رشيد خيون: ليس هناك دين ولا فكر لا ينشطر.. لأن ذلك ضد الطبيعة

رشيد خيون: ليس هناك دين ولا فكر لا ينشطر.. لأن ذلك ضد الطبيعة

يرى أن التصدي لمحاربة الطائفيَّة هو التصدي ضد الزيف الذي يخلقه الطائفيون أنفسهم

حاوره: علاء المفرجي

القسم الأول

الباحث د. رشيد الخيون صب جل اهتمامه على قضايا التراث الثقافي والفلسفي العربي الإسلامي، في أفقه الرحيب، بعيداً عن التعصب والتقديس، يتناوله تناول الناقد، والرابط بينه وبين الحاضر، ففي كتبه كافة كشف لحوادث الماضي بما يقابلها من الحاضر. دأب على كتابة المقال بروح الباحث، وحسب قوله: أنه لا يكتب من دون شاهد تراثي، ومع انجذابه إلى الماضي بهذه القوة، لكنه لم يكن ماضوية، يبكي على الأطلال والأمجاد، إنما عنده لكل مكان وزمان ومكان رجاله وأفكاره.
قضى شرخ الطفولة والشباب وسط الأهوار، ثم تعلم في بغداد، وعلم في مدارؤرسها الأبتدائية، ما إلى اليسار، حتَّى لم يجد مكاناً يأويه، في زمن الهجمة الشرسة فخرج تحت جنح الليل إلى حيث خيم المثقفون العراقيين، من حاملي الفكر التقدمي، في عواصم عديدة، وما أن أخذ منه البحث كل نشاطه واهتمامه صار متفرغاً له، لكن علق به منه شغفاً في التقدم والتنوير. كتاباته وبحوثه منصبة في تحرير العقل من الجهل المقدس، ومحاولة إظهر ما سماه في عدة مناسبات بالتراث المحجوب، أكثر ما كتب يصب في اتجاه ضد العنصرية والطائفية، سواء كانت الطائفية على الأساس الديني أو القومي، حتى من يقرأ كتاباً له، أو مقالاً من الصعب تمييز انحداره الديني او المذهبي أو القومي، وهو حسب ما كتب، التعصب الوحيد ليه، غير المذموم هو التعصب للعراق، فلم تكن الوطنية يوماً من الأيام سبة، أو مما يخجل منه الإنسان. بجد في المعلومة نهجاً في الدراسة والبخث، فهي التي توجه الباحث.
درس رشيد الخيون الفلسفة، وتخصص في الفلسفة الإسلامية، وكان تخصصه الدقيق في الدكتوراه، التي حصل عليها من جامعة صوفية(1991) في المعتزلة، وله في هذه الفرقة كتاباتن: مذهب المعتزلة من الكلام إلى الفلسفة، ومعتزلة البصرة وبغداد، وصلة بهذه بدراسة هذه الفرقة، صدر له كتاب "جدل التزيل.. تاريخ القرآن ومقالة خلق القرآن"، الملحق برسالة الجاحظ "خلق القرآن" والمحققة من قبله. رأى رئيد الخيون العراق مُتحفاً للأديان والمذاهب، وفي هذا المجال صدر له كتاب "الأديان والمذاهب بالعراق ماضيها وحاضرها"(ثلاثة أجزاء)، ولما صعد الإسلام السياسي، وتفاقم شأن الصحوة الدينية، صدر له كتاب " 100 عام من الإسلام السياسي بالعراق"(جزءان)، وبعد أن اضطربت دنيا العراق والمنطقة بالطائفية صدر له كتاب "ضد الطائفية جدل العراق العراق بعد 2003"، صدر له كتاب "بعد إذن الفقيه" بحث فيه معاملة النساء في التاريخ والفقه، ومن فصوله "عرائس الموت"، وكان عن ظاهرة زواج الصغيرات، صدر له كتاب "السود في الحضارة الإسلامية" وقد فاز بجائزة الملك عبد العزيز كأفضل كتاب في موضوع تاريخي اجتماعي في العام 2017، صدر له كتاب "لصوص المال والنصوص في التراث الإسلاميّ"، وصل عدد كتبه نحو الثلاثين كتاباً ام تخرج عن التراث الثقافي والفسلفي والديني، وقد أنجز مؤخراً كتاب "المقتولون بسبب ديني في التاريخ الإسلاميّ". أجرت معه المدى هذا الحوار:

 ماهي المصادر والمراجع التي اتكأت عليها في نشأتك وطفولتك، وقادتك فيما بعد لطريف البحث والاستقصاء في مجال التراث الديني؟

كانت الطُّفولة، على الرّغم من النظرة الملائكية لها وأنا في هذا العمر، متعبة، كبقية أترابي آنذاك، ولم نكن نتطلع إلى المستقبل حتى خلال دراستنا، غير التطلع إلى الوظيفة البسيطة. حتَّى المدرسة نفسها ليس فيها ما يثير شغف الطفولة، تعليم فقط، وتعليم تحت العصا، تصور كان بعضنا يؤذي نفسه كي يُعذر مِن الذهاب إلى المدرسة، والبيت ليس أرحم من المدرسة، فالمجتمع لا يعترف بطفولتك، يريدون منك التشبه بجدك وأبيك، وأنت في عمر العاشرة مثلاً. كانت المناسبات الدينية ملاذنا في الاجتماع، وهي الأخرى تعطينا دورساً، من على المنابر، في الموت، ولك أن تتصور ماذا يحل في عقل الطفل وخطيب المنبر يشرح، على مسامعه، كيف يهبط ملك الموت ويبدأ بانتزاع روح الإنسان، وماذا يحملك من مخاوف وعِقد، لذا عجل في أن تبدأ بالصلاة والصوم، قبل فوات الأوان، فالمهدي سيظهر في العام القادم، ومَن لم يكن مستعداً لهذا الظهور بالتدين سيعذب، وما إلى ذلك خيالات مفزعة.

إضافة إلى حقن ادمغتنا بالثارات والمعارك والدماء، هكذا نشأتُ على جزر محاطة بالمياه، نسمع عن المدن كبغداد والبصرة، ونتخيلها بالألوان، كذلك تأتي زرع الفزع فينا من قصص الجدات والأمهات، عن كائنات خرافية مخيفة. كانت الأمراض النفسية تفتك بالعديد منا، وما أن تحل مرحلة المراهقة إلا وظهرت للعيان أعراضها، ومن يشكو يشار إليه بالجنون، وعلاجها معيب ومعدوم في الوقت نفسه، يصاحبها قصص حب مؤذية بين الشباب والشابات الغائبات وراء أسوار العادات والتقاليد. أتذكر أحد زملائي، واسمه موسى، انتحر بالتهام حفنة من الزرنيخ، ووقفنا على جثته مطروحة أمام المستوصف ونحن ذاهبين إلى المدرسة صباحاً، وعمه يصفق بيده أسفاً على شبابه عند رأسه، وآخر فقد عقله، من زملائنا واسمه نصاف، ظل هكذا حتى عُثر عليه ميتاً على جرف الهور، وآخرون كثيرون نالوا المصير نفسه، فوسط هذه الظروف ليس لي الحديث عن مصادر ومراجع أهلتني لما أنا به منذ الطفولة.

لكن، هناك جانب يكاد يكون غير مرئي، يتمثل بوجود بيتان، تعودنا رؤية كتب ثقافيَّة في صرائفهم، وهما آل عبد الكريم الخيُّون، وبينهم معلمنا عامر عبد الكريم، تتضمن مكتبته الروايات والقصص، وأتذكر عندما رحلوا في موسم الفيضان(1968-1969) تركوها عند الأعمام آل عبد الهادي الخيُّون، ومنها قرأت أول رواية، وعنوانها «ست البنات» بثلاث مجلدات، وتأثرت بفيروز بطل القصة، ولما التحقتُ باتحاد الطلبة العام، اخترت لنفسي اسم فيروز ليكون اسمي التنظيمي الطلابي، ومنها قرأت «ماجدولين»، وكتاب لولي الدين يكن، وكل هذه قرأتها وأنا في القارب.

كانت الثانية كتب معلمنا فهد الأسدي، الأديب المعروف، وأخيه جابر، وبحكم صداقتي لأخيهم الأصغر نوري، كنا نجلس طويلاً في الصريفة التي تحويها. كذلك كانت لدى والدي كتب من نوع آخر، وأول اطلاعي على كتاب «البيان والتبيين»، من الرازونة، التي يترك فيها الكتاب بعد مغادرته عصراً، فأحل محله، وأخذ الوضع نفسه وأقرأ في الكتاب، لكن لا أدعي أن ذلك كان مصدراً ومرجعاً ليتأسس عليه اهتمامي، في ما بعد، إنما ما ذهبت إليه في التَّاريخ كان تأثيرات متراكمة من فترة الشباب، والعيش ببغداد، والتردد على المكتبات بها، وما أحظى به من بحوث ومقالات كانت تنشرها المجلات الثقافيَّة، وفي مقدمتها مجلة «الثقافة الجديدة»، كأنني كنت أبحث ما أزيل به ترسبات التقوقع الديني والحكايات غير المعقولة التي كنا نسمعها ونحن راهنين عقولنا لدى خطيب المنبر، يتلاعب بها كيفما شاء.

 أنت لا تعتمد اتجاها فكرياً بعينه في الكتابة، بل غالباً ما تعتمد المعلومة، ما مدى تأثير حسين مرة وهادي العلوي على اشتغالك.

أرى الاتجاه الفكري، كعقيدة، في البحث يُحجمه، ويقتل الحيادية التي هي أسه، والقصد مِن ذلك أن الباحث العقائدي يحاول توجيه الرواية أو الحدث التاريخيين نصراً لعقيدته، إن كانت خرافة أو واقعاً، لكن ليس معنى هذا أن الباحث لا يكون له موقف مِن قضايا النَّاس والوطن، ولا يكون حيادياً بين السلب والإيجاب، أو بين الخراب والعمران. وحسب ما كتبه العلامة في علم النفس نوري جعفر، الذي رحل غريباً، كحال الكثير من أصحاب العطاء الفكري العراقيين، تؤثر على المؤرخ أو الباحث ثلاثة عوامل: طبيعة العصر، وطبيعة المجتمع، والعوامل الشخصية. جاء ذلك في كتابه «التاريخ مجاله وفلسفته»، أفرد لها عنوان «التَّحيز في التَّاريخ»، مع أن ما ذكره الأستاذ نوري جعفر واقعٌ، لكن العامل الثالث هو العيب في كتابة التاريخ وعمل البحث، فالميل الشخصي ليس من حق الباحث التفاعل معه، هنا تأتي الحيادية التي تفرضها المعلومة.

فحسب تأثير العقيدة يأتي تصديق أو تكذيب الرواية، واغفال حقيقتها، فمَن ينطلق من القومية يجعل كل التقدم والحياة في تطبيقها، وكذلك الأممية، والدينية.

 أليس أنت من اتخذ خطاً واضحاً مع العلمانية وضد الدولة الدينية، أو ضد الإسلام السياسي؟!

نعم. إذا كنتُ كذلك، فانطلاقي من قراءة تجارب الإسلام السِّياسي، وتجارب حكوماته، في هذا البلد أو ذاك، وضرره على الدين والدولة، لا يجعلني منحازاً ضده لأنني صاحب عقيدة، إنما هي المعلومة التي اطلعت عليها من دفاترهم وليس من دفاتر خصومهم.

كان تأثير حسين مروة، الذي اغتيل 1987، وهو أحد ضحايا الإسلام السياسي، ملحوظاً في تناول الفلسفة الإسلاميَّة، فقد أبرز في كتابه «النزعات الماديَّة في الفلسفة العربية الإسلاميَّة»، الفكر المتهم من خصومه بالكفر والزَّندقة، وهو ليس كذلك، إنما خصوم هذا الفكر انطلقوا ضده من موقف عقائدي، وليس ما كتبوه ضده كان بحثاً وتأريخاً، لكن بعد حين وجدت في نزعات مروة نفسه الموقف العقائدي، لأنه انطلق في تأليفه من الموقف الماركسي الطبقي، وليس من المعلومة فقط، لذا أجده في العديد من الروايات يلوي أعناقها لتأكيد منهجه الفكري، وتأكيد السؤال الأساسي في الفلسفة، حسب الماركسية «أيهما أسبق المادة أم الوعي»، ووفقه قُسمت الفلسفة إلى مادية ومثالية، ومع ذلك كان كان كتابه ومازال سِفراً فكرياً جباراً.

أما عن تأثير هادي العلوي، وقد نذر نفسه لدراسة التُّراث الإسلامي، فكانت في السبعينيات، وتلك الدراسات التي نشرها في الثقافة الجديدة، ثم مجموعة كتبه، غير أن هادي العلوي انشغل بمشروع طوباي، لفترة طويلة، وهو قضية المشاعية، وأشرك كُتاب معه في بحوثه، لم يكونوا بمستواه، أضعف ذلك الاهتمام بتلك الكتابات المشتركة، وقد أخرجهم كتاباً وباحثين، لكنهم لم يكونوا كذلك بل ظلوا مجرد شتامين من بعده.

كان العلوي عميقاً في تفكيره ونقده لحوادث التاريخ، وأسلوبه ممتع، غير أنه في السنوات الأخيرة مِن حياته، ربَّما بسبب ضعف صحته، أخذ يتجاوز المصادر في ما يكتب، وآخر ما كتبه نفيه لوجود الطائفية، كمفهوم تاريخي، بل نفى حتى الاسم، نشر ذلك في الثقافة الجديدة، قُبيل وفاته بقليل، وقد كتبتُ رداً على مقالته، في المجلة نفسها، وصدمت لرده الغاضب عليَّ بأنه ليس من حقي نشر الرد إلا بعد اطلاعه عليه، وقد تأسف رئيس التحرير حينها الفقيد غانم حمدون على نشر الرد، ثم أرسل رسالة شخصية لرئيس التَّحرير قرأها لي، يعتذر عن رده المنشور، وعجبتُ أنَّه تذكر بغضب رداً لي عليه في صحيفة الثوري العدنية(1987). لكن أقول بصدق، أن أول خطوة في نقد الظاهرة الدينية، تلقيناها من صادق جلال العظم، المتوفى 2016 في كتابه «نقد الفكر الديني»، كان ذلك في بداية السبعينيات، ولما كتبه وبحثه علي الوردي أثره أيضاً، أما تعلم البحث حتَّى قبل الدراسة الأكاديمية تعلمنا مما كتبه بهذا الخصوص الأديب الفذ علي جواد الطاهر. بعد ذلك قد تجاوزت التأثير، وجعلت المعلومة، في الفكر والبحث، هي الدليل والسبيل. هنا لابد مِن الإشارة، أن حسين مرة وهادي العلوي كلاهما انطلقا من داخل الدين، فمروة كان معمماً ويدرس بالنجف، والعلوي كان متديناً ومنتمياً لحزب التحرير، ففي ذلك الوقت استوعبت الأحزاب السُّنية كحزب التحرير عناصر شيعية، ناهيك عن أن العلوي منزه مما ابتلى به الطائفيون.

 أرى تزامن واضح بين اشتداد التطرف الطائفي والمذهبي في العراق، واهتمامك بالاستقطاب والتناحر المذهبي.. هل لهذه الدرجة أثر هذا على اشتغالك البحثي بوصفه فعلا ورد فعل؟

لا يُنفى تأثير ما يحيط بالباحث، وأعود لنوري جعفر عما كتبه من مؤثرات في المؤرخ أو الباحث، فما حصل بالعراق من تناحر طائفي، قولاً وفعلاً، تطلب الدخول لتعرية هذا التناحر، وكان كتابي «ضد الطَّائفيَّة جدل العراق بعد 2003»، لكن ليس معنى هذا أصبح كل اشتغالي ردة فعل، فإذا كان ذلك كذلك، فما هو سبب تأليفي لكتاب «الأديان والمذاهب بالعراق» الذي صدر في جزء واحد قبل بروز هذا التناحر، ثم صدر بثلاثة أجزاء «الأديان والمذاهب بالعراق ماضيها وحاضرها»، أو كتبي الأُخر، التي وصلت نحو ثلاثين كتاباً ، كتابان منها في المعتزلة، وكتاب في إخوان الصفا، وجدل التنزيل، وبعد إذن الفقيه، وغيرها؟ إن التصدي لمحاربة الطائفيَّة هو التصدي ضد الزيف الذي يخلقه الطائفيون أنفسهم، ويكسون التاريخ بعواطفهم المحتقنة بالبغضاء، ويوجهونه حيث تتوجه مصالحهم. إن الاشتغال في هذا المجال، بما يخص العراق، مهمة عقلية ووطنية، فضح الخرافة التي نزلت على المجتمع، لتحويله إلى غيتوات طائفية، بأكاذيب أخذت طريقها إلى عقول الشباب كحقائق، وهذا ما يدفعنا إلى تناول موضوع الإسلام السياسي، فهو طائفي تكويناً وأداءً، مبني على الاستقطاب السني والشيعي، من دون تبرئة الأحزاب القومية وما تمثله من طائفية غير دينية.

 أشرت إلى أن هذا الصراع بين المذاهب والطوائف هو بسبب التباين والاختلاف بين الفقهاء والفقه نفسه.. كيف تقرأ ذلك؟

ليس هذه الحقيقة كلها، إنما تباين الفقهاء جاء من تباين النص الديني نفسه، وبالتالي اختلاف القراءة. بمعنى أن النص الديني لا يُقرأ قراءة واحدة، وخصوصاً عند التفسير أو التأويل، فليس هناك من فرقة دينية لا تجد نصاً تتكأ عليه في وجودها، وفي تميزها الفقهي أو الكلامي عن غيرها، وصل الأمر إلى مسح أو غسل القدمين في الوضوء للصلاة، فالآية تقول: «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصَّلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين»(المائدة: 6)، قرر فقهاء الشيعة مسح القدمين، وفقهاء السُّنَّة غسلها بالماء مع الوضوء، حسب القراءة تكون «أرجلكم» مفعول به للفعل امسحوا، أو للفعل اغسلوا، فحسب الغسل أن الأرجل كبقية الأعضاء، والرأس يختلف، فلا يمكن غسله عند الوضوء، لأن هذا يصبح اغتسال وليس وضوءاً، و»أرجلَكم» تجدها بالفتح في نسخة القرآن الصادرة من دار التوحيد(الكويت) والنسخة الصادرة من طهران. وهذا مثال لتبسيط فكرة الاختلاف، الذي يبرره الفقهاء، في تأكيد التمايز بين المذاهب، ناهيك عن الاختلاف برؤية الأهلة، فلو لم يجدوا الاختلاف لم يكن هناك وجود للمذاهب، ولا مبرر لزعامتها، والاثنان لم يكونا على خطأ، إنما اختلفا في الاجتهاد.

لست مع إسلام بلا مذاهب، مثلما كتب الباحث المصري الفلسطيني مصطفى الشكعة، بتأثير الموجة الناصرية، لإلغاء الطائفية والذوبان في القومية، كتب تحت عنوان «إسلام بلا مذاهب»، ولم يكن موفقاً به، لأن الكتاب دراسة في المذاهب من ألفه إلى يائه، ولهذا كتبتُ كتاباً تحت عنوان «لا إسلام بلا مذاهب وطروس أُخر من تُراث الإسلام»، أشرت فيه إلى كيفية كتابة تاريخ الملل والنّحل، والمبررات التي أولدت المذاهب، فليس هناك دين ولا فكر لا ينشطر، لأن ذلك ضد الطبيعة، فلا وجود لدين خالص، إلا كمفهوم عام، فالمسلم اليوم والأمس أيضاً، بعد تبلور المذاهب، ليس له وجود من دون مذهب، فهو لابد أن يمسح القدمين في صلاته أو يغسلهما!

لهذا أرى أن الاختلاف في العبادات، لا يؤدي إلى مشكلة، المشكلة هي الاختلاف في المعاملات الشرعية، والمعاملات هناك ليس المقصود بها الأخلاق قياساً على القول «الدين معاملة»، هناك مَن يفهم جهلاً المعاملات تعليم الأخلاق، وليس الفقه الشرعي! أقول: المعاملات مشكلة، وهي التي تخص ما بين الناس، بينما تخص العبادات حق الله على العباد من صوم وصلاة وزكاة وغيرها، وهذه ليس فيها مشكلة.

إن الاختلاف في الأحوال الشخصية مثلاً، وهي أول المعاملات، من زواج وطلاق وإرث وغيرها، المفروض ألا تكون وفق فقه المذاهب، وينفذها الفقيه، لسببين: أولاً، أنَّ ما يقدمه الفقيه منوط بزمن غابر، ليس فيه مراعاة لمستجدات الزَّمن واختلاف الحياة بين الأجيال، والثاني، أنه عامل مفرق وخصوصاً في المجتمعات المختلطة مذهبياً، والحل أن يكون قانون أحوال شخصية لا يغفل ما تتفق عليه المذاهب ويتماشى مع الزَّمن، فسن الزواج تسع سنوات للبنت أصبح اليوم غير معقول، وحتَّى اختلاف الانثى في الإرث عن الذكر، وكذلك الحال بالنسبة لحضانة الأطفال، وما يخص الطلاق وغير ذلك، هذا يكون وفق قانون يساعد المجتمع على النهوض بجناحيه، النساء والرجال. مع العلم، أنَّ الهجمة ضد قانون الأحوال الشَّخصية(188 لسنة 1959) جوهرها الخشية من عزل الفقيه عن إدارة شؤون الناس، وبالتالي يفقد المركز السيادي عليهم، أكثر مما كانت دفاعاً عن النصوص الدينية.

 قلت مرة أن الروايات التاريخية المرتبطة بالسياسة هي التي تغيب العقول، وماذا إذا كان الايمان بالروايات التاريخية يصل أحيانا حد الاعتقاد الديني؟

إن أغزر الروايات في التاريخ هي الروايات السياسية، لأن التاريخ الإسلامي، وكذلك تواريخ الآخرين، أرخت للملوك والدول، فكتاب الطبري، المتوفى 310 هـ، والذي أرخ فيه، من بداية الخليقة، حسب الرواية الإسلاميَّة، حتَّى السنة 302 هـ أو 303هـ كان عنوانه «تاريخ الأُمم والملوك»، وإذا قرأته تجده تاريخ سياسي بالدرجة الأولى، وبين أسطره بث تاريخ اجتماعي، ومنتظم ابن الجوزي، المتوفى 597هـ، عنوانه «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»، وتواريخ اُخر كثيرة بعناوين الخلافة أو الدولة أو الوزارة أو الطبقات.

لا أجد في الرواية التاريخية ما يُغيب العقول، إذا اُخذت في عصرها، وتتحول إلى مغيبة للعقول بالفعل إذا ألبسنها ثوب حاضرنا السياسي، وانتقل الجدل بها من زمانها إلى زماننا، وأفضحها هو ما حدث في سقيفة بني ساعدة، قضية الإمامة باختيار خليفة النبي، هل يتم ذلك بأهل الحل والعقد أم بوصية إلالهية، وما هي فائدة الجدل فيها سياسياً الآن؟! وقد مضت أيامها وأصحابها، هناك تأتي المصلحة السياسية المركبة طائفياً، لتجعل نصف المجتمع أموياً والآخر علوياً، وعليها يُراد بناء الدولة، وتبناها الإسلام السياسي، بشقيه الشيعي والسُّني، فظهرت الحاكمية الإلهية، بما نُظر إليها بمفهومها السُّني، والحاكمية الإلهية، بما نُظر إليها بمفهومها الشيعي، فهما واحد، الاختلاف بالأسلوب فقط، فمن العجب أن تبنى دولة على أساس روايات مختلف على تفاصيلها، ومنها مختلف على وجودها.

هنا يأتي تغييب عقول الحاضرين وإحضار عقول الماضين. بطبيعة الحال، يُراد لهذه الروايات أن تكون ذات قُدسيَّة، أي تدخل في الاعتقاد الديني، كشيء مسلم بصحته، عقيدة لا تناقش، والمشكلة الكبرى، يريدون فرض تلك الروايات ببناء الدولة، وتسيير شؤونها وشؤون المجتمع، ويُحرموّن نقاشها، ناهيك عن دحضها، وهي لم تصمد في البحث العلمي، بينما أمامنا مهمة بناء دولة وحُكم، أما القرآن فليس فيه بناء دولة، وهذا ناقشته في كُتيب لي تحت عنوان «رسالة الخلافة والعلمانيَّة»، وكانت بذرته ندوة عُقدت بدمشق (أكتوبر/ تشرين الأول 2010)، كان المخطط عقدها في جامعة دمشق، لكن لظروف سياسية جعلتها تُعقد في المركز الثقافي الدانماركي بدمشق. أقول: من يحاول ربط الدين بالسياسة أو الدولة عليه التمعن في كلمة الإمام علي بن أبي طالب الموجهة للخوارج «كلمة حق يراد بها باطل»، وشرح ابن أبي الحديد لقوله تعالى «إن حكم إلا لله»: ليس المقصود الحكم السياسي إنما القضاء والقدر.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top