واعتقد ان هذا الفهم بات محصورا على القلة التي نأت بنفسها من الانجراف بهذا السيل العارم من أكاذيب السياسة ورأسمال المسيطرة على وسائل عظيمة الشأن في فبركة وبث أكاذيبها. وكما يقال(اكذب .. اكذب حتى تصدق). مع ذلك فالأزمات المتلاحقة لا بد ان تسلط الضوء على خبايا نظام الكذب. ومنها جائحة (كوفيد 19) التي كشفت هشاشة أنظمة حماية البيئة والانسان، وعورات الأنظمة التي كانت مستورة بدهاء أو خبث مقصود. ليكتشف المواطن بأنه كان سلعة جاهزة للعرض والطلب وفقدان الصلاحية لا غير.

ان كانت العولمة الثقافية الفنية تسعى لدمج الأطراف بالمركز الأوروأمريكي، فالأطراف هي الأخرى سعت لتصنيع وتكرير الخطاب المركزي، كما في خط إعادة إنتاج أعمال فنية أوربية فناني كوريا الجنوبية وتصديرها للسوق الاستنساخي الفائق لأوربا نفسها. أو كما في انتاج اعمال لفنانين صينين بمسحة أوربية و ضخها لأوربا. ولتتحول أهداف العولمة (الثقافية) لمجرد سوق قابل للمساومة، مرورا بالشروط الأوربية التي لعبت عليها الأطراف. هذا السلوك النفعي شبيه بعض الشيء بالعروض الدورية الأوروأمريكية لفنون الأطراف. فالغرابة أيضا مطلوبة، كونها انتاج غريب، وليس كل مغترب أو غريب متجانس. مثلما ليس هناك من نهاية للتاريخ، كما توقعها صاحب نظرية(نهاية التاريخ) فرانسيس فوكوياما،

الذي يعتقد بأن الديمقراطية الليبرالية انتصرت على الكتلة الشيوعية بسوقها الحرة، وستصبح (نهاية العالم) شكل من اشكال الحكومة البشرية. متجاهلا اقتراحات الحروب الثالثة والرابعة لصدام الحضارات(صموئيل هنتنغون) التي جرى تفعليها سياسيا في الشرق الأوسط. مع ما بعد بعد الحداثة أو(الحداثة المفرطة)، وموت الحداثة(منذ سقوط جدار برلين) ولا تزال التخميات سارية فعلها. فهل سوف نرى ثورة فنية ثقافية جديدة، كما ثورة ما بعد الحداثة بانقلابها على فكر وانماط الزمن الحديث لما قبل الخمسينات من القرن الماضي في الفن التشكيلي.

وسط كل هذا الركام اللاواقعي، بـ(صومعة مختبرات الكذب). ومنه الذباب الألكتروني، وفضاءات الميديا الرقمية المؤسساتية الواسعة، وحتى الشخصية الضيقة. هل بقي ثمة مساحة لإعادة أنسنة أو بناء الإنسان من جديد. أعتقد ليس سوى الخطاب والفعل التواصلي بين الذوات الإنسانية الثقافية الفنية الفاعلة المتحررة من المصلحة والأوهام الذاتية والما بعد والما قبل وهوام الرقمية ومؤسسات الفبركة الميديوية الكبرى. التفعيل التواصلي لإنتاج حقائق تعيد توازن الأفعال المؤثرة لبناء وعي جديد ينقذ البيئة والأنسان المعاصر من محنته. انه وقت مفيد للتوقف والتأمل والتفكير. فالحاجة الى التواصل باتت ملحة وتتضخم لتأخذ دور حيوي في إعادة توجيه البوصلة الفنية والثقافية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وبشكل خاص في ظرف استشراء الوباء العالمي الذي وفر للأفراد والجماعات البشرية مجالا للتأمل والتقصي ضمن فضاء العزلة، وتفكيك خطاب التطرف اليميني الأوربي الذي يحاول محموما استغلال الوضع واعادة التاريخ للوراء. وذلك باستغلاله لما توفره المنصات الميديوية من مجال تواصلي بات يشهد زخما كبيرا لتبادل الآراء والمعلومات، ونشر النتاجات الفنية عوضا عن المتاحف وأروقة العروض المعروفة. لكن يبقى بمثل ما للميديا من خروقات كارثية، هي أيضا منصة لإظهار الحقائق وتعديل المسارات. فالحاجة للاتصال والتواصل باتت ملحة الآن، وللفن دور حيوي في تلبيتها. واعتقد أنه بات من المناسب والمفيد التوقف والتفكير بإعادة برمجة عقل استغلال الوسائل الثقافية والفنية بعناصر تخدم الحقيقة، لا تتجاوز عليها لأهداف غير معلنة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top