عبد الرزاق قرنح.. مصير الفرد الأعزل في دوامة التاريخ

عبد الرزاق قرنح.. مصير الفرد الأعزل في دوامة التاريخ

كتابة وحوار سعيد فرحان جنيف

عبر البحر” ضمن القائمة المصغرة لجائزةAbdulrazak Gurnah « عندما رشحت رواية عبد الرزاق قرنح البوكر برايس كتب محرر الملحق الأدبي لجريدة التايمز

” يحبس القاريء انفاسه وهو يقرأ هذه الرواية لكي لا يخل بمجرى احداثها” وقد وضع الناشر الفرنسي هذه الكلمة التي تشبه تحديا على غلاف الرواية. وعندما يصل القاريء الى الغلاف الأخير فإنه سيجد كلمات الناقد صحيحة للغاية. فهذا الروائي العصامي الجاد يمتلك فن تشويق لا يباريه فيه أحد من الكتاب الأفارقة. الكتاب الآخرون مثل نور الدين فارح أو شينوا اشيبي على سبيل المثال يمتلكون السطوة في تناولهم انسان قارتهم ولكنهم يفتقدون هذه القيمة النادرة، متعة التشويق في الوصول الى أكثر المشاعر عمقا في الروح البشرية حتى ليصبح الكائن الأفريقي مثالا للإنسان الأعزل الملقى في متاهة التأريخ المريعة. إن موضوعة النفي هي موضوعة قرنح الأثيرة وفيها يتدفق نثره النقي ليهز يقين القارئ. أبطاله مأخوذون بالحكايات والقصص وكأنها الوسيلة الوحيدة القادرة على انقاذهم من هول الواقع. في واحدة من أكثر رواياته شهرة “ جنان” التي يدور محورها حول شخصية الطفل يوسف الذي يمنحه أبوه لتاجر عربي يعمل في التجارة لعدم قدرته على دفع ديونه لهذا التاجر. يصطحب التاجر يوسف في رحلاته من جزيرة زنجبار (وهي موطن قرنح) الى العمق من افريقيا باتجاه مناطق البحيرات الكبرى.

 

لا يفهم يوسف سبب مرافقته للتاجر ويظنه أحد أقاربه ومع المدى الزمني الذي تستغرقه رحلة التجارة هذه لا يستسلم يوسف كليا لهذه الاقتلاع القسري ، لأنه يجد متنفسا لشعور النفي في حكايات افراد الرحلة: السائق الهندي الواسع الثقافة، عمال الحمل، والطبيعة التي تستغرقه والتي يجد في مياهها الرائقة تعويضا للجنة التي فقدها. وفي رحلة التعلم هذه، رحلة المرور من الطفولة الى مرحلة الصبا، يحلم يوسف بالأنعتاق وبالرحيل مثله مثل جميع ابطال قرنح. المفاجآت التي تحملها كل صفحة من صفحات الرواية والشخصيات الثانوية التي تمر مثل طيف وتلقي بمذاق الحياة المرّ تجعل من يوسف شابا يختزن خبرة الوجود التي تجعلة في آخر صفحة من الرواية يقرر الرحيل في صفوف أحد الجيوش الغازية. تدور الرواية في مشارف الحرب الكبرى حين تتقاسم البلدان الصناعية مصائر وثروات العالم الثالث وتلقي بشعوبها في دوامة يبدو الخروج منها مستحيلا. لا يتردد قرنح في التعرض لتشريح تأريخ بلاده، لغزوات الدول الغربية ولكن الأحداث تروى عبر عينين بريئتين لم تشبعا من رؤية الأم. رواية “ذاكرة الرحيل” هي أولى رواياته السبع تتابع رحلة “حسن” الذي يهرب من مدينته البائسة (كنج) لكي يحصل على عمل في مدينة بايروبي. شوقه للعيش في المدن الكبرى سرعان ما يصطدم بمرارة واقع يجهل قواعده وعلاماته حين يطرده خاله بقساوة وذلك حين يكتشف حبه العارم لإبنة خاله الجميلة(سلمى). يبحث حسن في الهروب عن علاج للشعور بالإهانة. وفي نهاية الرواية التي تأتي مثل يقظة بعد حلم مهول، نجده يكتب رسالة حب لسلمى وهو على ظهر باخرة شحن تمخر البحر بين بومباي وماكاو. في خضم مطحنة التأريخ السوداء يبدو الرحيل وكأنه علامة للخلاص لشخوص قرنح. ولأنه ولد وترعرع في جزيرة (زنجبار) فإن البحر هو نافذة الرحيل وسبيل الخلاص، ولكنه خلاص محاط بالاشواك، اشواك الذاكرة التي تستيقظ وتلقي المنفي في دوامة اليأس. في احدى أكثر رواياته تشويقا “عبر البحر” والتي ترجمت إلى معظم لغات الارض الحية، يجد بطل الرواية (صالح) نفسه بعد رحلة طويلة تقوده إلى

طلب اللجوء السياسي في بريطانيا، امام ماضيه المتمثل بمترجم من ابناء جزيرته كان قد استولى هو على منزل أبيه في الماضي. في الماضي يتعرف صالح على تاجر بحراني من أصل إيراني استطاع ان يجمع ثروة هائلة في رحلاته التجارية. يسهب قرنح في وصف جزيرته وفي جعلها شأنها شأن كل جزيرة مأوى للتجار الرحالة، لجشعهم، لأخلاقهم الغريبة التي لا تتردد في اغتصاب الأطفال(مثلما يفضح جشع التجار العمانيين وطرائقهم الغريبة بالمتجارة بالبشر في رواية “جنان”). يستغل هذا التاجر غفلة موظف في الأشغال العامة اسمه رجب شعبان، يغتصب أبنه ويخونه مع زوجته ويستولي على بيته ولأنه استدان من صالح مبلغا من المال، يعطيه مقابله سند البيت. يطرد صالح أهل البيت ويسكنه. بعد الأستقلال تنتقم زوجة رجب منه بالالتجاء إلى معارفها من المتنفذين في السلطة الجديدة. يسجن صالح عشرة أعوام يفقد خلالها زوجته وطفلته. ويعود الى تجارة الخردوات التي كان يزاولها من قبل. ولكنه يصاب بالذعر عندما يسمع بعودة إبن رجب الأصغر الذي عاد في رحلة زيارة لزنجبار. يدبر جواز سفر مزوراً يحمل أسم رجب شعبان ويرحل إلى انكلترا عبر البحر. يجد نفسه في بلد غريب، وحيدا وبهوية مزورة. في واحدة من اجمل وأكثف مشاهد الرواية يصف قرنح رعب صالح امام شرطي المطار اللطيف وهو معلق بين قبوله في هذا البلد وبين امكانية ترحيله إلى ماضيه. غير ان الماضي سرعان ما ينبثق حين تعثر موظفة المساعدة الأجتماعية على مترجم يجيد لغته وحين نتعرف على المترجم نكتشف انه الأبن الأصغر لرجب شعبان. الفصل الأخير من الرواية مكرس للقائهما في بيت كابي وكل واحد منهما يروي احداث ماضيه وكأنه يحاول التخلص منه إلى الأبد. الرواية تجري مثل نهر بفرعين من خلال استخدام ضمير المتكلم، ولكنه، ومن هنا تنشأ قوة الرواية، ضمير متكلم لشخصين مختلفين. الشخص الأول هو صالح والشخص الثاني هو لطيف أبن رجب شعبان الذي هجر الجزيرة بعد أن فقد أبوه منزله، ويشكل الفقدان الصدمة الرئيسية التي جعلت منه منفيا كره جزيرته ورفض جذوره وانتقل للعيش كليا في أنكلترا. الصوتان يتحاوران في القسم الأخير من الرواية بشكل ساحر دون أن يتخلى أي منهما عن صفة ضمير المتكلم

حتى يختلطا وكأنهما يبحثان عن بلسم يشفي جروحهما ويمكنهما من العثور على نوع من التآلف مع المحيط الجديد، كل ذلك ببساطة ساحرة لا يقوى عليها غير كاتب كبير. من أين يأتي هذا النضج المبكر وهذه القدرة الروائية العالية ولماذا ينشأ كتاب كبار في بلدان لا تعرف التقاليد الروائية؟ لا يجيب عبد الرزاق قرنح عن هذا السؤال في حوارنا وهو يعتقد ان الكاتب هو مصير فردي لا علاقة له بمكان محدد، غير أن القبض على أكثر مشاعر الإنسان سرية يبدو محيرا و طريق الكاتب الجاد فيما يبدو هو طريق آلام فردي يمتزج فيه الألم بالقدرة على التأمل والتأني واستيعاب دروس الكتاب الكبار. فهو قارئ ممتاز واستاذ ادب كثير التأثير ( يدرس قرنح الأدب في جامعة “كنت” منذ سنوات طويلة) وهو متابع متفحص لأدب العالم الثالث في مرحلة ما بعد الكولونيالية وهو أيضا ناقد ممتاز يرشد القارئ بدقة وبصبر الى المادة الأساسية في اعمال الروائيين الذي يتناولهم. هل اهتدى قرنح إلى صوت الموهبة في داخله في الغرب. لا يجيب بشكل قطعي على تساؤلنا، انما يلمح لتأثير في طريقة عمله، فقد وصل بريطانيا في سن العشرين ومنذ ذلك الوقت وهو يعيش في برايتن ويدرس في “كنت” ويكتب بأنكليزية يصفها نقاد الأدب بأنها انكليزية رفيعة ناصعة مشبعة بمفردات دقيقة. ولد عبد الرزاق قرنح في جزيرة زنجبار عام 1948 من أب ينحدر من أسرة يمنية وأم تنزانية من موباسا وأصدر حتى الآن سبع روايات هي على التوالي: “ذاكرة الرحيل”، “دوتي”، “طريق الحاج”، “جنان”، “عبر البحر”، “صمت مدهش”، “فرار”. وقد حرر هذا الكاتب مجلدات عديدة عن أدب ما بعد الكولونيالية وكتب المئات من المقالات النقدية والبحوث. يبدو هذا الكاتب وكأنه قد كرس حياته كليا للأدب حتى يصعب تصوره أبا لعائلة ومدرساً جامعياً مرموقاً. لا يفارق الكاتب موطن طفولته رغم بعده عنها ويرصد في كل رواية مصير الكائنات البشرية التي تئن تحت وطأة تأريخ لا يرحم ألقيت في أتونه دون حماية حتى ليبدو الرحيل أحد أشكال القرب منها. في رواية “صمت مدهش” التي أخلفت موعدها مع البوكر برايس بفارق صوت واحد، يتحول المنفى الى عبء جديد وكأن أرض المنفي هي مخيلته التي تتسع باتساع المسافة بينه وبين موطن

وتعيقه من التأقلم مع المحيط الجديد. بطل الرواية ينحدر من الجزيرة ذاتها، ذاتها يصل إلى انكلترا شابا، هاربا من جحيم الانقلابات السياسية. يتزوج من أنكليزية ويحصل على عمل كمدرس في أحدى المدارس في ضواحي لندن. غير أن حياته تأخذ بالتصدع شيئا فشيئا. فوظيفته مرهقة ولا تملا جوعه أزاء طلبة متعبين لا يرون في الدراسة غير عبء ثقيل. زوجته الأنكليزية لا تفهم صمته وأبنته لا تكلمه وهي في دوامة المراهقة. وهاهو الطبيب ينبئه بأن قلبه بدأ يعطي اشارات مخيفة. يدور حول نفسه من دون أن يعثر على مخرج، وينصرف للكحول ويفكر بالعودة إلى زنجبار بعد التغيير السياسي الذي طرأ عليها. يقوم بهذه الرحلة بعد عشرين عاما من الغياب. غير أنها ستضع حدا لحياته العائلية. فالبطل يراوح في موطنه ولا يفهم كيف تحولت جزيرته إلى واحدة من أكثر المناطق فقرا واندثارا. يبرع قرنح برسم صورة قاسية للقادة السياسيين المحليين ويعري النذالة والجشع اللذين يتميز بهما ممثلو الشعب. وهذا الفصل هو أكثر فصول الرواية سوداوية. غير أن الفصل الذي يصف فيه الراوي عائلة زوجته هو أكثرها هزلا. فالراوي يخترع حكايات وحياة متخيلة على مسمع حماه وكأنه يسرد احدى مسلسلات طرزان. ولكن دهشته تأخذ مدى سحريا عندما يكتشف أن الحكايات التي كان يخترعها لتطمين حماه هي وقائع حدث معظمها في غيابه. يطول غياب الراوي حتى تقرر زوجته أن تهجره ويجد نفسه في دوامة وغربة جديدتين. في آخر صفحات الرواية يجد الراوي نوعا من الخلاص بالتعرف إلى امرأة هندية رافقته في رحلة العودة بالطائرة وهي مثله هربت إلى انكلترا بعد طرد عائلتها من كينيا، مثله في طريق الضياع بين حضارتين لا يفصلهما البحر فقط إنما الأغتراب العميق الذي يصبح هوية الكائن المنفي. هذه الرواية هي بمثابة قاموس للنفي، لمن أضاع بيته الأول وحلت عليه لعنة الرحيل الدائم من بيت إلى آخر. ف

في هذا الحوار لا يدلنا قرنح على مفاتيح للدخول إلى أسراره انما يوحي لنا وما أشد قدرة الإيحاء بالإفصاح عن حيرة الكاتب العميقة. - كيف تعمل؟ هل تعمد إلى تجميع ارشيف عن شخوصك؟ هل تستيقظ صباحا باكرا؟ أين تكتب؟ في كل مكان، في البيت، في الجامعة؟ أسأل

* ثيمتك الاساسية هي النفي. ولكن شخوصك يبحثون دون جدوى عن معنى للوجود، حتى ولو انصهروا بشكل كامل في البيئة الجديدة ( لطيف محمود في “عبر البحر” والراوية في “ صمت مدهش”) انهم في حالة رواح ومجيء إلى موطن الطفولة. ولكنهم لا يشعرون بالتآلف لطول الغياب مع الموطن الأصلي، هل يعني النفي فقدان معنى الوجود؟

- ما أقترحه هو أنه من الصعب جدا بل من المستحيل الانصهار كليا في مجتمع جديد مهما كانت معاني هذا الانصهار. ما تصفه بالضيق وبانعدام المعنى هو الصيرورة المستمرة للخيال الذي ليس له مكان مادي. انه يتنقل مع صاحبه. كل شخص له حياة داخلية وخارجية، الخيال والواقع اليومي ولكن المسافة بين الاثنين في حالة المنفي هي بشكل ما كثيرة الأتساع.

* أنت تحلل بلا رحمة بيئتك الأصلية، اتساءل ما إذا كنت ستفعل الشيء نفسه في بلدك، لدي شعور بأن الكتاب المهاجرين يمتلكون حرية أكبر في التعرض للمحرمات التي تبدو ممنوعة لأقرانهم الذين ظلوا في البلد، أهي الحرية التي تمنحها لهم أقامتهم في الغرب؟

- حرية النقد محدودة في كثير من الأماكن، سواء كانت من قبل الدولة أو عبر الضغط الأجتماعي. مثقفو الغرب نالوا هذه الحرية لأنفسهم ولمن استطاع الاستفادة منها. البعد يعزز إمكانية نسيان الضغوط ولكنني اعتقد على المدى البعيد أن يكتب الكاتب ما يشعر بالحاجة اليه مهما كانت الظروف.

* أنت في رواح ومجيء دائمين بين تأريخ أفريقيا وبين الغرب ولكنك لست رقيقا مع أي منهما. شخوصك يبحثون بشكل دائب عن جذورهم وعن ماهية هذه الجذور ولكنهم لا يصلون إلى نتيجة. ومع ذلك فليس لديك ارتباط سياسي وتبدو مشغولا بشيء أبعد من السياسي، أهو المصير البشري الذي يشغلك؟

- ربما كان من السهولة الحديث عن المصير البشري بالفرنسية مما هو بالأنكليزية، أحاول الأجتهاد بتوضيح أن كل شيء معقد.

- في رواياتك اشارات لكتاب آخرين مثل جوزيف كونراد ونايبول وستيفنسن وفورستر ، ما هي مصادرك الأدبية؟

- لدي رقعة واسعة من مصادر القراءة وحتى لو طوعت عزائمي كلها فلن استطيع اجابتك على هذا السؤال لشدة اتساع هذه الرقعة. إن من الصائب القول أنها نصوص أكثر منها أسماء كتاب التي تشكل هذه المصادر.

- عبد الرزاق قرنح، هذه المقالة ستنشر في جريدة بغدادية، ما الذي تود قوله لكاتب يعيش في بغداد؟

- حظا سعيدا لكل كاتب في أي مدينة في الأرض، اما لأولئك الذين يعيشون في بغداد فأقدم لهم التعازي مع افضل امنياتي.

* نشرت هذه المادة في صحيفة المدى عام 2008 وهي اول مقابلة تنشر بالعربية للروائي عبد الرزاق قرنح

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top