رواية (فوق جسر الجمهورية) .. عندما ينجذب الروائي لحوادث حياته كما وقعت

رواية (فوق جسر الجمهورية) .. عندما ينجذب الروائي لحوادث حياته كما وقعت

علاء المفرجي

لا أدري بالضبط السبب الذي يجعلني أقرن رواية شهد الراوي (فوق جسر الجمهورية) بفيلم (الأوديسا العراقية)*،

ليس لانهما نوستالجيا لزمن مضى مشحون بالحروب والفقد والمأساة والآلام، بل لأن الفيلم والرواية، وثقا انهيار الطبقة الوسطى في العراق، هذه الطبقة التي تحرس القيم في المجتمعات، وبضعفها أو انهيارها تُضعف القيم وتنهار، وتحافظ على استمرار القيم وتسعى إلى تحديثها لتتناسب ومستجدات الزمن أو المتغيرات الاقتصادية.

في (فوق جسر الجمهورية) الأمر كان ذلك واضحا من خلال تناول الرواية حياة ثلاثة أجيال متزامنة من عائلة بغدادية تشهد لحظة اجتياح بغداد في نيسان ٢٠٠٣ إذ طفولة تتضوع بدخان الحروب، حروب تجبر النوارس على الفرار، وامرأة تمشي على النهر لتطمئن على جسور بغداد، ثم هروب العائلة الى أرض أخرى، وغياب الأم، التي لم تحتمل حياتها ارضا جديدة للاستقرار، وصوتها الوحيد المتبقي من وموتها وهي تسلط الضوء على طفولة مغادرة.

سنتعرف على الخلفية الاجتماعية للعائلة واستقرارها في المكان الجديد، المدرسة، النهر، الجسر ودخان الحروب الذي يعلوه.. كل ذلك من وجهة نظر الساردة، التي تضعنا في قلب افتتاحية موسيقية هادئة، لتسرد طفولتها وسيرة العائلة، قبل ان تحتدم هذه الحياة على وقع القنابل والانفجارات، التي ستضيئ ليالي بغداد، وسط رائحة الموت والخراب، حتى تطأ أرجل الاغراب ارضها.

كتبت الرواية بنفس السيرة الذاتية للمؤلفة، وإن تحايلت بإضافة أحداث وشخوص في متن هذه السيرة. فالروائي يعيش تجربته الخاصة والمختلفة في جوانبها عن باقي التجارب. إذا ما أهملنا هذه التجربة يتحول كل ما نكتبه إلى تناص بارد مع ما كتب قبلنا. وإن كان قول بيدرو المودوفار المخرج الاسباني فيه مبالغة ولكنه ينبهنا إلى أن الاختلاف في ما نكتب، عندما يقول (كل ما ليس سيرة ذاتية سرقة أدبية )، فحياتنا الخاصة وتجاربنا في هذه الحالة تذهب في المخيلة الى مستوى الكتابة الأدبية الدالة. فما يجذب الروائي للكتابة هي حوادث حياته مثلما وقعت، واستثمار هذه الحوادث بتحويلها الى نص روائي، سيفي بشروط فن الرواية، في ابتكار مواقف ومصائر، لم تحدث للروائي في حياته، ولكنها تنتزع من تجربته الخاصة الدلالة التي يتحمس لها.

أن مسعى شهد الراوي في كل شخصية كتبتها، هو أن تقدم شخصيات روائية مستقلة عنها، او عن تجربتها الخاصة، وتمارس حريتها في فضائها الخاص.. فهي تكتب من وحي تجربتها، ولكن ما أن تذهب بعيدا في الكتابة، حتى تجد نفسها قد ابتعدت عن هذه التجربة، وهذا برأيي ينطبق على الكثير من الشخصيات التي تعاطت معها بخبرتها.

فالشخصية العراقية والتي عانت سنوات من المأساة والخراب، اصبحت لا تمثل نفسها وحدها فقد انحسرت تفاصيل التجربة في حكايته، فصار ما تمر به كل شخصية مشحونا بالكثير من الدلالات، فهذه الشخصية لم تعد مراقبا للأحداث بل مشاركا فيها.

العراقيون الذين عاشوا مأساة الحروب التي مرت بهم عبر ربع قرن، وما تبعها من حرب أهلية، سيغادرون حتما ولم يتبق والحال هذه سوى ما يقولونه هم أنفسهم، وما ينقلوه هم من صور عن هذه الحروب. ورواية (فوق جسر الجمهورية) تنفخ الحياة في هذه الصور، لتستدر عاطفة من لا يعرف من هو صاحب الصورة، ويحاول بدوره ان يتمثل مأساتها.. وهنا فأن تجربة الروائي او حياته الخاصة، بما فيها من تفاصيل وحيوات وأحداث هي البذرة التي تينع في خضم السرد.

فرواية السيرة الذاتية ، أو الرواية الذاتية ، هي خيال يدمج تجربة المؤلف الخاصة في السرد. يسمح للمؤلفين بالترحيل والتفكير في تجربتهم الخاصة. ومع ذلك ، لا يلزم دائمًا ربط قراءة رواية السيرة الذاتية بالمؤلف. يمكن التعامل مع هذه الروايات على أنها أعمال خيالية متميزة.

يقول ديفيد لودج في كتابه (الفن الروائي) ترجمة هاني البطوطي عن رواية السيرة الذاتية:” الرواية التي تأخذ شخصًا حقيقيًا وتاريخه الحقيقي كموضوع للاستكشاف الخيالي ، باستخدام تقنيات الرواية لتمثيل الذاتية بدلاً من الخطاب الموضوعي القائم على الأدلة في السيرة الذاتية.” فهي نوع أدبي شاع في الآونة الاخيرة، و يزعم أنه تاريخ ولكنه في الوقت نفسه يلمح إلى قدر كبير من الاختراع التأليفي والتخمين في السرد. فيمكن القول أن رواية السيرة الذاتية هي واحدة من أصعب الأنواع بسبب كمية البحث والإعداد. قبل أن تتمكن من البدء في الكتابة ، يجب عليك البحث في الموضوع على نطاق واسع.

ولكن يبقى هناك اختلاف جوهري بين الرواية والسيرة الذاتية، فالسيرة الذاتية انتقائية ولكنها مع ذلك تحاول تغطية جميع الزوايا المعروفة في حياة الشخص ، فعادةً ما تختار رواية السيرة الذاتية بضع حلقات مثيرة للاهتمام بشكل كبير وفترة محددة من حياة الموضوع.

تكتب شهد عن الروح الهائمة على أرض العراق تُحرك الالام، تمارس مازوشيتها في التلذذ بها، تستجلي الأمكنة التي صاغت طفولتها وأحلامها، وتستدرج أسرار مراهقتها التي شوه بياضها دخان الحروب، تكتب اسئلتها المرة عن الموت وكيف ينبثق فيغتال أحلامنا، وكيف تصادر الحروب أعمارنا، وتلقي بذكرياتنا في أتون النسيان.. اسئلة واسئلة تصدر من فتاة عاشتها بتفاصيلها.

ليس المهم ان تحتكم الرواية، وبالذات الرواية السيرية، للقواعد المتعارف عليها، قدر احتكامها لأهواء السارد، تماما مثل الاحتكام لموج عارم، لا يعرف الاستقرار.

*فيلم الأوديسا العراقية صدر عام 2017 للمخرج السويسري العراقي سمير جمال الدين

تعليقات الزوار

  • ماجد عقراوي

    تشوقت لقراءتها. شكرا

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top