كلامٌ عاديٌّ جداً: رقٌّ أثريّ

حيدر المحسن 2021/10/05 10:41:23 م

كلامٌ عاديٌّ جداً: رقٌّ أثريّ

 حيدر المحسن

يُحكى عن النّحّات «رودان» أنه كان يتأمّل تمثالا لفتاة أنجزه أحد تلامذته، وفجأة تناول مِطرقة وهوى بها على ذراع التّمثال. تعجّب التّلميذ من هذا العمل، واستفسر من أستاذه، لكنّه لاحظ أن الفتاة صارت أكثر جمالا. الذّراع، وهي غائبة، باتت أكثر حضورا، وتحقّق لتلميذ «رودان» أهمّ مبدإٍ يقوم عليه الفنّ، وهو إخفاءُ المعنى في مضمون العمل، من أجل إعطاء الشّكل طاقةً فنّيّةً أعلى.

يا أُخيّ العزيز

يا أُخيّ الذي توّجته الطّيورُ

ملكا مطلقا...

أبدا/هل أراك/-مرّة واحدة-/خالعاً تاجك المستديم/

عازبا/ أرملا... / عارياً... / كيتيم!

عنوان القصيدة هو “الهدهد”، من مجموعة الشّاعر الثّانية “نار القطرب”، حيث يدور الكلام فيها عن المرأة، لكنّ الشّاعر لا يذكرها ولا حتّى بالإشارة؛ المرأة الحبيبة والزّوجة والخليلة والصّديقة، وكذلك المرأة الأمّ، والتي أدّت دورا يمكن وصفه بأنه النّور الدّاخلي للقصيدة. إنّها حاضرة في كلّ مقطع منها ولا يوجد ما يدلّ عليها بالقصد، لكنّ القارئ يحسّ بفضلها عن طريق غيابها، وهذا لا يُدرك عند أوّل ردّ فعل لقراءة النّصّ، فالشّعر الحديث يحتاج إلى نوع من البراعة لدى المتلقّي من أجل تجلّي ما هو مُضمَر. الذّراع المفقودة حاضرة أكثر، وفعلها يزداد كلما طال تأمّلنا للعمل، إلى أن تتحقّق رغبة الفنّان الأخيرة، وهي أن تتبدّل استجابتنا لتجربته الجماليّة التي يريدها أن تكون كاملة من الدّهشة إلى الرّهبة.

إن الوصول إلى حالة الإتقان في الأدب يحتاج إلى موهبة كبيرة وجهد عظيم، بالإضافة إلى العنصر الأهمّ، وهو الجرأة. هنالك تحريف لغويّ قام به حسين عبد اللّطيف للضّرورة الفنّيّة، فاليتيم في القاموس هو فقيد الأب، ويُستعمل بهذا المعنى للحيوانات التي فقدت أمّها. إنّ الشّاعر يبحث دائما عمّا يلمّع به عمله، ولو اضطرّ إلى مخالفة العلماء.

رغم أنه لم يكن أيّا من “الشّخوص” الذين مرّ ذكرهم، فهو لم يكن عازبا، ولا أرمل، لكنّنا نشعر بحزن الشاعر الذاتيّ مهيمنا كما لو أنّه المقصود بأمر الفقدان، والذي هو محور القصيدة. هنالك رأي لِ”سانت بوف»: «العمل الأدبي العظيم نتاج أنا أخرى غير التي تظهر في عاداتنا ومجتمعنا وحياتنا”. ما يريد أن يقوله النّاقد الفرنسي إنّنا حين نكتب ننزع عنّا ذاتا ونلبس أخرى لا تخصّنا، فهي تعود إلى عقل جمعيّ ينتمي إليه جميع من يشاركوننا سماء وأرضا واحدة، أو حتى مختلفة، وهكذا يكون للشّعر العظيم فعله الخلّاق في عموم البشر، ذلك هو رهانه، وتلك هي مواضع فخر شاعره.

يعيش الجنود الذين تعرّضوا إلى عمليّة بتر القدم أو السّاق من جرّاء انفجار لغم أرضيّ حالة شعور مكثّفٍ بالعضو المبتور، في اليقظة والنّوم، وتحضرهم كوابيسُ تتحرّك فيها السّاق والقدم على السّرير، تجرّب الطّفر العالي والعريض، والجري السّريع أو السّباحة. إنّها تؤكّد حضورها في الوجود بصورة أكثر تلقائيّة من أيّ وجود آخر رغم أنّها صارت في دنيا العدم.

تمكّن الشّاعر في “الهدهد” من استحضار ما يكمن وراء الحدث الذي يكوّن مادّة الشّعر، وهو أحد أهمّ أقانيم الحداثة في الفنّ، من لا يمتلكه لا يُكتب لما يأتينا به الحياة. في رأي ماركيز أنّ الكاتب لا بما يكتب، بل بما يشطب، وأحسن من يوضّح هذه الخاصّيّة في الأدب الحديث هو إيتالو كافينو: “إن الصّفحة في الكتاب تشبه رقّاً أثريا يُستخدم للكتابة عليه بعد محو الكتابة الأصليّة”.

سؤال: أين هو الجزء المحذوف من هذا النّصّ لحسين عبد اللّطيف، وعنوانه “القصيدة”؟

«لقد آبَ عند حلول المساء الرّعاة

جميع الرّعاة

فهيّا... شياهي

رعيلٌ

من الشّعراء

ورائي

يجدُّ ورائي

يريد افتراس القصيدة».

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top