العلمُ والأخلاقيات والحدود اللانهائية : ملائكةُ بروميثيوس في مواجهة شياطين فاوست -  القسم الثالث

العلمُ والأخلاقيات والحدود اللانهائية : ملائكةُ بروميثيوس في مواجهة شياطين فاوست - القسم الثالث

لطفية الدليمي

مجتمع الخوارزميات :

أخلاقيات عصر المراقبة الشاملة واللصوصية الرقمية

عصرنا هذا هو عصر الخوارزميات Algorithms بامتياز لايدانيه امتياز آخر. الخوارزميات صارت (الدجاجة التي تبيض ذهباً) في عصرنا الرقمي ؛

فالشركات الكبرى في يومنا هذا (الأخوات الأربع : غوغل، فيسبوك، أمازون، مايكروسوفت) فضلاً عن شركات أبل وسامسونغ هي الشركات الأكثر توليداً للثراء في العالم لكونها خالقة ومطوّرة للخوارزميات الحاكمة لحياتنا أو صانعة للوسائل التي تتعامل مع الخوارزميات. سيكون للخوارزميات سطوة عظمى في المستقبل القريب إلى حدّ ستعيد معه تشكيل مفهوم " أخلاقيات العيش " للكائن البشري وعلاقته مع بيئته البيولوجية والمعلوماتية ؛ إذ ستجعل هذه الخوارزميات من الكائنات البشرية محض كينونات متحرّكة خاضعة لرقابة آنية شاملة في إطار ماأسمته (شوشانا زوبوف Shushana Zuboff) " عصر رأسمالية المراقبة " وهو عنوان كتاب ذائع الصيت لها نشرته عام 2018، وقد شهدنا بعض ملامح هذه السياسات الحكومية في كيفية تعامل الحكومة الصينية مع تداعيات الجائحة الكورونية بوسائل المراقبة الرقمية الصارمة. هل ستجعلنا خوارزميات المراقبة المستديمة تحت سطوة دكتاتورية رقمية وإن تقنّعت بأخلاقيات عصر الديمقراطية الغابرة ؟ وماذا سيتبقّى من " خصوصية " البشر في مثل هذا البيئة ؟

كم أتمنّى أن تشاهد أوسع حلقة ممكنة من المشاهدين وبمختلف الأعمار والتوجّهات المهنية فلماً وثائقياً رائعاً معروضاً على شبكة النتفلكس بعنوان (المعضلة الإجتماعية The Social Dilemma) ؛ فقد وجدتُ فيه أفضل مادة رصينة تتناول المعضلات التقنية والأخلاقياتية المرتبطة بتطوير الخوارزميات وتعاظم سطوتها في حياتنا البشرية الراهنة والمتوقعة في المستقبل، ومايمنح هذا الفلم إثارة أكبر كونُ المتحدّثين فيه طائفة من أفضل العلماء ومُطوّري البرامجيات الخوارزمية الذين عملوا في (الأخوات الأربع) ؛ لذا فإنّ أحاديثهم إنطوت على أكبر قدر من المصداقية والمهنية والرصانة فضلاً عن تأشير المعضلات الأخلاقياتية الحالية والمحتملة على الصعيدين الفردي والمجتمعي.

العلمُ في المجتمع :

تشكيل المستقبل البشري بعيداً عن المراهنة الفاوستية

ليست التقنية الجديدة ولاالتغيرات العنيفة المصاحبة لها قوة خارجة عن طوع البشر. كلنا مسؤولون عن قيادة هذه الثورة التقنية عبر القرارات التي نتخذها يومياً باعتبارنا مواطنين ومستهلكين ومستثمرين ؛ لذا يتوجّبُ علينا أن نتفهّم طبيعة القدرة التي باتت بحوزتنا وأن ندرك أبعادها لكي نشكّل الثورة الصناعية الرابعة ونقودها نحو مستقبلٍ يعكسُ أهدافنا وقيمنا المشتركة. في كلّ الأحوال، ولكي نحقق هذا الأمر، يجب أن نطوّر رؤية شاملة ومُتشاركَة عالمياً بشأن الكيفية التي تؤثر بها التقنية في حيواتنا وفي كيفية إعادتها تشكيل بيئاتنا الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والبشرية.

تمتلك الثورة الصناعية الرابعة في نسختها الأكثر تشاؤماً والأبعد عن الحس الإنساني – بالتأكيد – القدرة على “ روْبتة robotize " الإنسانية وبالتالي حرماننا من قلوبنا وأرواحنا ؛ لكن هذه التقنية لطالما كانت جزءاً مكمّلاً لأفضل كينونات طبيعتنا البشرية (الإبداع، التعاطف، القيادة)، ويمكن لها أن تدفع الإنسانية إلى مرتقيات جديدة من الوعي الجمعي والأخلاقي الذي يقودُ إلى حس مشترك بالمصير الإنساني العام.

يعتمد مستقبلنا على اتخاذ خيارات حكيمة بشأن التحدّيات المجتمعية المفصلية : الطاقة، الصحة، الغذاء، الروبوتيات، البيئة، الفضاء، وماسواها. هذه الخيارات تعتمد العلم بالضرورة ؛ غير أنّ القرارات الجوهرية لاينبغي أن يتخذها العلماء وحدهم دون سواهم لأنّ تلك القرارات تهمّنا جميعاً ويتوجّبُ في كلّ الأحوال أن تكون حصيلة ناتجة عن مناقشات جمعية شاملة واسعة النطاق، وإلى أن يتحقّق هذا الأمر على أرض الواقع بفاعلية مؤثرة نحتاج جميعاً تطوير " شعور " جمعي تجاه الأفكار الأساسية في العلم فضلاً عن إمتلاك بصيرة مدرّبة تؤهّلنا لتقييم المخاطر والإحتمالات والمآزق وبكيفية تجعلنا محصّنين - بقدر مايمكن - من الوقوع في شرك الخبراء التقنيين ذوي الأجندات الخاصة أو الشعبويين الذين لايجيدون سوى تمجيد الشعارات الكبيرة الخاوية.

يتشاركُ العلماءُ جميعاً إلتزامات محدّدة بالإضافة إلى مسؤوليتهم القائمة على كونهم مواطنين مثل سواهم. ثمة إلتزاماتٌ أخلاقياتية تواجه البحث العلمي ذاته، على شاكلة : تجنّب التجارب التي يمكن أن تتسبّب بخطورة - حتى لو كانت ضئيلة للغاية - قد تقود إلى وضعٍ كارثي، واحترام مُدوّنة الأخلاقيات Code of Ethics عندما يتناول البحث العلمي الكائنات البشرية والحيوانات على حدّ سواء ؛ لكنّ الموضوعات الأكثر تعقيداً تنشأ عندما يكون للبحث العلمي الذي ينهض به العلماء مترتّباتٌ تتجاوز نطاق المختبرات وتخلق تأثيراً ذا مفاعيل إجتماعية واقتصادية وأخلاقياتية تخصُّ كلّ المواطنين ولاتتعلق بطائفة محدّدة منهم، أو عندما تكشف تلك المترتّبات عن تهديد خطير لم ينل التحسّب المسبّق المناسب، ولاينبغي للعلماء أن يكونوا غير مكترثين بثمار أفكارهم التي هي صنائعهم في نهاية الأمر، ويتوجّبُ عليهم أن يحاولوا - مااستطاعوا لذلك سبيلاً - تعزيز الإستخدامات السلمية لصنائعهم (تجارية كانت أم سوى ذلك)، وكذلك ينبغي أن يُبدوا مقاومة لاتستكين، وبقدر مايستطيعون، لكلّ التطبيقات المشبوهة أو التي تنطوي على نتائج تهدّد الحياة البشرية أو الكوكب الارضي، وهم في سعيهم هذا ينبغي أن يسجّلوا تحذيرهم بشأن كلّ تطبيق علمي يحمل نُذُر التهديد للإنسانية وبكيفية تجعل السياسيين يدركون تلك المخاطر بطريقة لالبس فيها كلّما كان هذا الأمرُ متاحاً. إذا ماشعر العلماء بأنّ مكتشفاتهم أو مصنّعاتهم التقنية تثيرُ موضوعات أخلاقياتية إشكالية (وهو مايحصلُ بصورة حادة وفي أحايين كثيرة) فيتوجّبُ عليهم أن يشركوا العامّة في النقاشات الدائرة بشأن تلك الموضوعات، واضعين في حسابهم حينذاك أن ليس من مزايا خاصة يستحقونها خارج تلك المزايا التي تجعلهم ذوي دراية وخبرة في نطاق حقلهم العلمي التخصّصي.

كلنا نعرف أن السياسيين مقامرون بصيغة أو بأخرى : هم يفضّلون النتائج السريعة التي يجتنون منها مكسباً على الجهود طويلة الأجل التي تتطلّب تضحيات بالمواقف الآنية، وقد أبانت الجائحة الكورونية أنّ هذه البراغماتية السياسية القبيحة التي لو كنّا قبلناها من قبل على مضض فلن يكون مقبولاً الإبقاء عليها في قادمات الأيام.

من جانب آخر لامفر من إشاعة الإهتمام بالعلم والسياسات العلمية على أوسع نطاق بعد أن أثبت العلم أنه مقاربتنا الوحيدة للتعامل المعقلن مع الطبيعة والكشف عن القوانين الحاكمة لعالمنا الفيزيائي، وسيتبع هذا الإهتمام غير المسبوق نكوص الأصوليات (الدينية والآيديولوجية) التي تعتمد اليقين مقابل الفكر الشكوكي الذي يسمُ الفكر العلمي، وقد عبّر بروفسور الفيزياء النظرية (جم الخليلي) عن هذه الحقيقة بطريقة رائعة عندما كتب في مقالة حديثة له بعنوان (شكّ العلماء ويقين السياسيين) نشرها في صحيفة الغارديان البريطانية :

(... لم يكن هناك يوماً ما ماهو أكثر أهمية من إشاعة الفهم الخاص بكيفية عمل العلم : في السياسة يُنظرُ إلى الإعتراف بارتكاب خطأ ما على أنّه شكل من أشكال الضعف والوهن ؛ في حين أنّ الأمر معاكسٌ لهذا تماماً في العلم حيث يكون إرتكاب الأخطاء حجر الزاوية في المعرفة. إنّ إستبدال النظريات والفرضيات القديمة بأخرى أكثر حداثة ودقّة هو أمرٌ يتيحُ لنا إكتساب فهمٍ أعمق للمادة العلمية موضوعة البحث، وفي الوقت ذاته نحنُ (أي العلماء) نطوّرُ نماذجنا الرياضياتية ونشكّلُ تخميناتنا تأسيساً على البيانات والشواهد المتوفّرة لنا. بقدر مايختصُّ الأمر بشيء جديد على شاكلة فايروس الجائحة الكورونية فقد شرعنا من خط بداية واطئ من المعرفة، وكلما راكمنا المزيد من البيانات الجديدة فإنّ نماذجنا وتخميناتنا ستستمرُّ في التطوّر والتحسّن "، ثم يختتم مقالته بالعبارات المشرقة التالية : " إذا كنّا نتطلّعُ بحقّ لتجاوز معضلة الجائحة الفايروسية الراهنة فيتوجّبُ علينا جميعاً أن نحوز فهماً أساسياً للكيفية التي يعمل بها العلم، فضلاً عن إمتلاك القدرة على الإفصاح بأننا (وفي خضمّ أزمة كبيرة مثل الجائحة الحالية) إذا ماأبدينا شكوكنا (إزاء نظرياتنا وسلوكياتنا العلمية الراهنة) عوضاً عن التظاهر باليقين فإنّ هذا الأمر هو مصدر قوة لنا.......).

 

ملحق : قراءات إضافية

قائمة قصيرة بمراجع مفيدة عن العلم والأخلاقيات

أولاً : المراجع العربية

1. مارتن ريس، ساعتنا الأخيرة (إنذارٌ من عالِم)، ترجمة : د. مصطفى إبراهيم فهمي،

دار العين للنشر، 2006

2. ديفيد ب. رزنيك، أخلاقيات العلم : مدخل، ترجمة : د. عبد النور عبد المنعم،

سلسلة عالم المعرفة (العدد 316)، 2005

3. جون ب. ديكنسون، العلم والمشتغلون بالبحث العلمي في المجتمع الحديث،

ترجمة : شعبة الترجمة باليونسكو، سلسلة عالم المعرفة (العدد 112)، 1987

 

ثانياً : المراجع الإنكليزية

1. Kristen Renwick Monroe , Science, Ethics, and Politics: Conversations and Investigations , Routledge , 1st Edition , 2015

2. Adam Briggle , Ethics and Science: An Introduction , Cambridge University Press , 2012

3. John G D'Angelo , Ethics in Science: Ethical Misconduct in Scientific Research , 2nd Edition , CRC Press , 2018

4. Luciano Floridi , The Ethics of Information , Oxford University

Press , 2015

5. Mark Coeckelbergh , AI Ethics (MIT Press Essential Knowledge series) , MIT , 2020

6. Shushana Zuboff , The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for

a Human Future at the New Frontier of Power , Public Affairs , 2020

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top