الإضرار بدل الدعم: قرار وزارة النفط تجاه الصناعة العراقية (قراءة قانونية نقدية)

آراء وأفكار 2021/09/20 09:31:49 م

الإضرار بدل الدعم: قرار وزارة النفط تجاه الصناعة العراقية (قراءة قانونية نقدية)

 د. اسامة شهاب حمد الجعفري

لا تقر حال لمجتمعٍ و ينتظم امره من دولةٍ , قوية قادرة , لانها الكيان المتخصص بتمثيل المجتمع و رعاية مصالحه السياسية و المالية و النقدية و الثقافية و الزراعية و الصناعية في بيئة عالمية يحكمها قانون الصراع بين المصالح ,

الصناعة الوطنية تمثل مصلحة عليا للدولة و المجتمع فهي ليست مجرد منتجات مادية للاستهلاك البشري تقاس بمعيار الربح و الخسارة , انما هي ايضاً و قبل كل شيء معيار تقاس بها القوة السياسية للدول في استعمال القدرات الصناعية لمد النفوذ خارج الحدود و التأثير في رسم العلاقات الدولية , و تحكي ايضاً طاقات الشعب الفكرية و العلمية و كفاحه للحضارات و الشعوب الأخرى , الصناعة الوطنية رسالة المجتمع الخلاق للمجتمعات الأخرى .

قد يبدو غريباً ان وزير النفط ملتزماً قانوناً بحماية الصناعة الوطنية و هو ليس وزيراً للصناعة و المعادن , الا ان الاستغراب يتبدد عندما نكتشف ان هناك علاقة وثيقة بين الصناعة الوطنية و وزارة النفط بالتحديد , فهذه الوزارة لها الدور الاكبر و المسيطر في تقديم الدعم و المساندة للصناعة الوطنية من خلال توفير الوقود الذي يحرك الآلة الصناعية في انتاج السلع و الخدمات للمجتمع و باسعار مدعومة تمكن الصناعة الوطنية من رفع قدراتها التنافسية مع الصناعات الاجنبية , صحيح ان وزارة الصناعة هي الملتزمة قانوناً بحماية الصناعة الوطنية الا ان هذا الدور لا يحقق النتائج المرجوة من دون جهد متواصل بين هذه الوزارة و الوزارات الاخرى و خاصة وزارة النفط, لكن هذا التكامل و التواصل بين الصناعة الوطنية و وزارة النفط و المفروض قانوناً كالتزام بموجب الفقرة (اولاً) من المادة (3) من قانون حماية المنتجات العراقية رقم (11) لسنة 2010 المعدل قد قطعه وزير النفط نفسه عندما أعلن عن زيادة اسعار الوقود (النفط الاسود) زيادة فاحشة و بشكل مفاجئ بموجب قراره الصادر

في 30 /8/2021 , و لمعامل و مصانع من القطاعين الخاص و العام (معامل السمنت و المواد البناء الاخرى) و يمثل هذا القرار ممارسة ضارة تتعرض لها الصناعة الوطنية و تلحق بها الضرر المادي الجسيم و يقود نحو إعاقة التنمية الصناعية لانه من نتائجه السلبية على الصناعة العراقية في قطاع البناء , انه فتح ثغرة كبيرة نحو إغراق السوق العراقي بالمنتجات الصناعية الأجنبية التي تمتلك قدرة تنافسية هائلة مقارنة بالصناعة العراقية و الذي أضعفها اكثر قرار وزير النفط بزيادة سعر الوقود مما يعني إعاقة تامة للصناعة الوطنية في داخل السوق العراقي و تنحيتها عنه و فسح المجال للصناعات الاجنبية للتفرد التام بالسوق العراقي و من ثم اندثارها من المشهد الصناعي , و هذا خرق قانوني واضح للمادة (2) من قانون حماية المنتجات العراقية التي فرضت التزاماً قانونياً على كافة وزارات الدولة ومؤسساتها و من ضمنها وزارة النفط في توفير بيئة تساعد في بناء قدرات الصناعة الوطنية التنافسية و إيقاف كل الممارسات التي تؤدي الى الحاق الضرر الجسيم بالصناعة الوطنية و قدراتها التنافسية و مجلس الوزراء ملتزم قانوناً بالتدخل الفوري لايقاف هذا القرار فهو الجهة المختصة قانوناً بهذا الشأن بناءاً على توصية من وزير الصناعة و المعادن بموجب المادة (14) من قانون حماية المنتجات العراقية رقم (11) لسنة 2010 المعدل و اتخاذ التدابير وبالقدر الكافي لتفادي الضرر أو إزالته وبما يمكّن المنتجين العراقيين سواء كانوا قطاع عام او قطاع خاص من تكييف أوضاعهم مع المنتجات المستوردة ويضمن حماية مصالح الصناعة في جمهورية العراق بموجب مادة (15) من قانون حماية المنتجات العراقية.

ان فكرة دعم الصناعات الوطنية هي فكرة موجودة حتى في الدول الرأسمالية فتركيا تقدم الدعم للصناعة التركية من خلال المساهمة بدفع نسبة 20% من قيمة الوقود و الكهرباء , و تقوم ايضاً بدفع نسبة 15% من تكاليف التصدير للخارج لتعزيز القدرات التنافسية لصناعاتها في الاسواق الدولية , فهذه الدول لا تنفك عن دعم صناعاتها الوطنية و هو امر طبيعي و غير مستغرب , و لكن المستغرب ان الدولة تدعم الصناعات الاجنبية و تتخلى عن صناعاتها الوطنية بقرارات تقود بالنهاية الى هذه الحقيقة المقلوبة , كما حصل مع قرار وزير النفط بزيادة سعر الوقود للصناعات العراقية , اضافة الى ان النفط ملك الشعب العراقي و لا يجوز ادارته بشكل انفرادي لصالح وزارة النفط و انما يجب ادارته لصالح الشعب و بشكل لا يلحق الضرر بمصالحه و ذلك بموجب المادة (111) من الدستور العراقي و من مصالح الشعب العراقي ان يكون اسم دولته عالياً في سوق الصناعة الدولية . اذا كان لوزير النفط صلاحية تحديد اسعار الوقود فعليه ان لا يتعسف في استعمال هذه السلطة بالحاق الضرر بالصناعة العراقية عليه ان يراعي هذا الجانب في كل قرار يصدره و الا كان قرار قابل للبطلان و المطالبة بالتعويض عن الاضرار التي لحقت بالمنتجين المحليين .

ان احتكار وزارة النفط لانتاج الوقود لا يخولها قانوناً التحكم بالسعر كما تشاء و متى تشاء بشكل يتضرر المجتمع العراقي فان فعلت ذلك فهي من الممارسات المحظورة بموجب الفقرة (رابعاً) من المادة (10) من قانون المنافسة و منع الاحتكار رقم (14) لسنة 2010 فقرار زيادة سعر الوقود على الصناعة العراقية ادى الى إقصاء الصناعة العراقية من الاسواق العراقية و احتكاره من قبل الصناعات الاجنبية و تعريض الصناعة العراقية الى الخسارة من خلال اضطرارها البيع بخسارة (اقل من الكلفة) من اجل الاستمرار في التنافس ، و الجهة المختصة بايقاف هذه الممارسات هو القضاء في محاكم المختصة بالنظر بالنزاعات الناشئة عن حماية المستهلك و المنافسة و منع الاحتكار بموجب المادة (15) من قانون المنافسة و منع الاحتكار رقم (14) لسنة 2010 بعد تقديم الشكوى امام مجلس شؤون المنافسة و منع الاحتكار المشكل بموجب المادة (4) منه و المرتبط برئاسة الوزراء.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top