قناديل: ستانيسواف ليم

لطفية الدليمي 2021/09/18 10:55:39 م

قناديل: ستانيسواف ليم

 لطفية الدليمي

اطلعتُ منذ سنوات - في سياق اهتمامي بالعلم والفلسفة وعلوم المستقبل - على بعض مؤلفات الكاتب البولندي (ستانيسواف ليم 1921- 2006)، وهو كاتب ملهم أصدر عدداً كبيراً من الأعمال التي تعنى بالمستقبليات والفلسفة والخيال العلمي والنقد،

وبمناسبة مئوية ميلاده قررت بولندا رسمياً اعتبار عام 2021 عاماً مخصصاً للاحتفاء بمجمل أعماله. تمتاز أعمال ليم بنظرة فلسفية عميقة ورؤى تسخر من بعض تفاصيل التطور العلمي الجامح وتحذر من توظيفها بالضد من مسعى مخترعيها المبشرين بها لتحسين الحياة الانسانية على كوكبنا، وتُعدُّ بعض رواياته محاكاة هزلية لحالات بشرية مذمومة كالبيروقراطية المفرطة وجنون العظمة ونزعة الاستبداد التي تختص بها كثير من السلطات في عالمنا ولاتسلم منها بعض النظم التي تدعي الديموقراطية.

من بين قصص ليم التي لاتُنسى عن تحكّم السلطة المستبدة بالبشر قصة «سماعات اليورانيوم « التي تدور حول حاكم جشع متسلّط مسكونٍ بفكرة المؤامرة التي تتحكم بسلوكه وتفاصيل حياته المجنونة ؛ فهو يعيش في قصر مشيد من معدن البلاتينيوم الثمين ويجبر رعاياه على ارتداء سماعات مصنوعة من اليورانيوم الكهرومغناطيسي للحيلولة دون التواصل والتقارب الجسدي وإقامة التجمعات وبالتالي تحديد مسافة معينة بين البشر سيعجزون معها عن تبادل الأفكار والعشق واللمس الحنون والتواصل الجسدي والعناق؛ إذ كان اقتراب السماعات من بعضها يُحدِثُ سلسلة تفاعلات تنتهي بحصول انفجار يفتك بأصحابها ومَنْ حولهم، وهي فكرة جحيمية وظّف فيها المستبد اختراعاً علمياً لإدامة سطوته والتحكم بمواطنيه.

أبدى ستانيسواف ليم مخاوف مستقبلية من هيمنة الآلات على مصائر البشر وانفلات الزمام من قبضة العلماء في مرحلة وشيكة من مراحل الثورة العلمية المتفجّرة بخاصة عندما يهيمن الذكاء الاصطناعي على كوكب الأرض؛ ففي قصة (آلة ترورل) ثمة جهاز كومبيوتر عملاق يعصى مخترعه ويرفض المعلومات الصحيحة التي زُوّد بها ويصر على تقديم إجابات خاطئة ولايستجيب لمحاولات مخترعه لإعادة تعبئته بالإجابات الصحيحة، وعندما يكرر المخترع محاولاته يصر الجهاز على إعلان المعلومة الخاطئة فيقول: إن ناتج جمع اثنين واثنين هو سبعة ويتمسك بإجابته وينتفض مهدداً بتدمير مخترعه، وفي الأخير يوشك العالم ترورل على إعادة النظر في الحقائق الرياضياتية قبل أن ينهار الكومبيوتر العملاق الغاضب ويدمّرُ نفسه.

يروي ستانيسواف ليم في مقالة تختص بسيرته الذاتية عن هوسه باختراعات طفولية مختلفة تخطت الالعاب العلمية إلى تصميم جوازات سفر وهويات طبق الأصل من الوثائق الرسمية بأختامها وتواقيعها، وكان يسافر افتراضياً إلى بلدان متخيلة ويدون معلومات عنها، وتعدّت لعبته الطفوليه هذه مهمتها الخيالية إلى أن تستخدمها أسرته وتفلت من ملاحقة السلطات النازية في فترة الاحتلال الالماني لبولندا.

ركز ستانيسواف في مقالاته الفلسفية الأخيرة مطلع القرن الحادي والعشرين على رؤيته المتشائمة بشأن مآل التقنية، كما أعلن عن خيبة أمله بتكنولوجيا المعلومات التي تتحكم اليوم بعقول البشر وتغرق الكوكب بطوفان من المعلومات السطحية والتفاهة والأخبار المثيرة أكثر مما تقدم من معلومات رصينة نافعة، وإنْ قدّمتها فإنّ السيل العارم من الضخ الاستهلاكي المغري يأخذ بخناق المتلقين ويستعبدهم.

لابد لي أخيراً من الاشارة إلى رواية ليم الشهيرة (سولاريس Solaris ) التي اقتُبِسَتْ ثلاث مرات للسينما كان آخرها في 2002، ترجم الرواية للعربية الشاعر والكاتب العراقي هاتف جنابي. يطرح ليم في هذه الرواية محدودية الوجود البشري أمام قدرات كوكب سولاريس الذي يملك وعياً ذاتياً بنفسه ويغير تضاريسه وينسخ الالات الاستكشافية الهابطة عليه ويتحكم بذاكرة المستكشفين، وفي النهاية يتوصل العلماء إلى حقيقة أنّ كوكب سولاريس - بسبب طفرة تطورية فائقة - إستحال عقلاً عملاقاً يتحكم بنفسه وبكل ما يقترب منه ليبرهن الكاتب على عبثية سعيالأرضيين لغزو الفضاء.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top