كلامٌ عاديٌّ جداً: وجهه

حيدر المحسن 2021/09/28 10:37:03 م

كلامٌ عاديٌّ جداً: وجهه

 حيدر المحسن

أفاد حسين عبد اللطيف من التّجارب الشّعرية التي حقّقها أدباء العالم، وساعدته خبرتهم كثيرا في منح قصيدته مظهرا خارجيا وآخرَ داخليا، بالإضافة إلى مشاهد جانبيّة عديدة تجعلنا نرى القصيدة مثل جوهرة. الفرق شاسع بين القصيدة الحصاة والجوهرة،

في الثّانية يتحوّل الشّكل بواسطة الشّعر إلى مضمون، وتتداخل الأشياء مع بعضها بعضا، ومع المخلوقات، ويأخذ كلّ من الآخر بعضا من سِماته، وفي النّتيجة تتحقّق للشّاعر وحدة الوجود، لا بطريقة هجران الواقع التي اتّبعها الصّوفيون في الماضي، وارتفاعهم المزعوم بهذه الواسطة إلى السّماء. السّماء هنا هي التي تهبط إلى الأرض، ويتمثّل الشّاعر عندها تجربة صوفيّة يتقرّب فيها إلى آلهة عديدة، بعدد الأشياء والمخلوقات والعواطف والأفكار، كأنه أحد مريدي ديانة الشِنْتو اليابانية، حيث تقدّم القرابين والعبادات إلى آلهة وأرواح كثيرة العدد. يقول بورخيس في قصيدة تحمل اسم الديانة:

«ثمانيةُ ملايين من آلهة الشّنتو/ تسافرُ سرًّا في الأرض./ تلك الآلهةُ المتواضعةُ تلمسنا-/ تلمسنا وتمضي قُدمًا.

في القصيدة الجوهرة نتعرّف على هؤلاء الآلهة، الثمانية ملايين. يشبّه حسين عبد اللطيف وجهه بالمرآة المكسورة، ويتكرّر هذا الوصف، ويتعدّد، ويتنوّع:

«وجهي عشيق التّراب”، “سأرفع وجهي خطوطا”، “آخر الأمر سأجعل \ ساعتي \ قشّا \ ووجهي \ غرفةً \ تجمع شمل العائلة”، «أرياف تنهض في وجهي \ وصباحات \ تستقبلني».

العديد من آلهة الشّنتو التقوا في قصيدة بعنوان “وجه” أنقلها إليكم كاملة:

وجه بلا صورة \ يحمل طعم الماء \ يحمل لون الماء \ يحمل عطر الماء \ أشرقني... في حلك الصّحراء \ عشبا ونافورة \ ونجمة \ خضراء

والمتتبّع لأشعار حسين عبد اللطيف يجد وجه الشّاعر، وكذلك يده مزروعين في صفحات كتبه بطريقة الشّعر، بصور عديدة ومختلفة:

يدي...

يا يدي المستحيلة/ ألا تنظرين الذي حلّ بي... من يديك!

توصف اليد في علم التّشريح بأنّها دماغنا الثاني، ففي الاثنين من التّعقيد ما يجعلهما متشابهين في الهيئة، وإن اختلفا في الشّكل، وهذا الأمر يذكّرنا ببيت سعدي يوسف الشّهير: “عيناي يد امرأة”.

يُروى عن علاء الدين أنّه عثر في إحدى أسفاره على جوهرة بلغت من الحجم أن أربعين عبدا أسودَ وأربعين عبدا أبيضَ تعاونوا لرفعها من الأرض. نحن ننظر إلى القصيدة الجوهرة مثل السّلطان الذي أهداه علاء الدين جوهرته الفريدة هديّة.

أطبقنا الأيدي \ وفتحنا الأيدي \ \ ما من شيء في الأيدي \ \ قادتنا الرّيحُ \ إلى \ الرّيح

هل كان شعر حسين عبد اللطيف درسا في فنّ اليأس، إن كان لليأس فنّ؟ كأنه نوع جديد من الرّثاء في شعرنا، الحزن الشّديد على الواقع، وعلى المصير:

وها أنا\ ها أنا \ لا حنطة في يدي/ ولا على \ شكواي \ عندي \ شهود

ورغم أجواء اليأس التي كان يعيشها، يهجم الفرح على الشاعر فجأة في بعض قصائده، ويكون الباعث إلى هذه الإشراقة في كل مرة أمرا حدث في الزمن الماضي، يحضر بقوة، وغرضه التّذكير لا المواساة:

“سنعود \ إلى حديقتنا عينها \ إلى باب بيتنا نفسه \ لنلمس رسغ السّعادة \ ينبض مثل ساعة”.

صار للسّعادة رسغ ويد وقلب ينبض في موعده، تماما. هو ليس نوعا من الاستعارة المعرفيّة أو صورة شعريّة محمّلة بالرّؤى، بل هو تلك التّجربة الصّوفيّة التي تمّت بها وحدة الوجود:

«وكنّا \ فتحنا الحدائقَ \ يدخلها قمرٌ بربريّ \ وكنّا \ لعبنا \ معا.. \ عند ليل المياه \ وشمس المياه”

لم تكن تجربة حسين عبد اللطيف فريدة في نوعها فحسب، بل إن الزمن الصّاخب والمتوتّر الذي مثّلته كان فريدا في تاريخ العراق هو الآخر، وقد اكتبست منه التّجربة كل ما فيه من بُنًى مختلفةٍ، وصاغتها شعرا.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top