كــورونـا ذات الــزمــــان.. 3-1

آراء وأفكار 2021/07/25 10:58:18 م

كــورونـا ذات الــزمــــان.. 3-1

 زهير الجزائري

الوباء

اسمع من بعد زعيقاً متقطعاً يثرم الهواء. من دون أن يفصح يقول هذا الصوت اللجوج بأن شخصاً لا أعرفه، لكن يشبهني على حافة الموت. يقترب الصوت بشكل قوس فيمس دائرة الأمانت التي أنا فيها ثم يذهب بعيداً. بتواتره يقول لي: أنا قادم!

وصلتني ورقة رسمية تحمل اسمي تقول لي بالذات بأنني من الأكثر تعرضاً للإصابة بالمرض. لذلك علي أن أخضع لحجر استثنائي. صدفة الحياة تتجاور مع صدفة الموت. الموت حاضر بقوة في هذه المدينة والتلفزيون يتحدث عنه كأرقام. وهو يستهدفني أنا بالذات لأني أحمل قاتلين في جسدي(ضغط الدم والسكر).مع ذلك اتحايل على التحذيرات لدي يقين بأن الوعي بالحالة وحده كاف للنجاة منه.

الحكومة هنا وبسبب ضيق المستشفيات وضعت أولويات، غير أخلاقية، مخالفة لمبدأ المساوات بتفضيل الشباب على المسنين في حالات العناية المركزة. نحن المتقاعدون زائدون عن الحاجة، نأخذ ولا نفعل. لو سألوني لقدمت واحداً بعمر أولادي دون أن أحسب ذلك نكرانا للذات، لكنني تخيلت نفسي مرمياً عند مداخل المستشفيات مع الميئوس منهم.

الشوارع ساكنة خالية من الناس. القليل الذين يمرون يسرعون خطاهم هرباً من الطرق الموبوءة التي يمر بها الآخرون، يريدون الوصول لبيوت الأمان. في الملتقى الصغير بين السلالم والممرات في عمارتنا نمدّ أيدينا بحذر لنمسك نفس الأبواب. نلبس القفازات قبل أن نمسكها، فالأشياء الأليفة مثل مقبض الباب وصندوق البريد موبوءة بعد امسكها الآخرون. حتى الكلمات موبوءة لذلك نتبادلها على عجل بعيداً عمن نحدثهم ونتبادلها بحذر. نتابع الكلمات وهي تغادرنا لنضمن سلامتها.

هنا بيتي وهو حدودي. البيت وحده يعطيني الأمان.…انظر من النافذة فأري حائطاً من الأسمنت و سقالات بناء بلا بنائين، توقف العمل. النوافذ أمامي مفتوحة على النصف لتعطيني ايحاء بوجود حياة مخبأة مثلي. أرى امرأة بملابس النوم اتكأت على سياج البلكونة، نادت رجلاً تحت غادر تواً باب العمارة، سمع صوتها فعاد. ما الذي حدث؟ من ضجري ابحث عن حدث مثير لأدخل فيه.

تترصد المرأة بدورها نافذتي وتستغرب وجود الشبح المتواري في داخلي. فتحت الستارة إلى النصف.رأتني وتساءلت بالتأكيد:

لم هو وحيد؟ تسأل نفسها وتجيب. تركته زوجته بسبب الملل من قلة الأحاديث والحركة. أفكر بها وهي وراء الستارة وتفكر بي وبيننا شؤبوب من المطر يغسل الأسئلة والأجوبة.

انتظر أن يفتح باب العمارة المقابلة، انتظر، انتظر …:يفتح الباب ببطء كأن الكارثة مجسدة في ضباب صلب ينتجه خيالنا خلف الباب مباشرة. تخرج امرأة محجبة، تنظر للجانبين ثم تدفع عربة الطفل. كم مرة بسملت و استعاذت بالرب من الشيطان حتى خرجت. أراقب ذلك ثم أتأكد من أني واقف على الأرض محروس بجدران شقتي ومحمي خلف زجاج سميك. وفي داخلي دم يجري في شراييني. وهاهي يدي ممسكة بطارف الستارة، سأغلقها حين أشاء وأعود الى نفسي وذاكرتي.

ماهو مرعب متجسد في ذاكرتي وخيالي. قرأته في روايات كامو عن الطاعون و توماس مان عن الكوليرا، وما زالت تترجع في ذهني قصيدة (الكوليرا) لنازك الملائكة:

 

طَلَع الفجرُ

أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ

فى صمتِ الفجْر، أصِخْ، انظُرْ ركبَ الباكين

عشرةُ أمواتٍ، عشرونا

الصمتُ مريرْ

لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ

حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ

الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ

الميّتُ من سيؤبّنُهُ

لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ

في روايته عن الطاعون جسد كامو المرض بالجرذ.. هذا الكائن الصغير الضعيف المخاتل المقرف الذي يهدد مستقبل المدينة وناسها”لن ينتهي الوباء. يبقى كامناً عشرات السنين نائماً في قطع الأثاث والغسيل، ينتظر بطول أناة في الغرف والأقبية وصناديق الأمتعة والمناديل والورق، وقد يجيء يوم، لبلية فيوقظ الطاعون جرذانه ويرسلهم كي يموتوا في مدينة هانئة».

المرعب في الوباء الآن كونه غير مرئي. مختف في الهواء الذي اتنفسه.إنه هنا حولي ولا اتعب نفسي في محاولة تجسيد وجوده. بل أتركه كما هو ذائبا في الهواء بلا شكل ولا ملمس ولا رائحة.

أسمع صديقي الطبيب احمد مشتت يتحدث عنه، بالأحرى يتحدث عن افعاله وما يتركه على جسم الإنسان: الحمى والسعال والإعياء وضيق النفس وفقدان حاستي الشم والتذوق. قد تشمل قائمة المضاعفات كلًا من ذات الرئة ومتلازمة الضائقة التنفسية الحادة. “. وينهي حديثه بالحقيقة الكابوسية “لا يوجد حتى الآن لقاح او علاج فعال”.الكورونا كشفت جهلنا وعنجهيتنا. أذهلنا تطور العلوم فافترضنا امتلاك عشبة الخلود. لكننا راينا الحكومات تتخبط في قراراتها والعلماء يعترفون أمامنا بجهلهم. بلا يقين سنستانف كل معارفنا بهذا العالم الذي انقذفنا فيه.

الوباء- المؤامرة

الناس منقسمون حد التطرف. هناك من لا يصدقون الوباء ويعتبرونه (مؤامرة). ولهم تفسير محبوك كونه من صناعة دول أو شركات تريد تصريف بضائع، وهناك من يحيلونها لجهات و أهداف غامضة. يزداد الخوف كلما زاد غموض الأسباب. الخوف يصنع أساطيره.لاتنتقل هذه الأساطير عبر الهمس ولا تتنقل من فم لآذان، إنما عبر تكنولوجيا الاتصالات المتاحة للجميع. كل يروي أسطورته للكل ويتلقاها الآخرون كحقيقة. العلم متوقف في حيرة أمام الوباء، وحين يتوقف العلم تمشي الإشاعات بسرعة الريح. الإيمان بالمؤامرة شكّل في الولايات المتحدة تياراً سياسيا يمينياً شعبوياً أيد ترامب. أن تشيطن مجموعة من الناس، أو دولة من الدول وتحيل لها كل الشرور المخزونة في خيالك. الخيال البشري والمهارة الغريزية في رواية القصص تشكلان نسيج هذه النظرية، وهناك دائما جمهور يكره التحليلات المعقدة ويبحث عن قصص جاهزة سهلة الهضم.

لكي تثبت ابنة أختي ذلك تفتح تلفونها النقال لتريني صورة طبيب شائب الشعر يعلن بخطوط عريضة:المؤامرة!

-هل تعرفيه؟

ـ...

-كيف إذن تصدقين انه استاذ في جامعة بنسلفانيا؟

-مكتوب…

هناك من لا يأبهون للتحذيرات ويرفضون لبس الكمامة. وهناك من يبالغون في الحذر حد المرض. صديقي يوسف حبس نفسه في جسده، وتحذر من اقتراب أولاده. أقارن بين الاثنين وأسأل نفسي أيهما الصحيح؟

البديهيات التي نركن إليها اهتزت وصارت مجرد أسئلة مطروحة على لا أحد. كم سيطول، ماذا سيحدث؟ الى أين نحن ذاهبون؟ أين الرب من كل هذا؟ إذا كان موجوداً، فليخرج ويقول لنا كلمته!

ما الذي سيحدث بعد أن تهدأ الجائحة؟سيبدو ما عشناه باهتاً سخيفاً. مع ذلك سيخيفنا ضعفنا الحاضر. لهذا الحد كنا جاهلين؟ لهذا الحد كانت الحياة غالية بحيث سفحنا كرامتنا من أجلها؟ربما سنكتشف لاحقا خطأ تصوراتنا، فالفقاعة الاولى للوباء خرجت من فم دجاجة، وإن العلاج منذ البداية كان متوفراً حد القرف: نصف فص ثوم يغلى ويعجن مع قشر برتقالة. العراقيون بعد ان فقدوا مليوناً سيكتشفون و ياللغرابة أن الجاجيك مع الثوم هو العلاج. لاحقاً سيؤيدها المستحرمون …وإن الجرذان التي قفزت للمدينة ولوثتها هي نحن البشر، والمزابل التي ننشرها حيثما حللنا!

الله أو العلم؟

نحن نعيش مع كورونا نفس التعارض في اعتمادنا:العلم أو الرب؟. كلمة جائحة تعني (بلوى) نازلة من الرب لامتحان عباده.الامتحان يتطلب القبول بالوباء باعتباره قدر. وبناء على القبول لا حاجة لمشورة الطبيب وما ينصح به من علاج.

أتابع ما يحدث في العراق وهو انتحار جماعي. تدخل المواكب بتدفق الى ضريح الحسين. قبل ان يدخلوا ينزعو الكمامات، انصياعاً لتوجيهات رجل يذكرهم بأن المقام طاهر مطهر، هو ومن فيه والداخلين للزيارة.

ومن يدخل مع كمامته فهناك نقص في إيمانه. من سيقول(لا)؟ سلوك الحشد سيلغي اعتراض الفرد. لقد حدث شئ كهذا قبل أكثر من مائة عام حين اجتاح الطاعون المدينة.

في الايام الأولى من الوباء كنت أشعر وأنا خارج البيت باني أدخل فضاءً معادياً. تكاثرت احتمالات الرعب وفي ذهني أن الفيروس يستطيع البقاء معلقاً في الهواء لست ساعات. اتخيله يسبح في الهواء بغبطة منتظرا الإنسان الأبله الذي يمر وقد وضع السماعتين في أذنيه يسمع الموسيقى باستغراق غافلاً عن هذا الخبيث الذي حطّ على شاربيه.

أمشي على الرصيف وكأني ادخل نفقاً من الوباء. إنسان آخر يخرج ينبثق أمامي من العدم مثل تماثيل جياكوميتي. ظهوره يزيد وحشتي.لا اكتفي بالابتعاد عنه إلى الرصيف الثاني، إنما اتجنب النظر الى وجهه، فالنظر صلة، والصلات مكهربة بالخوف.

بين الحاجة الى الآخر والخوف منه عشت في عزلة. وسيلتي للاتصال هي التلفون أو التواصل عبر الفضاء الاجتماعي. الشبكة حلت محل الجماعة البشرية، قبيلة كانت أو أبناء مدينة أو جماعة أصدقاء. بصعوبة يدخل الغريب الى الجماعة أو يخرج منها. أما على الشبكة فمن السهل دخول الغرباء وخروجهم.لا أعرف كيف وجدت نفسي في شبكة Club house وسط مجموعة يناقشون مشكلة الكهرباء. وجدت نفسي دخيلا وسط الحديث. بسهولة وجدت الحل في خيار: -leave quietly

الشبكة توهمني اني لست وحدي، إنما مع آخرين أسمع صوتهم أو أرى صورتهم. لكنهم موزعون على ثلاث قارات. أنا في غرفة واحدة معهم،لكنب لا ألمسهم ولا أصل البعد الثالث من صورهم. هم هنا وهناك موزعون على ثلاث قارات.

غادرت الكتب منذ فترة وصرت أقرأ كتبا مقرصنة حمّلتها في جهازي المحمول. في شبابي تركت مكتبات بمقدار ما تركت من بيوت. المكتبة والسرير وصورة العائلة علامات وجودي في المكان. الآن كبست الرفوف كلها وجرد الورق من كلماته وفرشت في هذا الجهاز المحمول بحجم كتاب. على الشاشة تبدو الكتب أرق مما هي على الورق. ذهني يتجاوزها الى الأمور الأسرع والأكثر إثارة في البريد الالكتروني والفيس بوك وشبكات التواصل. لا أتوقف كثيرا، ولا أستعيد إلا قليلا، الجهاز المحمول علمني القراءة السريعة العابرة،لا استطيع أن أعلّم أو أهمّش.ذهني يشرد بسرعة. للكلمات على الورق وزن المادة ورسوخها في حين أن الكلمات على الشاشة تبدو خفيفة عابرة ستطيّرها الريح عما قريب.

بين الذين صعدوا عربة المترو في لندن شاب وحيد يحمل كتابات، والغريب أنه من الورق. وضع اصبعه بين صفحاته. واصل القراءة حالما جلس على مقعد. كل من حوله يقرأون تلفوناتهم المحمولة.ماذا يقرأ؟أثار فضولي الكتاب بين حزمة من التلفونات المحمولة. وأثار فضولي القارئ. من هو؟ اعطى كرسيه لعجوز وواصل القراءة وهو واقف. أعطاني إحساسا بوزن ما يقرأه وبوزنه كقارئ.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top