الشعوبية الجديدة وهوس الهيمنة

آراء وأفكار 2021/07/14 10:13:37 م

الشعوبية الجديدة وهوس الهيمنة

 حيدر نزار السيد سلمان

يمكن تعريف الشعوبيّة كونها إيديولوجيا انتقامية موجّهة ضدَّ العرب من شعوبٍ أخضعها العربُ لحكمهم من خلال نشر العقيدة الإسلاميّة، وشعور هذه الشعوب بجذورها القوميّة وقيمها وحضارتها ومحاولات كُتّابها ومثقفوها استعادة دورهم التاريخي، وبالتالي التقليل من شأن العرب ومن دَورهم والانتقاص منهم.

لعلَّ هذه الشعوب توسّلت هذا الفكرَ لردّ شعور الفخر عند العرب وسلوكياتهم الفوقيّة بوصفهم أهل السلطة والحكم وتعاليهم على الأعراق الأخرى التي تصرّفت بردّ فعل معاكس.

الشعوبيّة المعاصرة تختلف عن الشعوبيّة القديمة وإنْ تلاقت معها في نقاط عدّة، فالمعاصرة تُعتمد لدى أنظمة سياسية طموحة وراغبة بالتوسع والسيطرة تستهدف من خلالها اخضاع شعوب تمرّ بمآزق مصيرية لهيمنتها ونفوذها، وهذه الأنظمة تستند في مسعاها إلى خطاب وثقافة إعلامية دعائية تهدف لتحطيم ركائز دفاع هذه الشعوب ودرعها الحصين لمواجهة وسائل الهيمنة الفكرية مما يُسهّل الخضوع والقبول بالآخر الباحث عن النفوذ. ومن أقوى الركائز هو الاعتزاز بالأصول العرقيّة والتراث الحضاري عند شعب ما أو أمّة ما، ويرتبط ذلك أساساً بالهويّة الوطنيّة ومشاعر الهيبة لكلّ ما هو وطني، يمكن لنا أن نأخذ العراق أنموذجاً لحرب الشعوبية الحديثة بعيداً عن الأسس القوميّة والعرقيّة، وقريباً من تحطيم روح الاعتزاز الهويّاتي والوطني وتدمير لصخرة المقاومة الجوّانية التي يستبطنها الشعور الداخلي بالقيمة المهابة للشخصية العراقية المحليّة.

يتعرّض العراقيون لامتحانٍ عسير في محاولة الاخضاع وفرض الهَيمنة وسلخ الانتماء الوجوديّ ويتبدى ذلك بمظاهر عدّة؛ نقرأ ونسمع الكثير من العراقيين يشتمون بلدَهم بعلانية ويشنّعون على المعيشة فيه، كما نلاحظ أن هناك شعوراً بالاحتقار من البعض لأصولهم القوميّة العربيّة وقدحاً بالنسب وتشويهاً لكلّ ما له مساس بالعرب، وهي حرب خفيّة هدفها سلخ العراقيّ العربيّ على سبيل المثال عن جذوره وهويّته الأصيلة وربطه بهويّات فرعيّة تستجيب لحاجة الأنظمة السياسية الطامحة والطامعة بالهيمنة، وإذا حاولنا قياس مدى نجاحها فإنّها قد حققت نجاحاً في هذا المضمار، إذ جعلت الكثير من العراقيين يحتقرون كلَّ ما هو عربيّ ويرفضون كلَّ محاولة لتقارب عراقيّ عربي، والأقسى أن عراقيين عرب يشتمون الأصل العربي وكأنَّهم ليسوا بعرب في تخلٍ صريح عن الانتماء الأصليّ والذوبان بمشاريع ترويجية قصدها تحقيق أكبر قدر من الانسلاخ والهيمنة، وبالتالي تحقيق مزيد من الخضوع والقبول لإرادة القوى الطامعة. غير أن هذا الاستسلام سرعان ما تقلّص وتراخى بفعل عوامل خارجيّة وداخلية، منها قوّة الاعلام المضاد لقوى الهيمنة ومشاهداتهم الواقعيّة لاعتزاز الشعوب التي زاروا بلدانها بهويّاتهم وأعيادهم وحضارتهم القومية، وشيوع واسع للإعلام الرَّقمي وتعدد منافذ المعرفة وروافدها، مما ولَّد وعياً جديداً وإدراكاً لحقيقة الأهداف المتواخاة، بالإضافة إلى تردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتضخّم الاحتقان الشَّعبي الذي تفجّر في تشرين عام ٢٠١٩، إذ ساهم في ردود أفعال استعاد فيه الكثير من النّاس وعيَهم واعتزازهم بأصولهم.

بفعل هذه السياسة الثقافيّة الممنهجة والمحسوبة بدقّة يرتضي بعض العراقيين أن يكون وطنهم مرتهناً لأجندات دول أخرى وخاضعاً لإملاءاتها السياسية، لاسيما الخارجية منها؛ وبالمقابل ترى الأكثرية من العراقيين بأحقيّة بلادهم بالسيادة والاستقلالية والتفوّق الحضاري الثقافي على الآخرين مما يمنحها حقاً أن تكون متبوعة لا تابعة، وربما كان ذلك عاملاً داخلياً عظيماً في تفجير المشاعر الوطنية المقموعة التي خضعت لاستلاب طويل وولَّدَ تحديّاً وأحياناً عَداءً غير مرغوب فيه لشعوب ودول أخرى، إذ يشعر بعض مِمَن تأثر بالدعاية الإخضاعيّة المضللة بشعور النقص والتصاغر أمام الأمم الأخرى، وقصور حتّى في انتصاراته على قوى الإرهاب، فتراه يكيل الاطراء والمديح لحضارة الآخرين وحياتهم ودفاعهم عن بلده غافلاً نتيجة القهر الفكري الاستلابي عن إدراك حقيقة: أنَّ العراقيين هُم من قاتلوا واستشهدوا دفاعاً عن بلدهم وبلاد الآخرين.

يبدو واضحاً أن إخضاع العراقيين لأجندات أنظمة سياسية خارجية لم تلقَ النجاح المأمول من هذه الأنظمة لسبب رئيس يتمثل بقدرة العراقي التاريخية على الاستجابة الواعية لآليات التضليل وأساليب الهيمنة، وشعوره الحضاري العميق أنه لا يقلّ شأناً عن الدول والشعوب الأخرى إرثاً حضارياً وروحياً، فبلاده مستقر الديانات الأولى والاختراعات الأولى، وفيها الامتداد الروحي الأصيل ممثلاً بالمراقد المقدسة، وبطوابير طويلة من العلماء الروحانيين والطبيعيين والخبرات فإنَّ انفكاكه من ربقة الغزو الاخضاعي سهلة، ولا تدوم طويلاً. لذلك تناسى مَن أراد فرض هيمنته والحصول على رضا العراقيين بنفوذه في شكوك هذا الشعب وتساؤلاته وقلقه الدائم، وما رسّخه عليّ بن أبي طالب في هذا الشَّعب من روح البحث والسؤال. والغريب أن هناك مَن لا يدرك مغزى وصف الجاحظ لأهل العراق ومعنى الامتداد التاريخي لشعب ما بقوله: «العلّة في عصيان أهل العراق على الأمراء، وطاعة أهل الشام، أن أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة. ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث. ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح، والترجيح بين الرجال، والتمييز بين الرؤساء، وإظهار عيوب الأمراء»، هذا ما جهله الطامحون بالنفوذ فتاهوا في عراق السّواد، رغم كلّ الخطابات والدعاية المدروسة والموجهة بعناية. مع ذلك فإن هناك شعوراً عند البعض من العراقيين بعقدة التصاغر ناتجة عن سذاجة وطيبة واستغراق بالعواطف الممتلئة، بيد أن ما يوازي ذلك هو شعورٌ جارف ينتشر بالقيم الأصلية والاعتزاز بالهويّة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top