كــورونـا ذات الــزمــــان.. القسم الثالث

آراء وأفكار 2021/07/27 11:25:23 م

كــورونـا ذات الــزمــــان..  القسم الثالث

 زهير الجزائري

كتابة

الكتب حلت محل الحديقة. لكن القراءة اختلفت. أقرأ دون متعة،أقلب الصفحات التالية بنرفزة»الرواية طويلة، من يقرأ كتاباً من ٤٠٠ صفحة تدور أحداثه في شارع واحد»!؟

لكن مع ذلك تعطيني الكتب الشرارة حين تشحّ الأفكار، جملة أو كلمة تفتح في ذهني أبواباً لا علاقة لها بما قرأته. الماضي حين استدعيه لا يأتيني كخيط لامسك طرفه وأخيط به حكايتي. يأتيني كدفق فأنّقيه كما أتلقط حبات الدخن من الرز.

الكتابة اختلفت أيضاً. صرت أسقط الكلمات على الشاشة غير موقن من حيويتها. أميل للكتابة عن أماكن وأشياء ساكنة. لم يخطر ببالي وأنا اكتب أن الانتقال يتطلب ركوب سيارة. صورة السيارة وأنا فيها ذابت في رعشة السرعة. أكتب عن حياة عادية بلا مغامرات ولا توترات، أكتب وأدرك في الوقت نفسه أن أحدًا لن يقرأ هذا الإيقاع الممل.

كنت أراقب ذبابة محبوسة وراء الزجاج. ترى الفضاء أمامها فتفرد جناحيها لتهم إليه، وفي كل مرة تصطدم بالزجاج، لا تفهم الأمر. الفضاء المفتوح واضح تماما تحت ضوء ينضح من غيوم بيضاء. ثمة خطأ؟ لم لا استطيع الوصول لما أراه ؟

تكرر، تكرر، ولا تصل للنتيجة:هناك عائق صلب.…هو المستقبل لنا نحن البشر. اكتشفت وأنا أراقبها إنني لم أكتب يوما عن ذبابة.

أقف طويلاً امام رفوف مكتبتي لأختار الكتب التي لم أقرأها بعد، أو التي قرأتها و أريد أن أستعيدها. كم من التجارب والخبر تراكمت في ثناياها؟ الكتب تدعوني اليها.أنا القارئ الذين سيعطى كلماتها الحياة. الزمن يصدني عنها: لن يسعفك الوقت! أصعد رفوف ذاكرتي وأقول مطمئنا نفسي بأنني عشت كثيراً من التجارب الباهرة التي تعطيني زاداً وفيراً للكتابة.

العزلة الطويلة والخوف من نوبات الكآبة دافع للكتابة

عشت هذه الأيام في عزلة دون تطرفات، قليل من الأفعال ، حركة محدودة ومقيّدة. أخرجت دفاتر يومياتي ورحت أقلبها كما تاجر مفلس، ورحت استرجع أحداث نسيتها لأحياها من جديد. أقرأ اليوميات و أتسائل، أين حدث ذلك، متى؟ومن هو المعني؟ هناك ضباب قاتم هو النسيان. أوجه الضوء من ذاكرة معطوبة الى بقعة دائرية من حياتي لإحياء اللحظة من جديد، ولكن بوعي الحاضر. الفنان الشاعر يحيى الشيخ نصحني»خلّها كما هي وبوعي لحظتها!»لكن، يبدو لي ذاك الوعي سخيفاً وساذجاً. ساجرب الإثنين، التضمين يعطيني حلًا ويتيح للقارئ أن يعيش الزمنين معاً إضافة لزمنه، زمن القراءة.

أكتب بسرعة كما قبيل الامتحان لأن الزمن يحاصرني. أمد حياتي إلى الماضي وأستعير منه الزمن الذي فات، واعتبر نفسي الشاهد الوحيد الباقي على ذاك الزمن.

أكتب، اكتب، أكتب.خلال الكتابة تاتي التجارب من الماضي بوضوح يفوق الحاضر. كلما تباطات الحركة حولي وقلت المشاهد تزداد حواسي حدة. ما يسميه باشلار التأمل الموضوعي للأشياء ولمن أراه، بل وحتى لنفسي، صار هاجسي. أرى بوضوح شديد ألوان الأشياء وانحناءاتها. أرى وأحاول أن أعطي ما أراه معنى يفوقه.

تتعبني الكتابة وينقطع الذهن مع انقطاع الكلمات. آنذاك أمطّ عضلات يدي و أهئ نفسي للأفعال. أكتشف قلّة ما متاح منها. أثرم البصل والثوم والطماطم إلى شرائح غاية في الرقة. ثم أعيد ستراتيجية التقطيع إلى العرض بدلا من الطول. أهئ القهوة ثم انسى أن أشربها.أعقم المقابض والحواف المنسيّة واكتشف أن في هذه الشقة الصغيرة زوايا لم أنلها بعد.

أدور وأدور وأدور ،ثم أكتشف فجأة أن هناك عالم متسع ينتظرني فأنهر نفسي بغضب: لم أنا هنا!؟

أستدعي مع الماضي المستعار الجبال التي صعدتها والأنهار التي عبرتها والحروب التي عشتها…أجرّها جراً إلى الحاضر الممل وفي داخلي شيخ ممدد في الفراش، قاس ولئيم يقول لي : لم يحدث ذلك!

الوباء والسلطة

الوباء منح السلطة شرعية التدخل الكثيف في حياتي كفرد. السلطة التي لا أراها، حاضرة برموزها الثقيلة. العزل هو أفضل ما تجيده السلطة، ففي التجمعات يكمن التمرد.

السلطة نفسها واقعة تحت ضغطين. بين الحجر الصحي كواجب أخلاقي وقانوني لحماية الحياة وبين منطق الحسابات النفعية للطبقة التي رفعتها. هذه الطبقة تنظر للحياة على انها دورة جنونية من الاستهلاك. لن تقبل هذه الطبقة بتوقف الأعمال من أجل شئ (ثانوي) هو صحة الإنسان.

عزلتني السلطة عن بناتي وحددت لي شكل اللقاء: من بعيد! حددت عدد زواري وأين وكيف نلتقي. حبستني في البيت ورسمت خطوط تحركي خارجه. هي التي تتسوق نيابة عني، وما تراه صالحاً لصحتي. تخليت لها عن إرادتي وصرت إياها. أنتمي لها بمقدار ما انتمي لنفسي. هي الأم الرؤوم التي تعتني بولدها وهي الأب الذي يعرف الصالح ويقودني إليه، بالغصب إذا عصيت. حددت كيفية الدفن وعدد المشيعين. صديقي صلاح جياد مات في هذه الأيام، لم تشيعه غير حفنة من الأهل والأصدقاء. العدد حددته السلطة.

السلطة التي قاومنا تدخلها في حياتنا صارت مطلوبة كما الله.اليوم شهدت تجمعاً لناس يشربون البيرة. منظر مرعب، مازال الناس يتجمعون!؟ أين السلطة؟ تساءلت وأنا أستدعيها في خيالي لتفرقهم. توزعت السلطة في سلوك الناس، يلتفتون بغضب حين يكون بينهم واحد لم يرتدي قناعه أو لم يحافظ على مسافة الأمان التي حددتها السلطة. اقدام الناس مطبوعة على الأرض: هنا قفوا. تمددت الطوابير وتقطعت بمسافات محدودة. الطابور هو الشكل المثالي لانتظام الناس في خط واحد. عرضاً أو طولا يتدرب الناس في الجيوش على الوقوف في الطابور. وتذهب الجيوش للحرب في طوابير ويعود القتلى في طوابير. الطابور هو هندسة الطاعة للسلطة. وتفضل السلطة التعامل مع الأفراد عموديا، كما الله: أنت وربك. فكرة الحجر ترتبط بالسلطة،السلطة ظالمة حتى لو كانت على حق، والناس بالغريزة يقاومون أوامر السلطة، خاصة الحجز. نادرا ما يؤمن الانسان بحسن نوايا السلطة حين تحجز الناس في بيوتهم. الحجز يعني تعطيل الحياة الاجتماعية، في المدارس، في المعامل، المقاهي، إغلاق الأسواق، لذلك تقاومها الشعوب، باعة ومشترين. الأماكن العامة تفرغ لرجال السلطة.

في ركن ضيق رأيت تجمعاً للناس يشربون البيرة في الشارع: أين السلطة؟ تساءلت وأنا أستدعيها في خيالي لتفرقهم.

قطعت ترددي وقفزت الى الباص وأغلق الباب خلفي . صبيان في العربة بلا أقنعة كانوا يضحكون ثم توقفوا فجأة عن الضحك فقد مسهم هلعي حين قفزت داخل العربة.أفزعتني كثافة الوجود الإنساني، الحرية التي يتصرف بها الصبيان وقد كسروا مسافات التباعد وقوانين السلطة. وافزعني كثافة الهواء في العربة. هل انزع القناع؟

أقبل تدخل السلطة ارتباطا بحالة الطوارئ وأخاف في نفس الوقت من أن تتحول الطوارئ الى قاعدة.:فالسلطة بحكم آليتها ميالة للتمركز. تريد أن تأمر دون أن تسأل أو تحاور. والإنسان الخائف ميال لأن يطيع.

المقاهي

المقاهي موحشة وقد تراكمت الكراسي فوق بعضها. أخذت قهوتي وجلست على دكة قبالتها لأوهم نفسي بانني فيها.أحب المقهى كما أحب البيت. تاريخي الشخصي هو تاريخ مقاهي. المقهى ليس فقط مكاناً لتناول المرطبات والشاي ولعب الدومينو. إنه مكان لتنظيم الناس جماعة أو فرادى داخل جماعة لا تربطنا بها علاقة. إنه مكان الأحاديث.

قبل أن أدخل العشرين صار المقهى بالنسبة لي مكان جدل على عكس الجامع الذي هو مكان إصغاء وطاعة .أجمّع الحكايات والأفكار بانتظار ساعات الغروب لاذهب الى (مقهى عبد ناجي)ش في مدخل النجف. كل مغامرات هيمنجواي، وأسئلة ديستويفسكي نوقشت في المقهى بعد أن قرأتها في البيت. في بغداد دلني المقهى على الكتب التي سأشتريها و أقرأها ثم أعود لأناقتشها. الأحاديث تعطيني ما تعجز عنه الكتب. تاتيني الصور والجمل وأنا أتحدث.

في لندن أضيفت للمقهى خاصية أخرى غير الجدل، أن ارتاده وحدي لأكتب. أذهب لمقهى لا يعرفني فيه أحد، أذهب لأكتب لا لأتحدث. أغادر المشهد وراء الزجاج حيث ينث المطر ويمر العابرون بسرعة حاملين مظلاتهم. حركات العجوز وهي تقفز لتعبر بركة الماء تبد لي مضحكة.لا اضحك. بالي مشغول بالمشهد الذي أصفّه على الحاسوب. أجرد زمني الحالي لأذهب لزمن الرواية ومكانها الآخر و أدفع ثمنا باهضاً لماض غير نافع، مع ذلك فهو ماض زلق يفلت مني. هذه الذاكرة التراجعية تعاكسها في نفس المقهى ذاكرة أخرى اكثر تلقائية، تتجه في حركتها إلى الأمام، ذاكرة تجبرني على أن ادبر حياتي الراهنة بدلا من نبش قبور الماضي.

أغلقت المقاهي فصار البيت مكاناً وحيداً، أدور فيه واتحدث مع نفسي و غاب الآخر الذي يجبرني على تحويل الافكار الى كلمات. نحن حكاءون بالفطرة. وعلى حد ماركيز(عشت لأروي)،ولكي أروي هناك بالضرورة مستمع. بغياب المستمع تعود الحكاية وتدفن في مصدرها. هذه العلاقة بين متحدث ومستمع انقطعت. لا أرى المستمع ولا أرى انفعالاته وتعابير وجهه حين اتحدث معه بالتلفون.

المقهى ألغي بأمر من السلطة بصفته مكان لتجمع الناس. أنظر للمقهى من وراء الزجاج، كراسيه مقلوبة على الطاولات كأنها تندب جثة قتيل. من خارج المقهى كنت اندب تاريخا بكامله، فتاريخي هو تاريخ المقاهي التي غادرتها دون عودة.

الجسد

صديقي يوسف يحدثني بالتلفون حين يخرج للتجوال اليومي. خوفه ينسيه وجود آخرين مثله. لذلك تتجه المخاطر له وحده. يفترض يوسف أن تخلو الشوارع له وحده حين يمشي، ولذلك يتذمر لأن راكب دراجة قطع طريقه أو لأن هناك من يمشي على نفس الرصيف. لم لا يذهبون للرصيف الآخر؟يسأل ومركز الاهتمام هو ذاته، وبالأحرى هذا الجسد العالق به.

الوباء امتحان لنا جميعاً. هل سيعزز التضامن بيننا كبشر في مواجهة الجائحة؟ أم نتصرف كالعميان في رواية ساراماغوا؟كل يريد أن ينجو بنفسه؟ المرض يزيد ارتباط الإنسان بجسده.الألم يذكره بهذا الجسد الذي هو فيه. أقول ليوسف:

-كف عن الهلع . لديك فرشاةً وقماشة، تستطيع أن تفعل ما فعله فان كوخ. قاوم الكآبة بالرسم.

يجيبني على الفور:

-لا استطيع أنا مقيد بهذا الجسد الذي يأكلني من داخلي.

الجسد صار قيدي. انا مكبل فيه، لا استطيع أن أفلت نحو فكرة تفوقه. انا مشدود اليه، أحمله عبئاً،

بدلا من تعضيد التضامن بين الناس وبين الدول أثبتت الجائحة أن التعاون بين الناس والدول هش. إيطاليا وهي عضو أساسي في الاتحاد الأوربي تركت وحيدة حين أصابتها الجائحة بالعمق. ساعدتها الصين. وهناك الآن حرب سياسية على مستوى فاعلية التلقيح بدلا من تعاون دولي.الأزمة العالمية ستعطي دفعاً للقوى الشعبوية اليمينية التي تهدد أوروبا بالانكفاء داخل الحدود:فليذهب الآخرون إلى الجحيم!

أنكفئ وأغلق المحارة على نفسي ثم أفتحها وأخرج للعالم، وأنهر نفسي”لن تنجو لوحدك أيها الأحمق، لن تنجو إذا لم ينجو الآخرون معك!” وصرت أربط وجودي مع وجود الآخرين يشاركوني المصير. أتابع أخبارنا،واحتمالات العلاج الذي وعدونا به.الوباء ربط مصير الفرد بالجماعة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top