باراديسو عتيقي

باراديسو عتيقي

محمود عوّاد

يُنقبُ الأدبُ الأفغانيُّ في معالم حافلةٍ بالموت ، فكلُّ التجارب السردية المترجمة التي وصلتنا منه ، تُشير إلى أنَّ الكتابة في بلد مثل أفغانستان هــي مغامـرة في التعرّف على الموت، ومن بين تلك النصوص الهامة تأتـي رواية (حجر الصبر)

في مقدمة الأعمال السردية الـتي نبّهت العالم لملامح الحياة في ظل هيمنة طالبان على البلاد .روايةٌ ممتصة لجحيم المجهول، اعتمد فيها رحيم عتيقي على الحياة بوصفها وثيقة، فبـعد أن حقــقت الرواية شــهرةً واسعةً بنيـلها جـائزة غونكور الفرنسية ، دخلت عالم السينما بأفلَمَةٍ من مـؤلَّفها الحاصل على دكتوراه في البصريات، وبفهم عالٍ لتجاوز الأدب بالكاميرا استطاع المـخرج ملامسة الشاشة وبناء عوالم فيلمية تُوثق ذلك الخراب المستمد شرعيته من غرائزية الدين ، وملذات دُعاته؛ ولأنَّ المخرج هو المؤلف نفسه، فليس ثمة فارق بين الرواية والفيلم، ،فكلاهما محكومان بالجسد بوصفه مكاناً ، كترجيح للقصة؛ لكونها معنية بصوغ إيقاعها السينمائي ، دافعةً بالمخرج إلى تجنب معيارية السرد الأثنيني للحكاية ، والتركيز على واحدية الزمن ، أي القصّ المُحَفَّز بالتذكَّر والنسيان ،في خلق عالمه الصوري في استبطانه بيوغرافيا الجسد ، فيما انبثق العنوان (حجر الصبر) في العملين السردي والفلمي، من حكايةٍ تعاويذية سردته العمة لبنت أخيها زوجة الرجل الجثة ، وتذهب إلى أن أبوها أخبرها بأن ثمة حجر سحري وأُسطوري ، كان يقول «إذا وجـــــــدت هذا الحجر ضعهُ أمامك وأخبرهُ عن معاناتك وأسرارك، فالحجر يسمع ، أي شيء لا تجرؤ على قوله لأحد أخبر به الحجر وتحدث معه ، فهو يستمع إلى أسرارك ، ويستوعب كل شيء ، وفي يومٍ ما سيتحطم الحجر إلى أجزاء صغيرة، وفي هذا اليوم ستتحرر، وتتخلص من كل آلامك .

ـــ ما اسمه؟

ـــ الحجر!!؟

ـــ نعم

ـــ حجر الصبر»

تحت هذه اللافتة تضطلع غلشيفته فراهاني «شهرزاد كابل» كما أسمّتها مجلة التايم إبان فوزها بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان الفيلم الآسيوي،بتقشير تفاحة الجسد بسكين الزمن حيث الأسرار في تقافز متواصل ، مستفزةً بذلك الحجر المطــروح أرضا نتيـجة رصـــاصة أصابتهُ في الرقبة أثناء اشتراكه في احدى معارك جماعته طالبان ، فمن الحركة الأولى للكاميرا والــقصّ الشهرزادي المتــــصاعد يصل الحال بالبطلة إلى مضاعفة التعــــرّق الحكائي، رغبة منها في استفزاز (الميت الحي) للعودة به إلى الحياة ثانية ، فما إن تبدأ بالقصّ تدوي القنابل ويعلو الرصاص ، مضفياً على الحــــكاية ملامح التصـــديق لمحنة الفرد في بلدان تآكلها الجهل والمصــير غير الإنـساني ، فأينـــــما حل الزيف الإسلامي تعاظمت إمبراطورية الدم والعبث باللحم الأنثوي، وفتح الموت ذراعيه للآتي من الأجيال، وبذا يصبح الرهان على ضرورة الاستقامة ضرب من اليوتوبيا، فمــثل هكذا جماعات ظلامية لديـها القدرة على انتاج نفسها على الرغم من سقوطها المدوي مجتمعيا؛ لكونها تتكئ على مقدس يـؤهلها لأن تخــــــوض الغمار المجــتمعي من جديد ، ولا سيما أنَّها تمتلك مبادرة الحرب، ويتأكد ذلك في تقطيع شريط القــص بأصوات الأسلحة، فكلما باشرت البطلة بالنزول في قبو الخصوصية، تنفعل الحرب، ملوحة ً بوجود حكاية أخرى، ستُحكى غدا بحضور الحرب ،وكأنها معنيٌة باستجلاء حقيقة الوجود ،فالحروب هي ديمومة الحكاية الإنسانية، أو أنها هي الحكاّء المحايد منذ آدم إلى الآن ،على الرغم من نوايا مفتعليها، وما إن يهدأ هذا الغول، تتوقف الحكاية أيضاً.

ثمة سؤال مستقى من الشكل الدرامي للقص ، مفاده : هل أُريد من ذلك التلميح بحضورٍ تلقيني ؟ فكما نعرف أنَّ الأحياء ثنائيو الحكاية، أما الأمـوات فهم كما الجمادات يحاورون بالتلقين، وبالخصوص الأحجار الكريمة هي من تُلقن، وهذا حفرٌ طلسمي في العتبة النصية ، ما أعطى حضوراً ضمـنيا للعنوان في المتن ، وعلى الرغم من الخيبة الملحوظة في استنطاق شهريار الحجري، ثمة بوادر تقول بخلاف ما تتصور ، فبعد الانتهاء من تصفح دفاتر العائلة ، وتعــلّق الأب بصراع طيور السمان ،وخساراته المتكررة التي أدت به إلى تزويج طفلته لكهل، يتغير مزاج القص ، وتتبع شهرزاد استـراتيجية جديدة ، مهمتها الخروج من دائرة القص البارد أو الاعتيادي إلى القص الساخن ، لمضــــــــاعفة التأثير في الحجر، وكما يقول ميرلوبونتي بأنَّ الجسد هو الابتداء، حينذاك تعترف للرجل الحجر أنَّها ليست عذراء وأنَّ مانزل منها لم يصدر عن بكارة ، إنما هو دم حيض، وبينما هي تتلذذ بتـــصفحها لكتاب لحمها ، يحرك الرجل جفنيه ، في إشارة منه إلى استغراب موجع ، ومع أسفها على ما حدث، لكنها لم تتوقف عند هذا الحـد من الخيانة، معلنةً الحديث عن التعفن من داخل القشرة ، ولأنها تعلم بأنَّ الإنسان أقسى مـن الحجر، نراها أخذت توغل بانكشاف الفضيحة ، التي كان الرجل الـحجر شاهداً على بعضٍ منها ، وهي ممارستها الجنس مع الجندي الطالباني ، مع ذلك ولأجل تحطيم الحجر بحسب ما أوصتها عمتها أوغلت بوصف جسده، وخجله عند الالتحام بها ، وجميع هذه الحكايات عتبة وصول إلى الذروة الكامنة في الإفصاح عن حقيقة الطـفلتين ، أنَّهما ليسا من صلبه، إنما جاءا للحياة بمشورة من عـمتها ، تفـاديا لعدم الإنـجاب الذي سوف يؤدي إلى الطلاق. إذن القص في حجر الصبر هو تطّهر أرسطي، وهـذه مزية الاشتغال على البطل المضاد ، التي من منظور نفساني هي إعادة تقييم بحسب «ت.ج سكيف»

إنَّ فيلم حجر الصبر هو وثيقة جسدية كتبتها الحرب، لتُقرأ بلسان ، شهوة القنابل، «فهؤلاء الذي لا يجيدون ممارسة الحب ، يمارسون الحب «، في هذه القولة النابهة من العمة ، يصـــــنع عتيقي نهاية شاعرية لفيلمه ، الذي منحه حضـورا لافتا ، فمعه دخلت السينما الأفغانية عوالم فنية هامة ، أهلتها لأن تكون حاضرة في الأسواق العالمية للفيلم .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top