اسئلة عن الانتخابات

آراء وأفكار 2021/09/14 11:13:03 م

اسئلة عن الانتخابات

 سليم سوزه

غالباً ما يركز النقاش حول المشاركة في الانتخابات او مقاطعتها على الطابع الاجرائي لهذه الانتخابات، وليس على البنية السياسية المنتجة لها. بمعنى يتم التركيز على اجراء الانتخابات (بالنسبة لمؤيديها في العراق) على انها الوسيلة المثلى للتغيير، فيضعون، من حيث لا يشعرون أحياناً، الفريق الاخر المقاطع في خانة عدم الايمان بالانتخابات أصلاً.

لا عاقل يعترض على اهمية الانتخابات وجدواها بوصفها لب العمل الديمقراطي، لكن الاعتراض بالنسبة للمقاطعين ليس على اهمية الانتخابات بل على البيئة السياسية الصانعة لها في وقتنا الراهن. المقاطعة موقف سياسي من العملية السياسية برمتها، نضجت مؤخراً كوسيلة ضغط على السلطة للنظر في ملفات مهمة قبل اجراء الانتخابات، ملفات مثل: غياب فرص التكافؤ وهيمنة السلاح على الدولة وعدم وجود قانون احزاب سليم ومفوضية عليا مستقلة وقضاء نزيه وغيرها الكثير. وهنا، لن تكون المقاطعة مقاطعة للانتخابات بوصفها عملية اجرائية مهمتها تنظيم فعل الاقتراع، بل مقاطعة لها بوصفها عملية سياسية منحازة بحد ذاتها ومصممة باتقان لاعادة انتاج نفس الطبقة السياسية ذاتها، وبالتالي نفس السلوك السياسي ذاته الذي سار عليه العمل السياسي العراقي منذ عام ٢٠٠٣.

ما العمل؟

يسأل المؤيدون المقاطعين ما العمل اذن، إن لم تشتركوا في الانتخابات وتغيروا من داخل المؤسسة نفسها؟

السؤال يحصر ضمناً العمل السياسي بالوجود الرسمي داخل مؤسسات الدولة فحسب، فيما ان للعمل السياسي مجالاً اوسع واكبر من ذلك الوجود المؤسساتي، ألا وهو المجال الاجتماعي للسياسة Social Terrain of Politics، وهو المجال الذي يصنع الموقف السياسي بالنهاية. لا اريد استحضار مقاربة غرامشي التي يقسّم فيها هذا المفكر المجتمع الى مجتمع مدني ومجتمع سياسي، إذ انه يرى الاولى هي الخطوة الاساس لانضاج المجتمع السياسي، وبالتالي العمل السياسي كله. لا اريد استحضارها لئلا يعترض علينا أحد ويقول إن غرامشي كان يتحدث عن المجتمعات الغربية الرأسمالية حيث الانقسام هناك طبقي، وليس انقساما طائفياً (بشقيه الاثني والمذهبي) كما الحال في مجتمعنا العراقي. ناهيك عن انه لا فاعلية لمؤسسات المجتمع المدني في بلد عالم-ثالثي كالعراق مقارنة بتلك الموجودة في المجتمعات الغربية. لذا، اتحدث عن مفهوم آخر ومجال آخر. اتحدث عن مجال اجتماعي يمكن ان يستغله المشتغل في السياسة ليخترق بها حدود المكونات ويصنع موقفا سياسيا افقيا يواجه به الموقف السياسي العمودي الناشئ من الانقسامات العمودية في المجتمع.

في المجال الاجتماعي، ثمة امكانية لصناعة سياسة بوصفها مشروعاً سياسياً وطنياً عاماً وليس مشروعا مكوناتيا كما الحال الآن. وبهذا المشروع فقط، وبعد ان يحظى بتأييد اجتماعي كبير وواسع، يمكن الدخول الى ميدان المنافسة السياسية ومواجهة احزاب المكونات الاثنية والطائفية. هو عمل طويل وشاق، لكنه افضل بكثير من الدخول غير المتأني في انتخابات حتى لو كانت مثالية، فلن تكون نتائجها إلّا لصالح احزاب الطوائف والاعراق.

دعنا نتكلم بصراحة تامة، ولنفترض جدلاً انه تم حل كل معضلات هذا النظام السياسي من تصويت على قانون انتخابات عادل وتأسيس مفوضية نزيهة وتشريع قانون احزاب سليم واعادة هيكلة القضاء العراقي وحل الميليشيات كلها وانهاء المحاصصة والقيام بكل الخطوات اللازمة لتأمين سير العملية الانتخابية، هل يتوقع احدنا فوز التيار المدني السياسي قبالة التيار المكوناتي (الاثني والمذهبي)؟

بالنسبة لي، قطعاً لا، والسبب ليس في قوة البرنامج السياسي لاحزاب الطوائف، وخصوصاً احزاب الاسلام السياسي، فهذه الاحزاب ليست بحاجة الى برنامج سياسي أصلاً. يكفي ان يقودها رجل دين معمم ليحصد الالاف من الاصوات. فمثلاً، هل يقنعني احد ان المواطن الصدري يتبع ويطيع مقتدى الصدر لانه وجده باحثاً او مفكراً او عالماً او منظراً سياسياً؟ كلا بالطبع. يطيعه ويصوت الى قائمته لانه رجل دين وابن رجل دين كان يحبه ويقلّده في السابق. تصويتهم له هو جزء من الحالة الدينية التي يعيشها الصدري في العراق. هو تصويت عقيدة ودين لان مقتدى الصدر بالنسبة لهم امام ورجل دين ثقة، ولا يمكن ان يقودهم الّا لصلاح الدنيا والآخرة. لذلك، هم ليسوا بحاجة الى مساءلة برنامجه الانتخابي والسياسي (إن وجد)، ولا هم يعولون على تخطيطه مستقبلاً. يصوتون لقائمته لانهم، ببساطة شديدة، صدريون مطيعون لامامهم، سواء كان لديه برنامج سياسي أم لا. نفس الحال ينطبق على عمار الحكيم واتباعه، وعلى الاحزاب المكوناتية الاخرى التي تستبدل البرامج السياسية بالطوائف والاعراق. لهذا السبب تصويت العراقيين (الاغلبية طبعاً) هو تصويت مكوناتي وليس تصويتاً سياسياً، بمعنى المكون اولاً، ثم البرامج السياسية (هذا ان وجدت مثل هذه البرامج اصلاً).

كيف يواجه “التيار المدني السياسي” [اضع وصف “السياسي” هنا قبالة التوصيف المكوناتي للاحزاب الاثنية والمذهبية] خطاباً دينياً يعد الناس “بانهار من العسل والخمر في الجنة”؟ (هذا طبعا مجرد اقتباس فحسب من الاختزال البليغ والعميق الذي جاء في فيلم الرسالة حول سبب زيادة اتباع النبي محمد في مدة قياسية. اوضح ذلك حتى لا يعترض عليّ ارثوذوكسي، يترك الفكرة الأساس ويتمسك بهذا الاقتباس ليسألني اي حزب في العراق قال هذا) .

كيف يريد “المدني السياسي” يا ترى التغلب على هذا الخطاب ببرنامج سياسي؟ كيف يواجه خطاب الاعراق والاثنيات في العمل السياسي؟ إذ ان قوة هذه الاحزاب من خطاب المكونات وليس من السياسة وبرامجها. هذه معركة خاسرة الآن بكل المقاييس.

ليس ثمة حل إلّا العمل في المجال الاجتماعي للسياسة أولاً وتثقيف الناس على ان السياسة مشروع حكم وادارة يبدأ من البرامج السياسية وينتهي بها، والتصويت يجب ان يكون على اساس تلك البرامج، لا على اساس المكونات (طوائف واعراق) .

هذا عمل سياسي لا تصنعه مؤسسة مترهلة وفاشلة بل شارع اجتماعي واعي ومثقف، وإلّا سيصبح مشروع الدخول الى الانتخابات حالياً مشروع مقاعد (مقعدين أو ثلاث)، لا مشروع تغيير سياسي. مشروع التغيير السياسي يبدأ من المجتمع اولاً، وهو ما ينسجم مع ثورة تشرين وفكرتها الاساس، ان كان التشرينيون مازالوا مصرين على التغيير السياسي الجوهري طبعاً، لا على المشاركة في الانتخابات فحسب.

بالنهاية، هذا رأيي الذي سأعمل عليه لو كنت سياسياً طبعاً، وللآخرين رأيهم المحترم أيضاً، سواء اشتركوا في الانتخابات ام قاطعوا.

****

يسأل بعض الاصدقاء: وما الضير في المشاركة في الانتخابات؟ جوابي لهم، لا ضير طبعاً، فالأمر بالنهاية اجتهاد سياسي حتى لو لم تكن هذه الانتخابات على درجة عالية من النزاهة والعدالة، لكن الخشية من الدخول الى الانتخابات الآن والحصول على مقاعد قليلة هي ان يتحول “الداخلون” الجدد الى مجرد عتلة في ماكنة السلطة، وتصبح قضيتهم بالنهاية رقماً انتخابياً فحسب وليست محاولة تغيير جوهرية لأصول العمل السياسي.

السلطة، يا سادة، ليست دستوراً وجيشاً واسلحة فقط، بل فضاء بيروقراطي أيضاً، فضاء يحكم قبضته علينا بادواته الناعمة. مثل اي مطعم ارستقراطي يدخله المرء أول مرة، لا يستمتع بطعامه طالما تتلبسه روح البرجوازية وعليه مجاراة الأتكيت النخبوي الذي تعج به موائد الاغنياء من حوله. عليه أن يتحدث بطريقتهم، لا بطريقته هو. عليه ان يأكل مثلهم، لا مثل ما يحب. ينشغل بالشوكة والسكين، فيلقي “المكرود” بربع لقمة داخل أقصى فضاء الفم لئلا تنساب بقايا الطعام من بين أسنانه ويصبح اضحوكة الحاضرين. عليه ان يجاري حديث من معه على المائدة ليبدو مثقفاً خبيراً بالباليه والرقص والرسم والموسيقى وكل انواع الواين الفرنسي الفاخر. شيئاً فشيئاً، تتمكن منه هذه الادوات الناعمة فيصبح واحداً من اولئك الارستقراطيين، يملؤون المطعم كأي تحفة من تحفه الصمّاء. إنه، يا سادة، لم يعد ذلك “المجنون” الذي لا يعرف حدود الحقيقة ولا يفهم الأشياء أو يتعرف عليها بشكل جيد ليوضحها للآخرين، بل صار عاقلاً روّضته آلة “العقل” داخل أسوار المطعم الكبير هذا. فكلنا مجانين مادمنا نخالف عقلاً ما، مجانين معزولون خارج أسوار المصحّات النفسية ولم يحن الوقت بعد لادخالنا داخلها للعلاج، كما يفسّر ميشيل فوكو الجنون.

لاحظوا بعض المستشارين والمسؤولين الذين كانوا تشرينيين في السابق. لاحظوا حديثهم وخطابهم الآن. قارنوه بخطابهم عندما كانوا في الشارع قبل دخولهم الى “مطعم” الخضراء. هل يختلف خطابهم اليوم عن خطاب من سبقهم في السلطة؟

لِمَ تغيّروا؟

هل هم سيئون؟ كلا، بالطبع. ليسوا سيئين أو على الأقل ليس كلهم سيئين. أبداً، بل هي السلطة التي تلفهم “بقايشها” الناعم ليدركوا بعد حين انهم لم يعدوا أولئك المجانين في الشارع، بل صاروا عقالاً هذبتهم السلطة وجعلتهم ينظرون الى “الحقائق” بطريقة لم يكن ينظرون اليها عندما كانوا مجرد “مجانين” معزولين خارج أسوار الخضراء. ذلك بسبب أدوات السلطة الناعمة: سيارات، مكاتب فاخرة، اقداح نفيسة، بدلات ايطالية بربطات عنق أنيقة وعطر فرنسي. جلوس مع هذا السياسي وذاك، سيكار يتطاير دخانه في الكافتيريات والكالاريات، سلامات وضحكات متبادلة وجلسات طعام بينهم وبين سياسيي السلطة السابقين الذين “ثاروا” عليهم في السابق، فيصبح من الصعب الحديث ضدهم بذات الطريقة السابقة. صار بينهم “عيش وملح” الآن. احاديث دبلوماسية ولياقات سياسية على شاشات الاعلام. كتابنا وكتابكم، توقيعنا وتوقيعكم. كل هذه الاشياء تنتهي بالنهاية الى تلك العبارة الروتينية المُبَرِّرة للفشل: “ليس لدينا عصا موسى”! آه .. كم أكره هذا القول البليد والقبيح!

هذه ليست دعوة أناركية أبولشنيستية ضد المؤسسة، أو تأليباً للعاطفة الشعبوية تجاه رجالات السلطة (خصوصاً بعض أصدقائنا المخلصين فيها والذين نختلف معهم في رؤيتهم السياسية، لكننا نحترمهم بالطبع)، بل هو تحليل سوسيو-انثروبولوجي لجغرافيا المكان وتأثيراته على تفكيرنا وسلوكنا وملبسنا ورؤيتنا للأشياء. السلطة هكذا، فضاء جغرافي ناعم قبل ان تكون مؤسسة سياسية/قمعية، فضاء له لغته وشروطه وأنساقه وعلاقاته، ومن يدخل في هذا الفضاء ضعيفاً لن يستطيع تغييره، بل سيصبح عضواً فاعلاً في ديمومته دون وعي أو شعور أحياناً.

هذه هي الخشية فقط.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top