يجب الدفاع عن (قوة المعنى)

يجب الدفاع عن (قوة المعنى)

ابراهيم رشيد

عندما زرت نيويورك عام 2000، شاهدت شريط فيديو للفنان والمفكر الحداثوي الالماني (جوزيف بويس) في احد المعارض الفنية، وهو يتحدث فيه الى طلاب جامعة نيويورك للفنون في بداية الثمانينات من القرن الماضي.

الطلاب هم طلاب فن من نفس جيلي، كانوا يناقشون افكارهم الفنية المعاصرة وطروحات (جوزيف بويس) المفاهيمية والحداثوية عن البيئة والأنسان. وأنا، كنت في نفس هذا الزمن جنديا في جبهة الحرب، وربما في نفس الوقت (مجازا) عندما انفجرت دبابتي واصيب كل من فيها! كنت مع ثلاثة أجساد بشرية فزعة، محشورة في صندوق فولاذي محكم، وحرارة حارقة، انتظر شهيق الحياة الأخير. اعتقد، وربما (في اللاوعي) كنت اناقش مع نفسي ايضا افكاراعن الموت والحرب والبيئة بطريقة مختلفة!!

هاتان التجربتان يعكسان بلا شك حالتين متناقضتين جدا، في كلا المكانين هنالك: معايشة وافعال حيوية ونتائج مختلفة. وفي الواقع عندما ادركت هذا بعد سنين من الهجرة، لم احزن او اغضب ابدا، فلقد كانوا يتعلمون في نيويورك من ماقام به (جوزيف بويس) وانا كنت اتعلم من ما قام به (صدام حسين)!!. اعتقد ان كلانا قد تعلم، لكن ، كل على طريقته الخاصة! هذا ماكنت اتحدث عنه مع طلبتي ايضا في كلية الفنون في تورونتو، حول: كيف يمكن ان تكون الخبرة الشخصية مصدرا مهما للبحث في العمل الفني؟ كل فنان قادرعلى ان يستلهم خبرته الشخصية (مهما كانت واينما كانت) لتكوين عمل فني مبدع، بشكل مختلف، وفكر ابداعي مغاير.

بعد انتهاء الحرب وهجرتي الى السويد شتاء عام 1991 ، تعرفت عن كثب على الفنان (جوزيف بويس) والذي قدمه الغرب كواحد من اهم فناني الحداثة في القرن العشرين. حيث جاء ظهوره في الزمن الصعب بالنسبة الى المانيا التي كانت تجمع اشتاتها لتعود للعالم بصورة جديدة اكثر انسانية بعد الحكم النازي الذي قاد العالم الى الحرب العالمية الثانية عام 1939. كان(جوزيف بويس) يمثل احد أقطاب فن ما بعد الحداثة، وقد أثيرت تساؤلات كثيرة حول نوعية وفحوى أعماله وطروحاته الفلسفية والفكرية للفن المفاهيمي. لقد جلبت انتباهي كثيرا تجربته الشخصية عندما كان طيار في سلاح الجو الألماني وسقطت طائرته اثناء الحرب، حيث جرح وقامت قبائل الشومان او (الغجر) برعايته ومعالجته بمواد طبيعة وحيوانية، اصبحت هذه المواد لاحقا بعض من مواده الفنية التي يستعملها في اعماله الفنية التي تجسد افكارا عن البيئة والأنسان في المجتمع، وهذا مااسماه لاحقا ب ( النحت الاجتماعي). وهي نظرية طورها في سبعينيات القرن الماضي على أساس مفهوم أن كل شيء يمكن ان يكون فن، وأن كل جانب من جوانب الحياة يمكن التعامل معه بشكل إبداعي كعمل فني. ونتيجة لذلك ، فأن الفن سيأخذ دورا اكبر في تطويرالمجتمع وإحداث تغيير ثوري، وبعد ذلك سيكون على كل شخص المساهمة فيه من اجل أعادة بناء ومعالجة مشاكل المجتمع والبيئة.

في هذا السياق يمكن أن يأخذ كل فرد دور الفنان وان يكون فنانًا، ويمكن ان تكون المادة بحد ذاتها عملا فنيا اذا تشكلت في عقل ابداعي، وتصبح (المادة) صورة من صورة للأنسان والمجتمع. هذا ما كان يسعى اليه كفنان وباحث ومفكر وناشط سياسي، ترك أثره الواضح على فن الحداثة في القرن العشرين. كانت اكتشاف هذه التجارب والأفكاربالنسبة لي بمثابة (الشهيق الأخير) الذي كنت ابحث عنه بعد خروجي من الدبابة المحترقة، اوخروجي من العراق، انه بلاشك تواصل انساني وثقافي غيرمباشر وغير معلن بين ثقافتين، وبيئتين وحربين، وتجربتين.

لقد كانت مثل اي تجربة انسانية قاسية، جعلتني افهم عملي الفني بطريقة مختلفة، اوربما سعيت لأن تكون مختلفة عن اقراني في اوربا وامريكا. اليوم أرى ان الحرب اوالموت مازال يزحف بنعومة واحتيال، على اجساد البشر، يعيد صوره المرعبة من جديد بأشكال مختلفة وبأنفجارات في الهواء الطلق! قوة السلطة الشمولية، سواءا كانت ايدولوجية او سياسية او اقتصادية او دينية، مازالت تتحكم بالجسد البيولوجي للانسان، ماديا وفكريا، عن قرب او بعد، ومن خلال كم هائل من الوسائط المادية والتكنلوجية والبيولوجية، ولم تعيراهتماما لحريته او وجوده الثقافي اوالانساني. لكن إخماد فاعلية الإنسان، كما تؤمن بها هذه القوة، لا يتم بمحاربته ثقافياً فقط، إنما بالتعامل البيولوجي معه كجسد بواسطة (الالغاء اوالقتل اوالابادة او الحرب). فالسلطة تعلم ان (الموت) موجود في داخل كل انسان، وهو نقيض حياته، ولذلك فلقد اخذت هذه الغريزة واستغلتها من اجل انتاج سلاح، او(مضاد ثقافي) لجسد الانسان بيولوجيا، لتخويفه بفرض ثقافة الموت والعنف والقمع من ناحية، اولتغير فكره اوخياراته من خلال غسل ( اوفلترة) العقل بالعقم الأيدولوجي، او بالانتحار(كما يحدث في التفجيرات الأنتحارية).

في دراسته المعنونة (يجب الدفاع عن المجتمع) يثير الفيلسوف الفرنسي فوكو تسائلات عديدة عن الموت والسيطرة او(الهيمنة الساسية) ، وكيف اصبحت الحرب نموذجا لتحليل علاقات الأنسان بالسلطة. يكشف عن مفهوم جديد للحرب اصبح اساس دائم في مؤسسات السلطة، وهو في الحقيقة اساس خفي داخل المجتمع ومصدر قلق مهيمن ومهين للأنسان اليوم. في خضم التحولات الكبيرة للحياة وصراعات وافعال الانسان اليومية، اصبح الفن لغة متنوعة وصورهجينة للانسان والبيئة والاشياء، يصورويفضح الطريقة التي يتم بها تسييس الانسان ومراقبته في اصغر خلاياه وحتى من الأقمار الصناعية، انه بلا شك موت وهيمنة عن بعد!

هذه الأفكار اخذت تلعب دورا مهما في حياتنا اليومية وفي الابداع الثقافي والفني عموما. فمن تجربةٍ شخصيةٍ، قاربت النصف قرن تقريبا، كنت دائم البحث عن عمليات فنية وتجريبية يمكن ان تقودني الى مفهوم وتطبيق جديدين للشكل والمعنى في العمل الفني. وجدت بعد ذلك، ان أهم مُشكلٍ للشكل هو المعنى نفسه القابع في المجتمع، أو لنقل “قوة معنى” الفكر في تكوين المجتمع. هذه الطريقة في التفكير استقطبت الكثير من العناصرالبصرية والمعرفية المحيطة في حياتنا اليومية، لأن هذه العناصر لاتقف عند حدود الشكل بل تغورعميقا في معنى الفكر. لقد اصبح المعنى في هذا السياق لايكترث لنهاية الشكل وتحولاته، وان الحدود والخطوط البيانية التي كونت الشكل اصبحت تتنامى وتكتسح الشكل نفسه لتصل الى حدود ابعد للمعنى . سلسلة من أفكاروتجارب بصرية (للشكل والمعنى) اخذت تتعمق في تفكيري كلما تغيرت فيها تجاربي الحياتية اليومية، بدأ من الصراع السياسي والحرب والهجرة والتحول الذي دام اكثرمن ثلاثين عاما بين العراق والسويد واميركا الشمالية. فكيفما كان العمل الفني او الأابداعي، فالشكل والمعنى كلاهما يسيران في اتجاهين متوازيين، لكنهما يشيران الى هوة واضحة بينهما، بسبب عدم وجود اواستعمال الوسائل والأساليب التي يمكن ان تجمعهما بما يلائم وقتنا الحاضر. ولهذا السبب نجد ان الكثير من الفنانين والكتاب في الغرب ، يحاولون دائما الاستفادة من وسائل البحث والتعبيروالتقنية الحديثة وايلاجهما سوية في العمل الفني.

هذا بعض ما يشغلني اليوم: كيفية التعامل مع النشاط البشري، والحيوي (سواء كان فكريا اوحياتيا اوفنيا وفي اي مستوى كان) ليكون مصدر(الهام) ابداعي للفنان. في اعتقادي ان هذا هو جوهرالعمل الفني والفكري وهو جزء من جوهر المجتمع، اما العمل الفني بحد ذاته فما هو الا واحدا من اشكال المعنى الظاهره والمختفية المجتمع. هذا الأمر يحدث باستمرار، فكل مانراه اليوم يخفي شيئا آخر، ولذلك فنحن غالبا ما نرغب في رؤية ماهو مخفي وراء ما نراه. هناك فضول دائم حول ما هو وراء المخفي، وماهو جلي لكنه غير ظاهر لنا في الواقع. هذا الفضول قد يصبح مغامرة للبحث، وهو شكل من أشكال الوجود الأجتماعي الذي يمكن وصفه ب (قوة المعنى في المجتمع)، القوة القابعة بين الواقع والحقيقة، والموت والحياة، والبناء والتدمير.

هذه بعض المقاربات النقدية في السياق الفني لتجربة الحرب والفن والمجتمع، فعلى الرغم من بعض التجارب لم يتعمق فيها البعد المفاهيمي في تلك المرحلة، لكن تعمق فيها فكرها (الآني) في محاولة نقد، وتوثيق قوة معنى الفن والمجتمع ، كما حدث مثلا في مجموعة من اعمالي الفنية التي رسمتها ونشرتها في الصحافة اليومية، على اعتبارها لغة التواصل اليومي مع المجتمع. عندما التحقت في جبهة حرب الخليج الاولى عام 1982 و حرب الخليج الثانية عام 1991، كجندي في صنف الدروع رسمت سلسلة من الرسوم الكرافيكية السوداء والتي كانت بعنوان (صلاة الغائب) و(بقايا ماتبقى) و(لغة الجسد) ورسوم عديدة اخرى نشرت في مجلة (أفاق عربية) ذاع صيتها في وقت الحرب، لما عكسته من اسلوب تعبيري حاد يعكس رفضا للحرب. كانت هذه الرسوم بمثابة تحدي يومي يجسد مشاهدات يومية لجنود قد قتلوا امامي، رسمت ماتبقى منهم ومن امتعتهم، بأسلوب تعبيري سوريالي. شاهدت اجسادهم ملتوية ومحترقة مع الفولاذ، أصبحت بالنسبة لي مثل صرح فني عن الحرب. كتبت حينها الى صديقي الفنان الكبير شاكر حسن أل سعيد، والذي هو بدوره نشرها في مجلة الطليعة الأدبية انذاك ، حيث كان متابعا شغفا لتجربتي الفنية في الحرب (...لقد استحال لي ماتبقى من هؤلاء الجنود، ادواتهم العسكرية والشخصية الى كينونات بيئية وانسانية جديدة تعكس لي فكرا فنيا جديدا يرتبط بالانسان والبيئة والموت والحياة...). اليوم عندما انظر اليها من جديد، فأنا افحصها بفكر مختلف، ورؤية مفاهيمية جديدة. لقد كانت كما يجب ان تكون لوقتها!

والخلاصة، فإن السبب الذي دعاني إلى كتابة هذا المقال هو محاولة الكشف عن ماهو مخفي في حياتنا وذاكرتنا من معانى ودلائل واشكال اخذت تعاد اليوم بصورمختلفة. لقد تعددت التجارب والمواد والوسائل والمصادروالنتائج في الفن المعاصر، وهي ليست بالضرورة ان تكون تجارب تشكيلية وأنما تجارب بصرية وثقافية وأجتماعية متنوعة، تتقاطع جميعها مع مبدأ الوجود ومعنى الموت والحياة. ولهذا لم تعد عناصر ومبادىء الفن التقليدية مثل الخط والشكل واللون والمنظوروغيرها (فقط) الأساس في تكوين العمل الفني، بل هنالك عناصرمعرفية ومفاهيمية جديدة تكونت وامتزجت معها، نابعة من التطورالفكري والأنساني والثقافي الذي نحن جزءا منه ومن هذا العالم. انا اسعى من خلال تجاربي الفنية وكتاباتي الى التعريف بمضامين (مابعد الحداثة) في الفكر (الآني اللحظوي) وليس المعاصرمنه فقط ، والذي هو بحد ذاته سلسلة من الأفكار والتجارب التي تجسد الظاهرة الحضارية اليومية مرورا بالخبرة الشخصية والمادة والفكرة، والمؤثرات الأخرى التي اخذت بالأزدياد والتوسع بلا هوادة يوماً بعد يوم. اليوم نحن بحاجة أكثر،الى عقل نير، جديد، منفتح، جريء يكشف ماهو مخفي في الواقع الدفين ، والمعنى العميق للحقيقة، والمعنى الآخر للمعنى، ويصنع عناصرومباديء ومفاهيم جديدة للفن وللثقافة والمجتمع نابعة من ( قوة المعنى) نفسه في أرادة البقاء والوجود! السؤال الآن: كيف يمكن ان يستلهم الفنان احداث العراق اليوم؟ وكيف يمكن ان يعكسها بفكر وشكل لحظوي ومعاصر، ينقذ معنى الفن من سذاجته البصرية وتخلفه الفكري، نحو آفاق جديدة في القرن الحادي والعشرين؟ سؤال يطرح الآن!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top