مدلول.. فراقك خسارة ورحيلك أدمى القلوب!

مدلول.. فراقك خسارة ورحيلك أدمى القلوب!

 عمــار ســاطع

لستُ من أولئك المبدعين الذين يتعمّقون في رثاء الاصدقاء والزملاء! مثلما أنني أرفض أن اُقارَن بأقلامٍ صحفية سبقتني وهي تكتب في وداع الرفاق!

لكنني هُنا أُرثي أحد نُبلاء دُنيا صحافتنا الرياضية بشكلٍ استثنائي، أرثيه لأنه يستحق كل كلمة أعنيها تماماً! فرحيل حيدر مدلول، الإنسان النبيل، بحاجة ماسّة لوقفة خاصة، واستدراك ما بعده استدراك، لما منحهُ لنا من قيمة حقيقية وشواهد لا يُمكن التغافُل عنها بسهولة، مثلما لا يُمكن اخفاءها أو تجاوزها أبداً!

حيدر، أيها الأخوة، يملكُ من النقاء الكثير، في زمنٍ قلَّ فيه الانقياء.. وهو بحد ذاته عالم آخر من الإنسانية والهدوء والرقّة… بل كان بلسماً يداوي جراح المُهمّشين والمتأثّرين، ويتفاعلُ مع الجميع في افراحهم واحزانهم!

صدمة رحيل مدلول .. صاحب القلم النظيف والمهنية العالية والحسّ المُرهف ومُشخِّص العِلل ومُعالِج الأزمات، صدمة مؤلِمة في ظلّ ما واجههُ على مدى اسبوعين من المُكوثِ في المشفى ومن بعدها رحيله الذي سيترك آثاراً لن تُمحى ببساطة!

خسارتنا بهكذا رجل، أشبه بفقداننا لجيلٍ من الرموز.. ومن لا يعرف حيدر، لن يتأثّر، بقدر ما يتأثر به من رافقهُ وعاشرهُ وعمل معه في ميدانٍ واحدٍ، جمعهم الرأي الواحد بتشخيص الأخطاء والكشف عن المعالجات التي من شأنها أن تعيد الأمور الى مسارها الصحيح!

لقد تصدّى مدلول، بطريقة كتابته وعرض وجهة نظره وأسلوبه الناضج الى عديد القضايا والاحداث، وكان من بين القلائل الذين يكتبون بهدف نيل ثقة القراء، مثلما كان يعتبر الكلمة مسؤولية فعلية، فكان يكتب بدلائل وشواهد وينقل المعلومة بالصورة التي تُقرِّب كُلّ شيء من القارئ وتجعل من يتابعه يعيش اللحظة كما هي!

صاحب القلب الأبيض والنزيه والمخلص وقبل كل شيء المُلتزم بالقيم، والمُنفرد بأمور قلّ ما نجدها عند الآخرين.. رحيله حقاً مُحزنٌ لدرجة انني أعيد قراءة رسائله وتواصله معي!

أيها النظيف.. عشت بهدوء ورحلت بصمت.. هكذا عرفتك ولهذا أكتب عنك، أكتب لأنك حقاً تستحق كل كلمة أذكرها عنك، وأجدُ مُرادفات أصفها بك، ففراقك خسارة فادحة للصحافة ومن عرفك من خلالها زُملاء مهنة أو رفاق درب!

حيدر الوفي.. خيبتنا بفقدانك كبيرة، كبيرة جداً، فأنت كنتَ من المُكافحين العصاميين من الذين تحمّلوا كل شيء من أجل العيش بكرامة، وأسفنا أننا من الصعب أن نجد نماذج حيّة تشبه خِصالك إلا القليل في هذا الزمن تحديداً، لأننا نعيشُ مرحلة ضاعت فيها الالتزامات وتلاشت عندها صورة المهنية وتأثّرت أحوال السُلطة الرابعة بالمتغيّرات الحاصلة!

وأسأل… كم نحتاج من الوقت حتى يولد عندنا صحفياً يحمل كاريزما حيدر مدلول ويملكُ بعضاً من صِفاته، نُبلهِ وحكمته وصدقهِ وتواضعهِ.. كم؟!

وداعاً حيدر مدلول، حيث مثواكَ الأخير، وداعاً حيث نهاية قلم نقي، ونهاية حياة لإنسانٍ عاش صِراعاً مريراً مع أيامها ووقفَ بأسمه شامخاً عزيزاً!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top