عقلنة السلوك الانتخابي

آراء وأفكار 2021/06/09 10:17:09 م

عقلنة السلوك الانتخابي

 د. اسامة شهاب حمد الجعفري

التفكير يؤلم وبالتالي يتجنبه الفرد إذا استطاع. يظهر هذا غالبًا في السياسة. لذا فإن الفرد العادي يتعامل مع السياسة بعفوية بعيداً عن التفكير العقلي ليتجنب الالم. العفوية ليست من السياسة في شيء , فهي تنحدر بالسياسة الى ما دون السياسة, و هي تصرف من دون تدبر و إحكام النظر او تخطيط,

تصدر من الاهواء و الغرائز و تدور معها وجوداً و عدماً, و لا تصدر من العقل , فهي فاعلية حيوانية و ليست فاعلية عقلية , و يوم الاقتراع العام هو اليوم الذي فيه يمارس المواطن السياسة سواء كان هذا المواطن مهتماً بها ام لا , بعملية في غاية الخطورة تتضمن نقل السلطة من الشعب الى نخبة يتحكمون في مصيره و يخضع الى سلطانهم , و اذا مارس المواطن السياسة من خلال التصويت في صناديق الاقتراع لاختيار النخبة الحاكمة بعفوية فانها تنحدر به و بحياته الى منعطفات و منعرجات غير محمودة و يصبح على ما فعل من النادمين.

يجب على المواطن العراقي ان لا يكون عفوياً في ممارس حق الانتخاب من دون حساب و تفكير و تروي حتى لا تنحدر حياته و حياة عائلته و حياة غيره نحو الاسوء بل يجب ان يكون واعياً مستنيراً للعواقب الوخيمة التي لمسها بعد عام 2003 و لحد الان.

حق المواطن العراقي في الانتخاب هو حق غير مطلق و انما هو مقيد بغايته الاجتماعية , و غايته الاجتماعية هو تحقيق مصالحه المشروعة و مصالح المجتمع , و ممارسة هذا الحق بعيداً عن غايته الاجتماعية يعد تعسفاً في استعمال الحق مسبباًاضراراً جسيمة للمواطن العراقي والاجيال القادمة , لان المواطن العراقي اذ يمارس هذا الحق بنفسه و لنفسه فانه في الوقت ذاته يمارسه لصالح المجموع . و على المواطن يوم الاقتراع ان يدرك انه صاحب سلطة و عليه فان ممارسة السلطة وفق غايتها الاجتماعية و هو التغيير , و التغيير الواعي لان مجرد التغيير من دون وعي فان صناديق الاقتراع تستحيل الى صناديق قمامة و يكون حق الاقتراع عبارة عن طريقة لتدوير النفايات و اعادة تصنيع معاناته الاجتماعية و الاقتصادية من خلال اختياره نخبة حاكمة تحتكر الثروة العامة لصالحها و احزابها و لا تقود السلطة نحو الخير العام , فيكون المواطن العراقي معبراً سهلاً لهذه النخبة الحاكمة نحو الثروة لافتراسها فيضيع حاضر العراقي و مستقبله من جراء ممارسة حق التصويت بعفوية و من دون وعي و تدبر و إحكام النظر و الرؤية المسبقة. و لنا في النازية في المانيا و الفاشية في ايطاليا مثالاً حياً على ان صناديق الاقتراع اذا تعامل معها الفرد من دون وعي انتخابي فانها صناديق قمامة و خراب , إذ ان النازية و الفاشية جاءت الى السلطة من صناديق الاقتراع.

لكن كيف يمكن للمواطن العراقي ان يترجم الوعي الانتخابي الى واقعاً مادياً ملموساً؟

على المواطن العراقي ان يكون ناخباً عقلانياً عند ممارسة حقه بالتصويت بان يدخل السوق الانتخابي لاجل التصويت على وفق ما يدخل الى السوق المحكوم بقواعد النفعية من خلال القيام بسلسلة من العمليات الذهنية لاجل التقييم بين المكاسب و التكاليف , يقيم النتائج بمنظور براغماتي التي من شأنها ان تسفر عن مصالحه و مصالح عائلته و مصالح المجتمع , و هي افضل طريقة متاحة لاجل ان يكون الوعي الانتخابي وعي استراتيجي يقود نحو قطف ثمار الديمقراطية, فعليه ان يصوت الى من يُحسِّن من وضعه الاقتصادي بعيداً عن التحليلات الايديولوجية و المثالية و الطائفية و العصبوية و القبلية.

ان فكرة السوق هي الفكرة الوحيدة التي تحفز عامة الجمهور , ذلك الجمهور الذي يتميز باللامبالاة في التصويت و العفوية في تعاطي السياسة يوم الاقتراع , و مبنى فكرة السوق هي المصالح و المنفعة , فالمواطن و من اجل ان يصل الى منافعه فانه مجبر على اجراء عمليات التقييم و الاستنتاج العقلي للوصول الى قرار يحقق له هذه الغاية . لان في السوق يلتقي طرفا التبادل و لن تتم عملية التبادل و ابرام العقد الا اذا آمن طرفا التبادل في الحصول على المنفعة , فالمشتري لن يشتري السلعة من البائع الا اذا كانت السلعة او الخدمة تساوي الثمن او اكثر , فإن كانت الخدمة المعروضة لا تساوي الثمن المدفوع عليهان يقوم بالبحث عن بائع آخر يحصل من خلاله على المنفعة المقصودة و هو بمعرض البحث عن منفعته المقصودة فانه يضطر الى تحفيز قدراته العقلية في تقييم النتائج لاجل تجنب الخسارة و الخروج من السوق بربح معقول لسبب جوهري مهم و هو ان الخطأ في كل ذلك مكلف له و يلحقه خسارة يتضرر منها و يعيق مسيرته الحياتية , لذا فان الفرد يحفز قدراته العقلية العملية و يكون اكثر جدية و ينبذ العفوية عندما يدخل السوق و يتخلى عن كل المعتقدات السابقة غير العملية , و هذا النوع من التفكير يجب ان يكون حاضراً في يوم الاقتراع لاختيار النائب في المجلس التشريعي الذي يعد حجر الزاوية لبناء الدولة وفق النظام السياسي العراقي.

يمكن ان نتصور ان في سوق التصويت تجري عملية تعاقد بين طرفين يتبادلا المنفعة , المرشح و المواطن , المرشح يتعهد القيام بعمل وفق شروط مسبقة الاعداد هي الحقوق و المصالح الاقتصادية و الاجتماعية المنصوص عليها في الدستور و هذا التعاقد قائم على الاعتبار الشخصي , بمعنى ان على المواطن ان يتعاقد مع مرشح له من القدرات و المؤهلات تمكنه من تنفيذ العقد , تمكنه من تحقيق المصالح و المنافع المقصودة من العقد و المنصوصة في الدستور من توفير فرص العمل , السكن , الصحة , التعليم , الامن... الخ , و عليه ان يبحث عن هذا المرشح في السوق الانتخابي وفق برنامجه الانتخابي.

و هذا السوق الانتخابي يجد فيه الناخب المستهلك كل الخيارات الديمقراطية متاحة امامه من المرشحين الذين يعلنون عن بضاعتهم السياسية من برامج انتخابية و ما على الناخب المستهلك الا ان يحفز قدراته العقلية في تقييم هذه البضائع الانتخابية وفق منطق الربح و الخسارة في تحقيق مصالحه الدستورية التي لم تتحقق منها لحد الان بسبب نمطية التفكير الأيديولوجي الطائفي و العرفي سائدة و يستند عوضاً عن ذلك الى سياسة انتخابية تقوم على التحليل النفعي الاقتصادي بعيداً عن اي مؤثر اخر , و لا يقول الناخب العراقي المستهلك انه ليس له القدرة على التمييز بين البرامج الانتخابية و اصحابها المرشحين للوصل الى تحقيق منفعته الاقتصادية لان بعد مرور ما يقارب 18 سنة من التجربة الديمقراطية تقضي منه انه اصبح مستهلكاً خبيراً مميزاً لتحقيق نتائج افضل نحو مصالحه و منفعته.

الناخب العقلاني الاستراتيجي هو مستهلك يدخل السوق الانتخابي و يبتغي ما يحقق له مصالحه و يشبع حاجاته الحالية و المستقبلية له و للمجتمع. و قد يذهب الظن بالبعض ان هذا النوع من الوعي الانتخابي البراغماتي مجرد من اي مبدأ اخلاقي او ديني او اجتماعي ما دام مبناه على المصلحة , و الحق ان الظن هذا يخطىء معنى المصلحة و السياسة معاً , و معنى الاقتران الماهوي بينهما , المصالح التي يبنى عليها الوعي الانتخابي هي المصالح العامة لا مصلحة بمن يدير الشأن السياسي , بناء دولة , حماية السيادة الوطنية , نشر التعليم , الاصلاح السياسي و الاداري , صحة , تنمية اجتماعية... الخ من المصالح الاقتصادية و الاجتماعية المنصوص عليها في الدستور العراقي التي حجبتها مصالح الطبقة الحاكمة منذ التصويت على الدستور العراقي عام 2005 و لغاية يوم الناس هذا ,و يبرر هذا النوع من التفكير الواقعي يوم الاقتراع ايضاً هو ان التصويت حق من الحقوق الطبيعية للانسان والحق وفق الفلسفة القانونية هو مصلحة مشروعة يحميها القانون , و المصالح التي يتغيا المواطن العراقي الوصول اليها انما هي مصالح توصف بانها مشروعة مصدرها الدستور الذي يعد وثيقة الحقوق , لذا فهي مصالح دستورية. كما ان ذلك لا يعني ان الناخب يبحث عن مصالحه الفردية بعيداً عن المصالح العامة لان معنى المصالح العامة عبارة عن مصالح فردية تتجمع و تتحشد لتكون مصالح عامة يجتمع عليها رأي الناس في المجتمع , و تحقيق المصالح العامة هذه لا يتحقق الا بالسياسة , لذا تكتسب السياسة شرعيتها من ادائها وظيفة ذلك و لا يزاحم المصالح في تبرير شرعية السياسة اي مبدأ اخر.

كما ان الدولة و اجهزتها و سلطاتها قائمة على تحقيق مصلحة الفرد و المجتمع الا ان الواقع السياسي القائم لا يخبرنا عن ذلك , فهو يخبرنا على ان الدولة و كافة سلطاتها محتكرة من قبل الطبقة السياسية و بعيدة عن المواطن العراقي , و من هنا , فاذا كانت الاحزاب السياسية تتعامل مع المواطن العراقي بطريقة براغماتية فلماذا لا يكون المواطن براغماتياً في تعامله مع الاحزاب السياسية و الطبقة السياسية ؟؟ ان العدالة التبادلية تقضي على المواطن ان يكون نفعي باتجاه التشدد نحو تحقيق مصالحه الدستورية في تعامله مع الطبقة السياسية التي تعرض خدماتها على المواطن العراقي.

ان ربط الوعي الانتخابي للمواطن العراقي بعيداً عن المصالح يعيد له انتاج طبقة حاكمة لا تدير شأنه العام نحو الخير العام , و انما تحتكر الثروة العامة لنفسها , و على المواطن العراقي ان يتجاوز هذه الاخطاء بعدتحصيله على خبرة في ممارسة حق التصويت الديمقراطي و حان الوقت ان يكون ناخباً عملياً متمرساً يتجه لتأسيس وعيه الانتخابي على المصالح بدلاً من اي مبدأ اخر. فانه ان فعل ذلك فانه سينتج برلمان المصالح العامة بدلاً من برلمان مصالح الاحزاب. لانه استعمل خيارات ناجحة باغلبية مؤثرة بسبب هذه النمطية التفكيرية التي حفزت لديه قواه العقلية يوم الاقتراع لتجنب ان يكون مخطئاً و من ثم تجنب الخسارة و التقدم نحو الربح الديمقراطي الذي يحقق له مصالحه و مصالح المجتمع , لان الفشل الديمقراطي موجود و يلقى باللوم بشكل مباشر على عامة الناس و الذي يكون بسبب اللامبالاة الناتجة من العفوية في ممارسة الحق السياسي و هو التصويت.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top