رشيد الخيون: أقطاب الإسلام السّياسي صرحوا بتبني الديمقراطيّة وجوهره الوصول إلى السلطة

رشيد الخيون: أقطاب الإسلام السّياسي صرحوا بتبني الديمقراطيّة وجوهره الوصول إلى السلطة

يرى أن الطائفية، مثلما تُقَدْم أخذت تقرع طبولها بشدة بعد (2003)، بدوافع مختلفة

حاوره: علاء المفرجي

القسم الثاني

الباحث د. رشيد الخيون صب جل اهتمامه على قضايا التراث الثقافي والفلسفي العربي الإسلامي، في أفقه الرحيب، بعيداً عن التعصب والتقديس،

يتناوله تناول الناقد، والرابط بينه وبين الحاضر، ففي كتبه كافة كشف لحوادث الماضي بما يقابلها من الحاضر. دأب على كتابة المقال بروح الباحث، وحسب قوله: أنه لا يكتب من دون شاهد تراثي، ومع انجذابه إلى الماضي بهذه القوة، لكنه لم يكن ماضوية، يبكي على الأطلال والأمجاد، إنما عنده لكل مكان وزمان ومكان رجاله وأفكاره.

قضى شرخ الطفولة والشباب وسط الأهوار، ثم تعلم في بغداد، وعلَم في مدارسها الأبتدائية، مال الى اليسار، حتَّى لم يجد مكاناً يأويه، في زمن الهجمة الشرسة فخرج تحت جنح الليل إلى حيث خيّم المثقفون العراقيون، من حاملي الفكر التقدمي، في عواصم عديدة، وما أن أخذ منه البحث كل نشاطه واهتمامه صار متفرغاً له، لكن علق به منه شغف في التقدم والتنوير. كتاباته وبحوثه منصبة في تحرير العقل من الجهل المقدس، ومحاولة إظهار ما سماه في عدة مناسبات بالتراث المحجوب، أكثر ما كتب يصب في اتجاه ضد العنصرية والطائفية، سواء كانت الطائفية على الأساس الديني أو القومي، حتى من يقرأ كتاباً له، أو مقالاً من الصعب تمييز انحداره الديني او المذهبي أو القومي، وهو حسب ما كتب، التعصب الوحيد ليه، غير المذموم هو التعصب للعراق، فلم تكن الوطنية يوماً من الأيام سبة، أو مما يخجل منه الإنسان. يجد في المعلومة نهجاً في الدراسة والبحث، فهي التي توجه الباحث.

 

درس رشيد الخيون الفلسفة، وتخصص في الفلسفة الإسلامية، وكان تخصصه الدقيق في الدكتوراه، التي حصل عليها من جامعة صوفية (1991) في المعتزلة، وله في هذه الفرقة كتابان: مذهب المعتزلة من الكلام إلى الفلسفة، ومعتزلة البصرة وبغداد، وصلة بهذه بدراسة هذه الفرقة، صدر له كتاب «جدل التزيل.. تاريخ القرآن ومقالة خلق القرآن»، الملحق برسالة الجاحظ «خلق القرآن» والمحققة من قبله. رأى رشيد الخيون العراق مُتحفاً للأديان والمذاهب، وفي هذا المجال صدر له كتاب «الأديان والمذاهب بالعراق ماضيها وحاضرها» (ثلاثة أجزاء)، ولما صعد الإسلام السياسي، وتفاقم شأن الصحوة الدينية، صدر له كتاب « 100 عام من الإسلام السياسي بالعراق» (جزءان)، وبعد أن اضطربت دنيا العراق والمنطقة بالطائفية صدر له كتاب «ضد الطائفية جدل العراق العراق بعد 2003»، صدر له كتاب «بعد إذن الفقيه» بحث فيه معاملة النساء في التاريخ والفقه، ومن فصوله «عرائس الموت»، وكان عن ظاهرة زواج الصغيرات، صدر له كتاب «السود في الحضارة الإسلامية» وقد فاز بجائزة الملك عبد العزيز كأفضل كتاب في موضوع تاريخي اجتماعي في العام 2017، صدر له كتاب «لصوص المال والنصوص في التراث الإسلاميّ»، وصل عدد كتبه نحو الثلاثين كتاباً ام تخرج عن التراث الثقافي والفلسفي والديني، وقد أنجز مؤخراً كتاب «المقتولون بسبب ديني في التاريخ الإسلاميّ». أجرت معه المدى هذا الحوار:

 

 في كتابك “ضد الطائفية قلت: (ليس هناك أكثر تداولاً، في هذا العصر، من مفردة الطائفية، وجدلاً ضدها، إذا علمنا أن واحداً من معاني الجدل هو شدة الخصوصية، فالكل يشير إلى الكل بتهمة الطائفي، مع أن الجميع، من القوى الدينية، وشخصيات اللا دينيين، من الذين لا شأن لهم بدين، أو بإيمان، لكنهم يظهرون أكثر طائفية من المتدينين أنفسهم.) تشخيص دقيق للحالة العراقية.. كيف اسميت ذلك؟

- كانت الطائفيَّة، كاسم وفعل، موجودةً في التاريخ الإسلامي، وكذلك الأوروبي المسيحي، وجرت بسببها مقاتل ومظالم رهيبة، وهذا ليس من حديثنا، غير أن بروزها في التداول العام، وبهذه الشراهة ظهر خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وحملات التجدير المتعسفة، ثم انعشها كثيراً وصول الإسلاميين إلى السلطة، في أكثر من بلد، فالحرب العراقية الإيرانية وجهت في الإعلام على أنها بين قيادة شيعية وأخرى سُنية، ونشط خلالها تأسيس الأحزاب الدينية، بعد أن وجدت الداعم القوي.

غير أن الطائفية، مثلما تُقَدْم أخذت تقرع طبولها بشدة بعد (2003)، بدوافع مختلفة، منها السيطرة على المجتمع وقوده إلى ما تريده القوى الأجنبية والمحلية الصديقة لهذا والعدوة لذاك. إنّ مبدأ أو مقولة “فرق تسد” ليس حديثاً، بل موجودة قولاً ودعوةً في التاريخ العربي الإسلامي، لم يكن الإنكليز، مثلما يُنقل أول مَن قالوها. يذكر المؤرخ ابن الأثير(تـ: 630هـ) في “الكامل في التَّاريخ”: إن قُثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس(تـ: 159هـ)، نصح ابن عمه الخليفة أبا جعفر المنصور(تـ: 158هـ) قائلاً: “تُفرق النَّاس إلى فرق لدوام المُلك”! فلو عكسنا ذلك على مصالح الفقهاء أو رؤساء المذاهب، لوجدنا من مصلحتهم إبقاء الخلاف شديداً، فكلما استعرت الطائفية تجند الأتباع وتخندقوا دفاعاً عن المذهب، وهو في الحقيقة دفاعاً عن مصلحة رئاسة الفقيه أو الحاكم أو الحزب، ولأبي العلاء المعري، المتوفى في 449هـ، قولاً بليغاً في حرص الرؤساء على قود الأتباع: “إنما هذه المذاهب أسبـــاب/ لجذب الدُّنيا إلى الرُّؤسـاء».

لكن ما يلفت النظر أن الطائفيين أنفسهم يشيرون إلى خصومهم الطائفيين أيضاً بالطائفية أو المذهبية كتهمة، بمعنى العقائدي لا يعتقد بطائفيته، وإنما يعتقد أنه يمثل أسمى الانفتاح والوطنيَّة، وطبيعي إذا المجنون اعترف بجنونه فهو عاقل بالتأكيد، من جانب آخر يخجل الطائفيون الإشارة إلى أنفسهم بالطائفية، مع أنَّ أفعالهم وأقوالهم تفضحهم.

لا يجب أن نظلم المتدينين وأهل العمائم ونلقي عليهم براثن الطائفية فقط، فهناك من غير المتدينين، بل من الملحدين أيضاً، يجدح مِن عيونهم شرار الطائفية عند الجدل، ويحسبون الصغيرة والكبيرة فعلاً طائفياً ضدهم، حتَّى الذين قضوا حياتهم بأوروبا ودرسوا في أرقى جامعاتها والجامعات الأمريكيَّة، تجدهم طائفيون عظماً ولحماً، بينما تجد من رجال الدين، أصحاب عمائم، يأخذون الحال بمستواها الراهن، ويتصدون ضدها، ويجاهرون بالحكم اللاديني، وأن الطائفية أول ما تضر بالطائفة نفسها قبل غيرها، والأسماء كثيرة، من فقهاء وخطباء منابر متنورين. أجد أمثال القوى الدينية الطائفيَّة منخورين جهلاً، وإن كانوا أطباء ومهندسين، لأن بناء الوعي لدى الإنسان لا يحدده المستوى أو الصنف الدراسي، فقد تجد مَن لا يقرأ ويكتب أثقف بكثير من الدكتور الفلاني أو العلاني، وهذا موجود بشكل واضح في الحال العراقيَّة.

 

 هل كنت تتوقع مثل هذه الخصومة من أصوليو هذه الملل، بسبب عقلانية ما تطرحه.. ومن خصومك تحديدا؟

- لا أدعي بوجود خصومة شخصيَّة موجهة ضدي بالذات، إنما موجهة لتيار التنوير بالكامل، وأنا أحسب نفسي منه، أما عن توجيه التهم لي شخصياً، فليس حتى من أصوليين، وإنما مِن جهلة، بينهم مِن أهل اليمين واليسار، حال تنمر، يوجهها الحزب الفلاني أو الجماعة الفلانيّة، ويا ليت يكون ذلك لاختلاف فكري، أو لرأي، وإنما هي نوع من العصابيّة، تحكم عليك جهلاً، وأشبه ذلك تماماً بالذي طعن نجيب محفوظ وعند التّحقيق كان السؤال: هل قرأت روايته “أولاد حارتنا” ظهر أنه ليس له في القراءة والكتابة، منفذ فتوى فقط.

إنَّ مشكلة الحزب الذي أعنيه وهو حزب إسلامي يتهم الآخرين بالعمالة والاسترزاق، وينسى نفسه، في توجيه جموعه إلى الذوبان بدولة أجنبية، حاله حال القوميين، يظهرون على شاشات التلفزيون يتحدثون عن كتابة تقارير إلى القاهرة عن الجيش العراقي، ويقدمون معلومات عن أحوال العراق إلى السفارة المصرية، في عهد عبد الكريم قاسم، إذا سألتهم، يعتبرون ذلك نضالاً، بينما يتهمون خصومهم بالعمالة، هذا هو حال أصحاب الذوبان في حكومة وقيادة أجنبية ضد بلادهم، والعديد من الإسلاميين قد يستفزهم بيت محمد مهدي الجواهري من قصيدته العصماء “هاشم الوتري”: “مستأجَرِينَ يُخرِّبونَ دِيارَهُمْ/ ويُكافئونَ على الخرابِ رواتبا». هذا هو واقع هؤلاء الخصوم، وخصومتنا معهم ليست انفعالاً إنما منافحة عن التنوير ومستقبل عراقنا. أقول: هل لمثل هؤلاء عين ترفع؟!

 ما الذي يعيق المثقف عندنا في ممارسة نقد الخطاب ومهمته التنويرية، والمناداة بحركة الاصلاح الديني؟

- أرى الإعاقة ليست عندنا فقط، إذا كنت تقصد نحن العراقيين، بل كانت تاريخية وتشمل العالم بأجمعه، حيث المواجه بين الظلام والنور، فحتَّى الحضارات القديمة والأديان، جعلت بداية خلق العالم نزاع بين الخير والشَّر. أكملت الآن كتاب: “المقتولون بسبب ديني في التاريخ الإسلامي”، وجدت حملة كبرى ضد الفلاسفة والمتكلمين والشعراء قادت إلى قطع رقابهم، بسبب أفكارهم، وبطبيعة الحال منها ما هو سياسي أُلبس ثوباً دينياً، ومن فصوله: المقتولون بتهمة ادعاء النبوة، لو قرأت تهمهم تجدها بسبب أفكار تنويرية، ناقشوا فيها النصوص الدينية، إلى جانب حرق كتبهم، تصور أن محي الدين بن عربي، المتوفى 638 هـ، واحدة من التُّهم التي رمي بها بالزَّندقة أنه أنكر مقالة الزواج بين الإنس والجان، على أنها ثابت ديني، ولولا أن له أتباعاً يعتبرونه الشيخ الأكبر لقُتل بسبب ذلك. ومِن طريف ما صادفني خلال العمل بهذا الكتاب أن الأخطل الضبعي قُتل لأنه قال في من عُرف بمسيلمة الكذاب، بعد فترة طويلة من قتل الأخير: “لهفي على أبي ثمامة/ لهفي على ركن اليمامة”، ومن الطريف أيضاً أن أحدهم قُتل بالزندقة لأن تقريراً كُتب به، بأنه باع نسخة من المصحف واشترى بثمنها صفحات من شعر أبي نواس! وغير هذا كثير. قبلها كنت وثقتُ لتكفير وقتل المعاصرين، في أكثر مِن بلد، في كتاب “العِقاب والغلو في الفقه والتُّراث الإسلاميّ”، وكل قصصهم هي نزاع بين النور والظلام.

قصدنا من هذا، أن الذين ذكرتهم لم يكونوا أعداء الدين، بقدر ما هم أعداء رجال اللاهوت، كانت لديهم أفكار، لا تضر الدين بقدر ضررها البليغ في المؤسسة الدينية، فالذين كانوا يقتلون بسبب ادعاء النبوة، في زمن المهدي وهارون الرشيد، صاروا يُحضرون إلى مجلس عبد الله المأمون ويتم الحوار معهم، وكثيراً ما ينتهي بالفكاهة. بطبيعة الحال أن ثمن الدعوة إلى التنوير في أوروبا العصور الوسطى كانت دماء وأرواح، ومن الوسط الديني نفسه. فالإعاقة أن المثقف، قديماً وحديثاً، ليس لديه غير الكلمة، بينما الفقيه لديه سيف الحاكم وفتوى الدين، وهل الذين قتلوا في التظاهرات العراقيَّة، وعددهم نحو ثمانمائة، كان قتلهم بعيداً عن الفتوى بهم، وعن خطاب رجال الدين الحزبيين، الذين يتخذون من قنوات أحزابهم مواقع للتحريض والتفسيق؟! لم يكن هذا القتل بعيداً عن فتوى تحريم انتخاب العلماني، وتعليقها على الأعمدة، فتحريم انتخابه وتوظيفه بسبب أنه ضد الدين، فهي فتوى واضحة بقتله، لأنه كافر! قبل عقود كانت كارثة فتاوى قتل جماعي بمن صنفوا كفرة (تموز 1963)، منحها الفقهاء دون اكتراث بقتل أكثر من عشرة آلاف سجين، وقد فصلت ذلك في كتابي الأديان والمذاهب، ولا إسلام بلا مذاهب، وكتاب العقاب والغلو.

لستُ مع المناداة بالإصلاح الديني، مع أنها موجودة في الفكر الديني، ففقهاء كثيرون لقبوا بالمجددين، لكن ما معنى هذا التجديد؟! أنَّه تجديد الفقه نفسه، معنى تدويره بعيداً عن إضافات أو محذوفات، قد يفرضها الزَّمن، وحمايته مما يتعرض له مِن أفكار، بمعنى التجديد هنا العودة إلى الأُصول وليس التغيير. يجري ذلك وفق حديث: “إن الله تبارك وتعالى يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها»، أو «إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يصلح لهذه الأمة أمر دينها»، فالتجديد والإصلاح، بهذا المعنى هو العودة إلى الأُصول. هذا واقع الحال الفقهي، الذي تضغط عليه الحياة وتبدلاتها بظهور دعوات وأفكار للتجديد، فيقاوم هذه الأفكار بتجديد أيضاً، وهو العودة مثلما تقدم، وكأن الجواهري أشار ببيته إلى هذه الظاهرة من دون قصد: «وقائلةٍ أما لكَ من جديدٍ/ أقول لها القديم هو الجديدُ».

أخذت مستجدات الزمن تضغط على المعاملات الفقهيَّة، وما باتت الدعوة إلى المساواة في الأحكام بين الجنسين ليست غريبة، بل تلح بقوة فيعترضها الفقهاء (المجددون) بقوة أيضاً، لهذا لا طائل من الدَّعوة إلى التجديد والإصلاح الديني، إنما فك الارتباط بين الدَّولة والدِّين، هو الضَّامن لبقاء الدِّين بحدود العبادات عزيزاً عند الناس، بحماية مِن سطوة اللاهوتيين في المعاملات أو السلطة السياسية.

أرى مبالغات في ما عرفناه بتجديد جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، فماذا جددوا، وما هي نتائج تجديدهم؟! لا شيء، فالأفغاني تجديده ربطه بالرابطة الإسلامية العالمية، ومحمد عبده ربطه بالمستبد العادل، وكلاهما فكرا سياسياً، أما على مستوى الفقه، فلم يتجدد شيء، لكننا ما نزال نتغنى، في هذا الثنائي السياسي، أما عبد الرحمن الكواكبي فلم يكن رجل دين أو فقيه بالمعنى الدقيق، غير أنّ محمد حسين النائيني كان فقيهاً تحدث في السياسة، وكتابه “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” حُسب دليلاً فكريا لحركة المشروطة، بعد صدوره بالفارسيَّة (1909)، ثم تراجع عنه إلى درجة أخذ بحرق نسخه، من أجل أن يبقى فقيهاً مرجعاً.

لا تجدني أفت في عضد الداعين إلى الإصلاح والتجديد، من أصحاب الدعوات المخلصة والعقول النيرة، لكنني اعتبر تلك جهود وحرق أعصاب بلا جدوى، فالدين لا يتجدد، بالمفهوم الذي يريده التنويريون، لأنه ثوابت مقدسة، الشيء المجدي، من وجهة نظري، هو العمل على فصل الدين عن الدولة وعن السياسة، أي التحرر من اللاهوتية، فالتحزب الديني مشروع ضد التنوير، لأنه يساوي بين الصلاة والسياسة.

 بماذا تفسر هذا التبني من قبل الإسلام السياسي للحرية والديمقراطية والانتخاب وغيرها من الامور التي كانت بمثابة شبهة أو كفراً في زمن سابق؟ هل هو تبني (المضطر) كما قلت انت مرة؟

- إن العديد مِن أقطاب الإسلام السّياسي قد صرحوا بتبني الديمقراطيّة، وجوهره الوصول إلى السلطة، بعد العجز عن طريق الصحوة الدينية، أو تصدير الثورة، أو الانقلابات العسكرية، في حال السودان مثلاً، فركبوا موجة الديمقراطية، على الرّغم أنهم لم يعتقدوا بها ولا يقرونها كنظام سياسي، لأنها من وضع البشر، وحاكميتهم من وضع الله. فليس هناك حزباً دينياً يؤمن بالديمقراطية، أما سمعت مَن قال منهم: إن المنصب “تكليف شرعي”! مع أنه وصل إلى المنصب هازئاً بالديمقراطية.

أرجو ألا تمل مني إذا كثرت استشهاداتي بالشعر، فهو من أصدق القول في وصف حال من الأحوال، وفي حال تبني الإسلاميين للديمقراطية لا يمكن تجاوز معروف الرُّصافي، وقد قالها حتى قبل هذه الموجة الحزبية بكثير: “لا يخدعنك هتاف القوم بالوطنِ/ فالقومِ في السّر غير القومِ بالعلنِ/ أُحبولة الدِّين ركت من تقادمها/ فاعتاض عنها الورى أحبولة الوطنِ”. صاروا يخجلون من دعوتهم السياسية عبر الدِّين، فأخذوا يسمون كياناتهم بأسماء وطنية. وهل ترانا نستطيع تجاوز مَن اعتبره الرُّصافي “شاعر البشر” وشاعر الحقيقة”، بل “شاعر الخلق”، وأشار إليه بأبتي، ولولاه ما كان الرُّصافي، فقد كان قدوته، وتحوله إلى ما هو عليه، وكلاهما تحملا فتوى التفسيق والتكفير، قال أبي العلاء المعري واصفاً البون الشاسع بين السياسة والدِّين: “طموح السَّيف لا يخشى إلهاً/ ولا يرجو القيامة والمعادا”.

 الحيز الذي اشتغلت عليه في جانب الأديان والمذاهب، كرؤية نقدية خلق جمهوراً واسعا لمؤلفاتك.. بما تفسر ذلك؟

- عندما بدأتُ الكتابة في الأديان والمذاهب، وخلال البحث، تخليتُ عن أيّ انحياز، وأي عاطفة، علقت بيّ من الطفولة والصبا، فادعي أنني محايد جداً عند البحث في هذا المجال بالذات، وتعلمتُ ممارسة دور تبني المذهب والدين الذي أبحث به، والكتابة عبر مصادره قبل خصومه، ولا أتردد في القول: مازلتُ شيعياً بين السنة وسنياً بين الشيعة، لهذا اقترب مني الجمهور، الذي سألت عنه أنت، حتَّى وجدت من سبني لأنني لم أرضه في ما كتبت عن دينه أو مذهبه، تراه نفسه يمدحني عندما اعتقد أنني كتبتُ ما يريده، والحقيقة ليست هذه، إنما هذه الحيادية، التي يحبك بها جمهور ويكرهك آخر، كرهني السُّني لأنني أنصفت الوزير الأديب ابن العلقمي، ونزهته من الخيانة، في كتب وبحوث منفردة، وأحبني الشيعي الذي ناغيت مزاجه، من دون قصد، وكرهني الشيعي عندما اعتبرت الإمام أبا حنيفة أكبر من فقيه، وإذا تحدثنا عن التجديد فقد بدأ هو به، عندما أعلن المساواة بين أهل الأديان في الدماء، ولم يتزوج غير أم حماد، ونفيت أنه تعلم تحت يد الإمام جعفر الصادق، لاختلاف النهج بينهما، فأستاذه طوال حياته هو حماد بن إسماعيل، وقد سمّى ولده حماداً، وعلى هذه كرهني الشّيعي، وعلى هذا كثير من تداول الحب والبغض.

 سؤال يبدو غريبا نوعا ما .. ولكن انشغالك في هذا الجانب يجعلني أسال: ما هو تصورك لما سيؤول اليه الوضع في العراق في ما خص مستقبل التنظيمات والحركات الدينية فيه؟ وهل هناك أمل بمجتمع معافى من الكثير من الأوهام التي رسخها هؤلاء؟

- لا أقول تصور، إنما واقع بدأ منذ سنوات، فالتنظيمات الدِّينية اساءت إلى الدِّين كثيراً، وبسبب سياساتها أصبحت حركة الإلحاد منظورة، بينما خطباؤهم يعتبرونها مؤامرة علمانيَّة، وليس هناك مِن مجال أفلس هذه التنظيمات مِن ثقة الجمهور مثل تجربتها في السُّلطة، حتَّى بات الكثيرون يخجلون أنهم كانوا في المعارضة، ضد النظام السابق، مع هذه الجماعات. إنّ الوعي الشبابي داخل العراق، وخارج أروقة السلطة وقواها الدينية، ظاهرة غير مخفية، في مجال الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي، شباب يديرون أنفسهم بأنفسهم، وأنا على مواصلة مع كثير منهم، فتيان وفتيات، فما بات صوت خطيب المنبر السياسي يسترعي نظرهم، ومعلوم أن الأزمات تخلق حلولها، فأزمة العراق الثقافية ومحاولات تغييب الوعي وراء هذا الصراخ الديني المشحون بالخُرافة والكراهيَّة، تعتبر القوى الدينية هذا جمهورها، وستبقى تمارس لعبة الديمقراطية عبره، لكن إلى حين وعلى حساب الدِّين نفسه.

فهل حصل بالعالم، المتخلف والمتقدم، من مجاهل أفريقيا إلى معالم أوروبا أن تعامل رئيس حكومة مع أخذ الاستخارة في تسيير أمر خطير، يتعلق بمكافحة الإرهاب مثلاً، مثلما حدث بالعراق؟! مع ذلك يتوهم صاحب الاستخارة أنه مفكراً بل وفيلسوفاً، خلال رئاسته للحكومة أصدر أكثر من مئة كتاب وكراس، ووضعها أمامه على رفوف مكتبته، يهديها رزماً تشبهاً بخال السلطة السابق. لا أدري من أين أتت هذه الثقة لهذا الرّجل بنفسه، وهل يعتقد القوى الدِّينية أن الاحتفال بسن التكليف للبنات، أو سن قانون للأحوال الشخصية، على مقاس تدينهم، أنه سيقنع النَّاس بهم. بات وضع الأحزاب الدينية مرتبطاً بدعم دولة، متى ما تبدلت الأحوال فيها، تبقى هذه القوى بلا حامٍ.

 كتبت في الآونة الأخير عن موضع مختلف، عمّا تكتب به، وهو دفاعك عن التاريخ الإسلامي، واعتبرت التشكيك في وجود التاريخ، بل الإسلام، تهافتاً، هل في ما كتبت نلمس مهادنة مع الذين يلعنونك، وعذراً لهذه الكلمة، بما يعتقدون أنك ضد الدِّين؟!

- لم أكن ضد الدين في يومٍ من الأيام، بل اعتبر هذه الدعوات تدخل في عقائد النَّاس، وأنا مع ما كتبه محي الدين بن عربي في فتوحاته المكية: “عقد الخلائق في الإله عقائداً/ وأنا اعتقدتُ جميع ما اعتقدوه”. مَن يؤمن بهذا الرأي وهذا الانفتاح لا يضع نفسه موضع العدو لعقائد النَّاس، طالما أنها لا تُقتحم ادارة الدولة وتوجيه السياسة، وابن عربي في هذا الرأي علمانيّ يعمل على حماية العقائد الدِّينيَّة كافة، وهذا ما يقوله في ديوانه “ترجمان الأشواق”: “لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ...”.

بهذا المعنى عندما يأتي قائل ويعتمد على كُتاب يخمنون أن لا وجود لتاريخ الإسلام، ويعتبرون كل التاريخ المكتوب والفقه الذي يمارس منذ نشأت الإسلام إلى اليوم، عبارة عن فبركة، طامة كبرى وخلل معرفي خطير. كان من مصادرهم كتاب صدر بالإنكليزية تحت عنوان “الهاجرية وصناعة التاريخ الإسلامي”، وكتب أُخر كثيرة. هنا مهمتي كمشتغل في التاريخ أن أوضح هذا التهافت على مثل هذه الرأي، حتَّى تحول المتأثرون به إلى عقائديين، من دون تمحيص ودراسة، وقد قلت في ما كتبت: إن الطبري في تاريخه ولا الماوردي في أحكامه لم يؤلفا مسرحية، إنما كتبا تاريخ. مَن ردَّ عليَّ، ممن لا يفرق “بين البجير من العجير” تمسكوا بتفاصيل الروايات، وأنا مع نقدها هي والأحاديث أيضاً، ومن حقِّ أي باحث أن يجرحها ويعدلها، ولكن لا يصل الجهل إلى حد الادعاء بأن الإسلام أسسه عبد الملك بن مروان، وأن القرآن قد تم بعد مئتي عام من الهجرة.

باعتقادي أنَّ هذه آراء خطيرة، تدعم الإرهاب والتطرف، من دون قصد، ومعلوم أن تطرف اليسار يلتقي بتطرف اليمين، مثلما عبر عن ذلك لينين في “مرض اليسار الطفولي”. إنَّ هؤلاء يعطون عذراً لكل الحركات الإسلامية المتطرفة، أن تمارس العنف، تحت نداء: الدفاع عن الدين! فهل مجتمعاتنا بحاجة إلى هذا الهراء والتلاعب في عقولهم، جنباً إلى جنب مع أصحاب المنابر الدِّينيّة، مع اختلاف التفكير. طامة معرفية كبرى، أن تتجاهل تاريخ خمسة عشر قرناً، لأنك قرأت كتاباً مثل كتاب “الهاجرية...”!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top