كيف نُؤوِّل تاريخ الثقافة العراقية؟ 2-2

كيف نُؤوِّل تاريخ الثقافة العراقية؟ 2-2

ملاحظات عن كتاب "جحيم المثقف"

شاكر لعيبي

ظهور الدولة القومية الحديثة وانبثاق الحركات القومية في العالم. أدّى وما زال إلى سجال ثقافي عالمي، وتكوين مجاميع ومثقفين تجادل في الموضوع وتتخذ غالباً مواقف منه.

سجال ثقافي محلي وعالمي، قاد عراقيا إلى وضع القوميين، وهم أيديولوجيون بالفعل، والقومية Nationalism التي هي (أيديولوجيا سياسية) بمصاف المثقفين الماركسيين، واتهمت الماركسية بأنها أيديولوجيا من الطينة نفسها، في حين نعرف أن الماركسية هي (فكر) حيوي نشط وديالكتيكي بعيد عن جمود وثبات الأيديولوجيا بالمعنى المقصود، اللهم إلا في تطبيقات محلية تصنيمية تقديسية ودوغماتيكية. نحن لا نعرف أن كارل ماركس اتهم يوماً بأنه "مفكّر أيديولوجي"، ولا آلتوسير ولا ثلة من نقاد الأدب والجامعيين الإنكليز والأمريكان الماركسيين، ولا حتى مثقف عراقي مثل فالح عبد الجبار.

لو كانت الأيديوجيا بهذا المعنى هي التي حكمت الثقافة العراقية، لكانت قد حكمت أيضاً الثقافة المصرية منذ عام 1922 حتى 1952، حتى لو تقنَّع ماركسو مصر بقناع التسمية الاشتراكية. لا أحد تقريباً يتبنّى هذا التحليل في مصر.

وبمناسبة الراحل فالح عبد الجبار، تنجلى انتقائية الأخرس بنسيان أو تخفيف الإشارة الأيديولوجية لمثقفين من قبيل علي الشوك ونحيب المانع وفوزي كريم وعبد الجبار عباس وياسين طه حافظ حتى لو كانوا يساريين يوما، في شبابهم. أنهم معفيون بسبب "المآل الأخير" لنشاطهم، بينما لا يُعفى أحد آخر من هذا المآل، خاصة مثقفي السبعينيّات، "الحائط الواطي، النصيص" لكل من يقول بهيمنة هذه الأيديولوجيا في ثقافة العراق الحديث.

أعود لتمهيد أثير على نفسي كتبته ذات مرة عن الأيديولوجيا:

"اُثقِلتْ مفردة "الأيديولوجيا" بمعان ثانوية (بالفرنسية connotations) ليست من صلبها، واُستخدمتْ بطريقة هوائية رديفاً للفكرة المجرّدة، وللالتزام الفكري والأخلاقي، والنزعة الإنسانية، والوضوح في الوعي، وكل نزوع سياسيّ مهما كان طفيفاً وعريضاً، وصنواً للأمل بمستقبل للأشياء، وللأدب المعنيّ بمشكلة محدّدة (باستثناء النزعة النسوية!)، والانحناء على اليومي من طرف الشعراء، كما اُسْتخدمَتْ في مواجهة المصطلح، من جهة أخرى، تعبيرات مضادة مثل الليبرالية واللا التزام والصعلكة والتمرّد والعبث وأحياناً الردح الثقافي ضيق الأفق وقليل البصيرة. لم يقدّم الكثيرون، في نهاية المطاف، تعريفاً للأيديولوجيا، ولم تُشـْرَحْ لن بالتالي العلة الأصلية في تهافتها. نعود إذنْ إلى مصطلحيْ (الأيديولوجيا) و(الأدلجة) اللذين راجا كشيء يشابه الشتيمة والخطيئة المسيحية الأولى، ونبرهن أن البعض – وللتبعيض دلالة كبيرة هنا- يستخدمها بطريقة تنقصها التدقيقات الضرورية..."(مقال في مجلةالغاوون). وأجد الاستشهاد ضرورياً في المقام الحالي.

المنسي الكبير في كتاب الأخرس هي "الأيديولوجية الدينية" بين 1945 وحتى التمانينيات، وهذه الأيديولوجية تٌقارن بالفعل بالأيديولوجية القومية. إن ثلة ممن يستشهد بهم الأخرس في كتابه بصفتهم قوميين هم هم في الجوهر من الأيديولوجيين الدينيين (الكنعاني مثالاً) وفق ما كانت تسمح لهم السياقات المحددة بالتعبير الصريح. هذه معضلة أخرى في الكتاب تحتاج تدقيقات وتصويبات، جرى تناسيها لسهولة الثنائيات المذكورة.

في تكوين الدولةالقومية الحديثة في العالم (الثالث) وما كان ثالثاً، كان مثل سجالنا "الأيديولوجي الثنائي" معروفاً على نطاق واسع جداً. وقد عدتُ لمكتبة لوزان لمراجعة مصدر عن الموضوع فأشار لي المكتبيّ بالعودة بعد يومين ثم زوّدني بقائمة دراسات طويلة عن الموضوع من النيت نفسه، وتدور رحاها كلها حول السجال بين قطبي القوميين واليساريين.

لو امتلك المرء الوقت الكافي لراجع تفاصيل بعض هذه الكتب، ولرأى أن السجال بين قوميين ويساريين يشتغل بالطريقة ذاتها في أماكن مختلفة من العالم، بعيدا عن فوكو وبورديو، ودون "وصم" تلك الثقافات من طرف مؤلفيها بالنسق الأيديولوجي.

بإمكان كل معنيّ أن يرد علينا ويقول إن سجالات العالم المذكورة هنا ليست من الطبيعة الأيديولوجية العراقية، مع تقديم البرهان ودون تشنّج.

إن وضع جميع الخطابات المعالَجة، في كتاب الأخرس، في مربع الأيديولوجيا، وإنْ قيل لدى الأخرس بطريقة أكثر احتشاماً، فهو كاتب جاد، لهو "موقف أيديولوجيّ" مباشر. فإن مخطط هذه المعالجة يضع عموما القوميين مقابل اليساريين، وصولا إلى وضع الشيوعيين مقابل البعثيين، وذلك منذ الثلاثينيات حتى الثمانينيات إذا لم أقل حتى يومنا الراهن، والزعم بأن هناك "تشابها" أيديولوجياً ما في أصول جميع الخطابات، مما يبيح للمرء التساؤل فيما إذا كان خطاب مؤلفنا نفسه هو موقف أيديولوجي بالأحرى، ذلك أنه يوحي ضمناً انسلاخه عن جميع تلك الخطابات عبر نقدها زاعماً امتلاكه "حقيقة ثابثة" حتى لا أقول مطلقة، هي فحوى (حجيم المثقف). لنُذكّر برأي كريستيان دونكير Christian Duncker عام 2006 الذي يعرِّف مصطلح الأيديولوجيا على أنه نظام تمثيليّ يعلن، صراحةً ومداوَرَةً، امتلاك الحقيقة المطلقة. ونعاود قول رأي المفكرة حنا أرندت Hannah Arendt بأن الأيديولوجيا "تشارك الظاهرة الشمولية بالجوهر consubstantielle وتقدّم عدة خصائص لا يمكن عزلها عن بعضها. فمن جهة تشكل نسقاً تأويليا نهائيا للعالم معلنة ادعاء المعرفة، الكلية والصريحة، بماضي العالم ومستقبله. ومن جهة أخرى فأن الأيديولوجيا تعلن عن طبيعتها غير القابلة للطعن وغير الممكنة التزوير. أنها غير مصابة بالخلل وأنها متحررة من الواقع. خصيصة أخرى للأيديولوجيا تقع في "منطقيتها logicisme "وقدرتها على الترابط الداخلي الماهر الذي يجمع، على نحو ثابت، المتناقضات في سياق منطقي. وهي تصير من وجهة النظر هذه، حسب أرندت، بالضبط ما تزعمه: منطق الفكرة".

يتساءل المرء في هذا السياق فيما إذا كان بالمستطاع الاعتماد على مفهوم آخر، نسق مغاير لـ "لنسق الأيديولوجيّ" الحادّ، الانتقائيّ (وهذه الانتقائية تحتاج إيضاحات عن طريقة عملها في كتاب الأخرس): نسق جمالي، نسق أيطيقي (أخلاقي)، نسق نفسيّ، نسق تراثيّ، نسق ثقافيّ، نسق سوسيولوجيّ، نسق مدينيّ، نسق لغويّ...الخ بل جميع هذه الأنساق في لحظة عملها الثقافيّ، في معالجة وتأويل تاريخ الثقافة العراقية عموماً، والشعرية بشكل خاص؟

متى أنبثق توصيف الثقافة العراقية بانها أيديولوجية؟

انبثق غالباً في سنوات التسعينيات، في السنوات اللأخيرة من حصار العراق، بعد أن تساقطت أسنان أسد بغداد الطاغية، وتضعضع نظامه وخروج ثلة كثيرة من المثقفين الذين ترعروا تحت حكمه الأيديولوجي الشديد السطوة، وكتبوا أثناءه خوفا ورهبة، منطلقين في الترويج لمفاهيم تعلموها بعيدا عن أجهزته، قراءة وترجمة أحياناً، مفاهيم بعضها ساخط، يُدمج أيديولوجية النظام المقيتة مع أي فكر آخر. جيل تلقف ترجمات الحداثة وما بعد الحداثة ووالميتا سرديات، السرديات الصغرى والكبرى والهويات الفرعية ونقد الأيديولوجيا في الفكر الغربي، ساعياً لرؤية ما يشابه ذلك في الثقافة العراقية، وقد انهمك بذلك عبد الله ابراهيم وعلي بدر الروائي البارع (يسمى نفسه انطلاقا من كل ذلك روائيا ما بعد حداثي، وأنه درس الفرنسية في بغداد)، ومحمد غازي الأخرس ود. حيدر سعيد وغيرهم. سير حيوات هؤلاء المثقفين البارعين تعاني من فجوات. علاقات طلبة الجامعات مع سلطة البعث كانت هي نفسها علاقاتهم بسلطة االبعث إثناء دراساتهم. لقد ظلوا دوما يقيمون جدارا افتراضيا بين وعيهم ووعي من سبقهم ومجايليهم أمعاناً في الاختلاف المفترض لهم.لا أقول أنهم كانوا من المدافعين عن أيديولوجية النظام ومدّاحية، حاشاهم. أقول أن هناك التباسا مقصودا في سير حياتهم وربما اخفاءا لبعض مفاصلها حتى اليوم. ما عدا الأخرس الذي نعرف أنه اشتغل بعد تسرجه من الخدمه الالزامية بائعا للكرزات في مفترقات الطرق. لم تُشاع أفكارهم في العراق البتة، وظهرت عندما خرجوا منه وفي ذلك دلالة. ولعلهم يصلحوا أن يكونوا والحالة الملتبسة هذه مثالا لمحنة المثقف وتلفيقيته الراكنة إلى مراجع أجنبية لا يُصرّح بها دائماً. كانوا إضافة لكل ذلك من دون طرف محاور رصين، الأمر الذي منحهم غالبا الانطباع بالتفوق الساحق في ثقافة البلد حتى عام 2003. كانوا يتقدمون مقدمين أنفسهم بصفنهم "مفكرين" و"مفكرين جدد" (وهذا من حقهم) بأدوات مستعارة ومترجمة دون قول ذلك بالوضوح الكافي، في ثقافة محلية محكومة بالأيديولوجيا الخرساء.

كانت صحيفة الزمان أواخر التسعينيات، من جهة أخرى، تروّج لنقد الأيديولوجيا في الثقافة العراقية بالمعنى الحالي، وكان كثير من المثقفين العراقيين ينشرون فيها (وفي القدس العربي، عطوان) بغياب أية منابر آخرى. وفيها شاع تقسيم ثقافة البلد إلى (أيديولوجتين) ثابتيين. كان هذا التقسيم يجد هوى عاماً غي تلك السنوات لأسباب لا تخفى على أحد. وكان سقوط الاتحاد السوفياتي 1991 والتشكيك العميق بكل فكر اجتماعي و(اشتراكي) ويساري يدعم هذا الهوى وذاك السخط.

اتذكر أني كتبت في (الزمان) مادة بعنوان "هل شعراء السبعينيات، هم شعراء أيديولوجيون" او بعنوان من هذا القبيل، فقامت الدنيا ولم تقعد، ومن حينها تبين لي أن هذا التقسيم يمكن أن يكون موضع درس وأنه ينطلق من دوافع ليست نقدية، ولا موضوعية، ولا علمية، ولا حداثية بالضرورة، ومن حينها، خاصة بعد إقامتي في تونس منذ 2004 بدأت افتش عن سبب ذلك، فوقعتُ على بحث يناقش الفكر والأيديولوجيا السياسية في الصين (أظنه من منشورات عالم المعرفة الكويتية)، فوجدت تماثلات كبيرة بين وضعنا والوضع "الأيديولوجيّ" الصيني: صراع بين فكر قومي صيني وألإفكار الاجتماعية واليسارية.

مفهوم "الثقافات الفرعية" أو الهويات الفرعية؟

في كتاب الأخرس يتكرّر الحديث عن الهويات الفرعية، مثله مثل أقرانه المحترمين. وهي منقوله "نسخ قص" في سنوات التسعينيات المذكورة، من المصادر النقدية الأمريكية في الغالب. وبالنسبة للنسق الأيديولوجي وعموم مفهوم الأيديوبوجيا حاول الجماعة المحترمون المذكورون إيجاد تشابهات لذلك في ثقافة العراق. لكن المفهوم ينطبق بشكل أساسي وكبير على "الثقافة الأمريكية": جغرافياً وتاريخياً وتكويناً من تجمّعات متفارقة بحدود واضحة، مدموجة بالعنف والمنافع، عبر عناصر تكوين ما سمي لاحقا بالأمة الأمريكية. الظاهرة كانت معروفة في غالبية الثقافات تحت تسمية الاختلاف والتنوع، دون ابتكارات الأمريكان الاصطلاحية بشأن مكونات ثقافتهم.

أعيش في سويسرا وهي تتحدث (أقول تتحدث) اربع لغات، لم أتحدث بعد عن فرنسا أو عن استراليا أو ألمانيا أو إنكلترا، حيث لا أحد يستخدم كثيرا مصطلحا ملغوما مثل ثقافات فرعية العراقي هذا. "ثقافات فرعية" إزاء ماذا؟ أزاء أي نوع من الثقافة أو الثقافات؟

لاحظ أن هذا المفهوم يتخفى في العراق وراء قبول وتبرير ورؤية طريقة عمل "العصبيات" و"الجهويات" و"القبلية" و"المحاصصات" (خاصة المحاصصات) و(العرقيات) و(القوميات) و(الإثنيات) و(اللهجويات) و(الخصوصيات من كل نوع، البديهية) وغيرها التي يُراد، على ما يبدو تبريرها. إنه يبغي القول إن الثقافة (الوطنية) (الثقافة المحلية) شبه أكذوبة أو أكذوبة قائمة بالقوة أو بفعل الأيديولوجيا، وينبغي تفكيكها لا لغرض تركيبها وتحليلها أنما ربما للتأمل بها جثة لغوية هامدة.

لاحظ أن هذه الهويات الفرعية تختفي نسبيا أو تتخفف حالما يصيب ثقافة فرعية (؟) منها مصيبة كبرى، فتتمحور حول المشترك وتطالب به بأعلى صوت. الثقافات الفرعية ربما هي طريقة أخرى لقول إن التنوع الثقافي في العراق هو (لَمْلوم)، عدم تجانس مطلق. ولو قيل الأمر كذلك وبهذه الوضوح فإن علينا أن نر السبب بذلك ونتائج ذلك، بالأمس كما اليوم، أو علينا قبوله ببساطة. هل تُدرس "العصبيات" و"الجهويات" و"القبلية" و"المحاصصات" و(العرقيات) و(القوميات) و(الإثنيات) و(اللهجويات) و(الخصوصيات) بابتسارها عبر إطلاق فكرة "الثقافات الفرعية" عليها؟

طالما تساءلتُ عما كان يريده بالضبط مطلقو الفكرة بعد 2003 خاصة؟

قبل عام 2003 كانت هناك على ما يبدو ضرورة في إطلاق المفهوم كي يكون في مواجهة ناعمة لثقافة سلطوية ودّت بكل ثمن طمس تفارقات العراقيين لصالح ثقافة الزي الموحّد (الكاكي، الخاكي) وأفكار عسكرة العراق. لكن هذا الاستخدام ليس أصل الاستخدام الامريكي للهويات الفرعية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top