لطفية الدليمي: مشروع أومَا.. رواية التبشير برؤية خلاصية

لطفية الدليمي: مشروع أومَا.. رواية التبشير برؤية خلاصية

أجرى الحوار : علاء المفرجي

صدرت حديثا عن دار المدى رواية (مشروع أومّا) للروائية العراقية (لطفية الدليمي)، ومعروفٌ عن الدليمي أنها كاتبة وروائية ومترجمة بدأت مساعيها الأولى في حقل الرواية والقصة القصيرة والمسرحية منذ بدايات سبعينات القرن الماضي،

ثمّ توالت نتاجاتها الروائية والترجمية حتى تجاوزت الخمسين كتاباً منشوراً. تمتاز الدليمي بسعة المجالات المعرفية والاشتغالات الانسانية التي تتصدى لها في أعمالها الروائية والترجمية ؛ فهي تسعى دوماً لتشبيك العلم والفلسفة والأسطورة والأدب في نسيج محبوك يترك لدى القارئ شعوراً عميقاً بأنّ المسعى الإنساني - كيفما تلوّنت نتائجه وتعدّدت أشكاله - إنما ينبع من منبع واحد هو الشغف والتوق إلى التوغّل الأقصى في غابة المعرفة.

عن روايتها الأخيرة (مشروع أوما) كان لنا هذا الحوار مع لطفية الدليمي

 يبدو لي أن عنوان روايتك الجديدة (مشروع أومّا) ذو طبيعة مباشرة ويختلف عن السائد في اختيار عناوين ذات إمتدادات فلسفية أو حُلمية. ماذا ترين في هذا ؟

- ملاحظتك مهمة وتنّم عن حساسية تفاعلية جميلة مع العمل إبتداءً من مثابته الأولى (العنوان). أردتُ للعنوان أن يكون ذا محمول إخباري مباشر ليضع القارئ في سياق فكري محرضٍ على وعي التغيير ؛ فمفردة (مشروع) تحيل إلى جهد بشري منظم ومقصود على الأرض، وكلُّ جهد في حركة إنسانية فاعلة يرمي بالضرورة إلى التعامل مع معضلات محددة تجابه البشرية، ومشروع أومّا يندرج ضمن مساعي الإنسان الدائبة لتغيير واقعه وبلوغ خلاصه. نواجه اليوم في بلداننا وعالمنا أخطاراً وجودية متسارعة، وعلينا أن نغتنم كل فرصة للتفكّر في معضلاتنا واتخاذ القرارات المناسبة لمواجهتها وبخاصة على صعيد المجموعات البشرية الصغيرة .

لابأس هنا من الإشارة إلى أنّ كثرةً من عناوين الروايات العالمية المعاصرة صارت تنحو منحىً مباشراً من غير تمهيدات مسهبة أو إيحاءات غامضة.

 راق لي استخدامُكِ لمفردة (أومّا)، وزاد افتتاني بها عندما واصلتُ القراءة واتضحت الإحالات الرمزية إليها في حوارات شخصيات الرواية. هل وجدتِ في اسم (أوما) التعبير الملائم عن فكرة النهوض أو الخلاص المأمول ؟

- سحرني إسم مدينة)أوما) السومرية ودلالته وامتداداته التأريخية واشتقاقاته اللغوية؛ - شخصياً – أنا عاشقة للتراث الرافديني وغالباً ماأوظّفُ مفرداته وثيماته في أعمالي القصصية والروائية والمسرحية، وسيكتشف القارئ - كما اكتشفتَ أنت - سبب الإحالة لهذه المفردة حال توغّله في قراءة الرواية .

 ماملامح التجربة الانسانية التي تبشّرُ بها رواية (مشروع أومّا) ؟

- هي تجربة لاتعدنا بفراديس بالغة الكمال كما يفعل أصحاب الرؤى اليوتوبية ؛ بل هي مسعى بشري تعتوِره الإحباطات والمشاكل والاختراقات التي تتعرض لها كل تجربة في أوساط مجتمعية قانطة ومستسلمة لأقدارها، مثلما تضيئه الأفكار الحية والنجاحات المبشرة. تعلمُ أنّ الصيغ الأولى من اليوتوبيات (يوتوبيا " آراء أهل المدينة الفاضلة " للفيلسوف الفارابي، ويوتوبيا السير توماس مور، على سبيل المثال) كانت محاكاة لبيئات متخيّلة تسودها أخلاقيات يفتقدها العالم المادي، وكانت في مجملها توقاً مُمِضّاً إلى نوعٍ من الرؤية الخلاصية المشروطة بالكمال الأخلاقي، ثمّ بعد قرون عدّة حلّ عصر الآيديولوجيات الكبرى مطلع القرن العشرين ؛ فاتخذت اليوتوبيات منحىً تبشيرياً يَعِدُ بالأمان والضمان الإجتماعي والعدالة لدى المعسكر الاشتراكي الذي إنتهى إلى شمولية قاتلة، يقابله إعلاء شأن الفردانية والحرية الليبرالية وسياسات السوق الحرة في المعسكر الرأسمالي الذي إنتهى هو الآخر إلى سياسات نيوليبرالية متوحّشة.

نشهد في عالمنا منذ سنوات عديدة ظواهر تؤكّد أفول عصر اليوتوبيات الآيديولوجية، مقابل ذلك يساهم العلم والتطور التقني في جعل بعض اليوتوبيات التقنية أخْيلة ممكنة التحقق.

ترسم رواية (مشروع أومّا) ملامح تجربة نشهد انبثاقها على الأرض بعيداً عن التنظير المتعالي على التجربة البشرية المباشرة ؛ فنحن هنا إزاء شخصيات تحبّ وتكره وتمارسُ كلّ الأفعال البشرية البناءة والمدمرة والمنتجة، وتجد المنشغلين بالتجربة بشراً عاديين ذوي إمكانات عقلية متباينة وخبرات ثقافية وميدانية مختلفة إضافة إلى نزوعات متضاربة أحياناً، وهُمْ مثل أي مجتمع طبيعي لم يُقْسَرْ أفراده على التشكل في قوالب آيديولوجية موحدة، ولامكان بينهم لآلهة أسطورية أو تقنية أو مالية، وبالتالي لامكان للاستبداد والطغيان في تجربتهم.

 ربما من المناسب أن نسأل عن الموضوعة (الثيمة) العامة التي تتأسّسُ عليها رواية (مشروع أومّا) ؟

- (مشروع أومّا) يمثل رؤية خلاصية إجتمع عليها أفرادٌ آمنوا بأنّ خلاص أية مجموعة بشرية هو مجموع " الخَلاصات " الشخصية لأعضائها مستعينين بقدرات علمية وتقنية متاحة - بدائية أحياناً - ذات تكاليف بسيطة ومستمدّة - قدر الإمكان - من البيئة الزراعية المحلية. آمن هؤلاء الأشخاص - الذين يعيشون حالات حب وعشق تساند مشروعهم وترتقي به أو تخذله أحياناً - بأنّ الخلاص الفردي هو السبيل الممكن لإدامة الوجود الحيوي وتحفيز القدرات العقلية واستثمار الخبرات وتحقيق التوازن النفسي وسط عالمٍ مهدد بالتشظي تحت وطأة استقطاب علمي وتقني عالمي شديد الضراوة من جهة، ومعضلات وجودية محلية وعالمية تهدد النوع البشري من جهة أخرى (عنف سياسي ومجتمعي وصراع عرقي وطائفي مسلح، إحتباس حراري، ندرة مصادر المياه، نضوب مصادر الطاقة، معضلات الاستدامة البيئية،،،، إلخ) ؛ حيث لم تعُد المنظومات السياسية والهياكل المؤسساتية العتيقة قادرة على مواجهة كل هذه المعضلات البنيوية بفاعلية حقيقية للارتقاء بواقع بلدانها وضمان مستقبل شعوبها ؛ فكان على المجموعات البشرية الطامحة للخلاص أن تبادر لحماية وجودها.

 ألا يعني هذا أن رواية (مشروع أومّا) تبشر بنوع من يوتوبيا ؟

- لا قطعاً، بل إنها تشير إلى إمكانية الخلاص حسب. سبق لي أن دحضت فكرة اليوتوبيا في روايتي (من يرث الفردوس) التي تنبأت وقائعها بحتمية تهاوي النظم الشمولية. كما تعلم تعيش غالبية البشر مكتفية بإدامة متطلّبات وجودها الحيوي قانعة بعيش لحظتها الراهنة، ومقابل هذه الكثرة القانعة هناك صنف من البشر لايستطيب العيش إلا وهو يحلمُ بصناعة " عالم عادل مختلف " ؛ فالحلم بعالم مختلف - ولنقل عالم يوتوبي - هو نوعٌ من نشاط ذهني يحفز الحالمين لإدامة زخم الحياة ووهج العيش الذي لايخضع لاشتراطات البقاء الحيوي وحده. اليوتوبيا هنا قرينةٌ - بفاعليتها وقدرتها على تغيير حياة البشر - للأسطورة والأنساق الفكرية التي أثّرت في تشكيل الحضارات البشرية الأولى ؛ غير أنّ تجربة (مشروع أومّا) بعيدة كل البعد عن أوهام اليوتوبيات المحلقة ووعودها المستحيلة.

 من واقع قراءتي لحواراتك ومنشوراتك وكتبك أعلم مدى عزوفك عن الموضوعات التقليدية في الرواية ؛ لكن لي رغبة ملحّة تدفعني للسؤال عن تجنيس روايتك الجديدة: ماالجنس الأدبي الذي ترينه مناسباً لتصنيف روايتك تحت لافتته ؟

- أظنّ أنّ الوقت حان لكي نغادر موضوعة التجنيس الأدبي، أو في أقلّ تقدير نعيد النظر في محددات التجنيس الأدبي الصارم، وهذا أمرٌ سيبدو طبيعياً إذا ماوضعنا في حسابنا أنّ الرواية المعاصرة اليوم صارت قادرة - إذا لم نقل مُلزَمَة - أن تتناول (أيّ شيء وكلّ شيء)، وقد أفضتُ في تقديمي لترجماتي الخاصة بنظرية الرواية وتأريخها في تشخيص هذه الموضوعة وأسبابها.

إذا شئتُ اختيار جنس أدبي لهذه الرواية فسيكون جنساً مركّباً: هي رواية بيئية أولاً لأنها تتناول المعضلات البيئية الضاغطة والمهددة للوجود البشري، ويمكن القول أنها رواية معرفية لأنّها تمدّ القارئ بتوليفة من المعارف العلمية والتقنية والتأريخية والإجتماعية والسياسية، كما أنها رواية خلاصية تقترح مجموعة من الحلول الانقاذية الممكنة للإنسان حين يفكر بمنطق مجموعة بشرية تعمل بصيغة تشاركية.

 ترين إذن أنّ (مشروع أومّا) سردية روائية عن تجربة بيئية قابلة للتطبيق ؟

- لو اكتفينا بهذا القول فلن نقدم توصيفاً عادلاً لجوهر الرواية وثيماتهاالمتشابكة، ولاأريد الكشف عن تحولات الشخصيات ومعاناتها المريرة وخفايا قصص الحب الموازية للمشروع فأحرم القارئ متعة الكشف الشخصي. يمكنك القول هي رواية بيئية وتجربة خلاصية يحفّزها تهديد حقيقي ومباشر للحياة تحفل به أحداثها. تقترح الرواية ملامح عامة لِما قد يشكّلُ ممكنات التجربة بتوظيف (الاقتصاد الأخضر) في بيئة زراعية وفي بلدان بعينها لكنها لن تقدم تفاصيل إجرائية وقانونية مسهبة ؛ فالعقل البشري الخلّاق - إذ يتصدى لتهديدات جدّية - سيكون قادراً على ابتكار معالجات مناسبة لكلّ المعضلات التي تعترض التجربة الإنسانية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top